الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - المعيشة
(1)
عنى القطر التونسى-على مر الأزمنة بالزراعة، وقد أولاها الفينيقيون والقرطاجيون اهتماما كبيرا، إذ رأوها تنتج وفرة من حبوب وبقول متنوعة، وقد حملوا إليها من موطنهم شجرة الزيتون، وربما أيضا الكروم والتين واللوز، ويدل-فى وضوح-على اهتمامهم بالزراعة أن أقدم كتاب عالمى فيها وفى غرس الأشجار ألفه عالم قرطاجى يسمى ماجن Magon وأن الرومان نقلوا عن قرطاجة هذا الكنز الزراعى النفيس إلى لغتهم حين استولوا عليها سنة 146 قبل الميلاد، وعنوا-مثل القرطاجيين-بالزراعة وحفروا لها القنوات لجلب المياه، وأقاموا بها الصهاريج والخزانات والأحواض، مما لا تزال شواهده قائمة فى إفريقية التونسية.
وظل أهلها فى العهود الإسلامية يعنون بالزراعة، فهى معاشهم، ومنها قوتهم وزادهم. وقد عنى بها الأغالبة عناية كبيرة، ومما يدل على ذلك أنهم كوّنوا لرى الأراضى وجلب المياه وتخزينها فى الصهاريج وتوزيعها فى السقايات إدارة كبيرة، عيّنوا لها مشرفا سموه «صاحب المياه» واستغلوا فى ذلك كل ما خلّفه القرطاجيون والرومان والبيزنطيون فى البلاد مع ما أضافوه من قنوات ودواليب وأحواض وخزّانات جديدة، مما جعل البلاد التونسية تلقى فى حجورهم بكل ما تستطيع من طيبات الثمار، وتزدهر فيها الزراعة وغراسة الأشجار ازدهارا لعلهما لم يبلغاه فى عصر من العصور، وأخذت البلاد تعيش فى بلهنية من العيش، وأخذ الأغالبة يجنون منها أموالا طائلة، ساعدتهم مساعدة عظيمة فى بناء أسطولهم الذى فتحوا به صقلية ومالطة، كما ساعدتهم لا فى بناء قصر أو قصور فحسب، بل فى بناء مدينة هى العباسية ومدينة ثانية هى رقادة التى زارها أبو عبيد البكرى، فقال فى كتابه المسالك:«ليس بإفريقية أعدل هواء ولا أرق نسيما ولا أطيب تربة من مدينة رقادة، ويذكرون أن من دخلها لا يزال ضاحكا مستبشرا من غير سبب» : مدينتان كبيرتان بنتهما دولة الأغالبة التى أظلت البلاد التونسية قرنا من الزمان بفضل ما جنت من خيراتها. وإذا تركنا شمالى تونس إلى الداخل لقيتنا مدن فى السباسب والواحات كثيرا ما نوّه بها جغرافيو العرب ورحّالتهم لما بها من البساتين المثمرة والكروم والمشمش والتين
(1) راجع فى المعيشة المسالك لأبى عبيد البكرى ورحلة التجانى والبيان المغرب لابن عذارى وكتاب وصف إفريقيا للحسن الوزان والمؤنس فى أخبار إفريقيا وتونس لابن أبى دينار وكتاب ورقات عن الحضارة العربية فى إفريقية التونسية للأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب.
واللوز والفستق، ويقولون إن بها غدرانا وآبارا كثيرة. وبعض الجهات-وخاصة فى النواحى الشرقية-مفازات شاسعة تنمو فيها الأعشاب والحشائش وترعاها قطعان الغنم والأبقار والإبل والخيل.
وظلت الزراعة مزدهرة فى عصر الدولة الصنهاجية حتى منتصف القرن الخامس الهجرى، وأصابها غير قليل من الانتكاس مع الهجرة الأعرابية، حتى إذا كانت الدولة الحفصية وأخذ يعم الأمن والاستقرار فى البلاد بعد حركات قراقوش وابنى غانية عادت الزراعة فى البلاد إلى الازدهار بفضل عناية مؤسس الدولة أبى زكريا بشئون الرى وعناية ابنه المستنصر، ويقول ابن أبى دينار إنه أكمل بناء الحنايا والقنوات التى كان يجرى عليها الماء إلى مدينة قرطاجة فى الزمن الأول (لأيام القرطاجيين والرومان) وأصلح ما فسد منها، وأجرى الماء عليها من عيون جبل زغوان فى الجنوب الغربى إلى تونس وجناتها وزروعها وسقاياتها وجامعها الكبير: جامع الزيتونة. وينوّه الحسن الوزان بما شاهد حول تونس فى القرن العاشر الهجرى من زروع وبساتين قائلا: «توجد فى خارج تونس مزارع غاية فى الإبداع تنتج فواكه رائعة بكميات قليلة ولكنها فى غاية الجودة، وهناك عدد لا يحصى من البساتين المزروعة بالبرتقال والليمون، وبالورود وبزهور جميلة أخرى، وفى المكان الذى يدعى الباردو على الخصوص توجد البساتين والقصور الفخمة» . وينوه ابن أبى دينار فى زمنه أوائل القرن الحادى عشر الهجرى بجنات تونس وبساتينها، ويقول إن من رأى ثمارها وفواكهها يعجزه الوصف إذ لا تدخل تحت حصر» ويقول أيضا:«يدخل إليها فى فصل الخريف أزيد من ألف حمل من العنب بخلاف ما يباع معه من تين وبطيخ وغيرهما» . وبدون ريب كان للمهاجرين الأندلسيين إلى تونس فضل كبير فى هذا الازدهار منذ عصر الدولة الحفصية، وازدادت الزراعة ازدهارا حين ازداد المهاجرون منهم زيادة مفرطة فى سنة 1016 هـ/1609 م وما بعدها لعهد الداى عثمان والداى يوسف كما مر بنا فى الفصل الماضى، ويقال إن عددهم بلغ حينذاك أكثر من مائة ألف، وقد استقر كثيرون منهم-كما أسلفنا-فى المناطق الخصبة الشمالية حول نهر مجردة، ونزل بعض منهم فى أنحاء قليلة المياه فاستخرجوها عن طريق طواحين الريح، ونزل بعضهم فى أماكن صعبة بسفوح الجبال، واستطاعوا-بجدهم-أن يحيلوا كل ما نزلوا فيه واستقروا به إلى جنات وزروع وقنوات وعيون. وتلقانا أشجار الزيتون والبرتقال واللوز والفستق فى كل مكان كما تلقانا أشجار النخيل، وخاصة فى الواحات ومنطقة شط الجريد. ويبدو أن الرومان تغلغلوا مع القوافل التجارية إلى هذه المنطقة وظل كثيرون منهم فيها بعد الإسلام لا قرنا بل قرونا متطاولة، حتى لنرى التجانى الذى زارها فى أوائل القرن الثامن الهجرى يقول فى زيارته لها التى سجلها فى رحلته:«إن أهل توزر (غربى شط الجريد) وأكثر بلاد الجريد من بقايا الروم الذين كانوا بإفريقية قبل الفتح الإسلامى» ويقول إن بعضهم كان لا يزال يتكلم اللاتينية.
وعرف القطر التونسى مختلف الصناعات-وخاصة اليدوية-من قديم كالنجارة والحدادة وعصر الزيتون واستخراج المعادن. وكان بها معادن كثيرة مثل الرصاص والحديد والزنك والزئبق والفضة والذهب أتاحت للقطر موارد مالية غير قليلة، حتى لنرى الأغالبة يخصونها بإدارة يسندونها إلى موظف سموه:«صاحب المعادن» واشتهرت «قرطاجة» فى غربى القطر بما كان يستخرج فيها من معدن الحديد، مما هيّأ لصناعات حديدية مختلفة مثل الأقفال والمفاتيح والأبواب والنوافذ، واشتهر «طرّة» من إقليم نفزاوة فى الجنوب الشرقى للقطر بمعدن الكارتز، وهيّأ بدوره لصناعات زجاجية وبلورية. ومن أهم الصناعات صناعة الخزف مطليا وغير مطلى وما يتصل بها من الآنية والأباريق والكيزان والمواعين، ويقول ابن أبى دينار فى فواتح كتابه «المؤنس»:«تصنع بتونس آنية للماء من خزف شديد البياض فى نهاية الرقة والشفافية لا يعلم له نظير فى سائر الأقطار» . ومن الصناعات صناعة دبغ الجلود وكان ينتفع بها فى صناعة السروج.
ومن الصناعات عصر الزيتون فى معاصر كثيرة معدة له، وتونس تشتهر بهذه الصناعة منذ عصر الرومان، وكانوا يرسلونه إلى روما فى مواعين كبيرة، ويدل على كثرة معاصره فى الحقب الاسلامية ما يذكره ابن أبى دينار وهو أن أبا يزيد مخلد بن كيداد-حين زحف على إفريقية التونسية فى عهد الخليفة العبيدى القائم بأمر الله ودخل القيروان وتونس-نهب اثنى عشر ألف جابية زيتا. ويقول الحسن الوزان فى كتابه وصف إفريقيا الذى سجّل فيه زيارته لتونس:
وكانت صناعات المنسوجات القطنية والصوفية والحريرية والكتانية منتشرة فى تونس وغيرها من بلاد القطر التونسى، ويقول أبو عبيد البكرى فى كتابه المسالك عن النسيج بمدينة سوسة:«الحياكة بها كثيرة ويغزل بها غزل تباع زنة المثقال منه بمثقالين من ذهب» . وينوّه الحسن الوزان فى القرن العاشر الهجرى بما كان من النسيج فى تونس وصناعته قائلا: «غالبية سكان تونس من الحاكة (النساجين) وتصنع فيها كمية كبيرة من الأقمشة المتقنة كل الإتقان والتى تباع فى كل إفريقية، وهى مرتفعة السعر كثيرا لأنها ناعمة ومتينة، ويرجع السبب فى ذلك إلى أن النساء يتقنّ مهنة الغزل كل الإتقان» ويرجع بنا الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إلى مدينة رقادة فى عهد الأغالبة قائلا: «كان بها دار الطراز وكانت مصنعا تنسج فيه الأكسية من الحرير والقطن والصوف، وكذلك العمائم والأحزمة إلى غير ذلك من الخلع التى يهبها الأمير (الأغلبى) فى الأعياد وعند تقليد المناصب لأعيان الأمة ورجالات الدولة، وكانت تكتب على هذه الخلع كتابات موشية بخيوط الحرير والذهب، وهى تقوم مقام الأوسمة فى عصرنا الحديث» .
ولا بد أن الصناع كانوا يوشّون ثياب النساء بهذه الخيوط وبخيوط أخرى فضية لتكمل زينتهن بمالها من لمعان وبريق.
وكان الصانع التونسى يعنى بزركشة ما ينسج من السجاجيد وخاصة للأمراء وأعيان البلاد، وكان يرسم عليها بعض الحيوانات أو بعض البلاد، ويذكر الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب أنه صنع للمعز الفاطمى قبل تحوله إلى القاهرة مقطع كبير رائع من الحرير الأزرق الملوّن المنسوج بالذهب وقد رسمت فيه صورة الأرض بكل ما تشتمل عليه من الأقاليم والمدن والأنهار والجبال وصورة الحرمين الشريفين. ولعل فى عرضنا لذلك كله ما يدل على الرقى الحضارى الذى نعمت به تونس قبل العصر الحديث، وكانت الأخشاب فيها وافرة مما هيأ للتفنن فى صناعة الأثاث، كما هيأ الزجاج والخزف للتفنن فى صناعة المواعين والحرير والصوف والقطن والكتان للتفنن فى الرياش وكل ما يلزم القصور والمنازل من فنون الزينة والزخرف.
ومن الصناعات التى كانت مزدهرة بتونس الوراقة أو صناعة الورق والكتابة فيه، ومعروف أن بغداد لم تعرفه إلا فى عصر الرشيد، وقبل ذلك كانت الكتابة فى الرق أو الجلد المهيأ للكتابة وكذلك فى البردى الذى كانت تستخدمه مصر منذ عصور الفراعنة، وهو نبات كانت تضم أوراقه الطويلة بعضها إلى بعض بطريقة خاصة، فيصبح صالحا للكتابة فيه. وكان القطر التونسى يجلب النوعين من المشرق وكان اعتماده الغالب على الرّقّ وجلب معهما الأقلام والمداد. وتعرّف على صنعهما، حتى إذا فتحت صقلية سنة 212 هـ/828 م وكان بها بردى كثير أخذوا-كما يقول ابن حوقل-يفتلون أكثره حبالا للسفن» وأقله كان يصنع طوامير أو صحفا لدواوين الأمير الأغلبى ومن تلاه من حكام القطر التونسى، وأخذ الشعب التونسى يحسن صناعة الورق من الكتان ويسمى الكاغد نفس اسمه الذى نقله العباسيون مع الورق من الصين، ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إن صناعته انتقلت من تونس إلى صقلية وعبرت صناعته مضيق مسّينا إلى سالرنو فنابولى، فألمانيا حيث استطاع جوتنبرج بعد قليل اختراع الطباعة، وبدهى أنه لولا الورق ما اخترعت المطبعة. ومن الممكن أن تكون أوربا عرفت الورق ونقلت صناعته عن الأندلس، غير أن الأستاذ عبد الوهاب يرجح معرفتها به عن طريق تونس وصقلية.
ومنذ فتح العرب القطر التونسى تبنى فيه المنشآت العمرانية وتشاد، ولا يشاد بناء مفرد أو قصر مفرد، بل تشاد مدن، بدأ ذلك عقبة بن نافع ببناء القيروان، وبنى تونس بعده بقليل حسان ابن النعمان، وبنى الأغالبة العباسية ورقّادة، وأحالوا قرية سوسة على الساحل مدينة وثغرا ضخما، وبنى عبيد الله المهدى مدينة المهدية وجعلها دارا لحكمه وثغرا لأسطوله، وأحال حفيده المنصور قرية صبرة بجوار القيروان إلى مدينة وسماها «المنصورية» نسبة إليه. وكانت المدينة
من تلك المدن حين تبنى لا يقتصر فيها على قصر للحاكم، بل كانت تبنى فيها قصور ومساكن لآل بيته ولجنده وحاشيته ودواوينه، ويبنى فيها جامع كبير ويخطط شارعان متعامدان يقام عليهما حوانيت للصناع والتجار ومساكنهم، فهى مدينة كاملة. وكانت هذه المنشآت-بل المدن- العمرانية تحتاج إلى ما لا يكاد يحصى من العمال والصناع، إذ لا بد لها ممن يقطعون الأحجار ومن يقطعون الرخام وينحتونه أعمدة للقصور وكذلك للمحارس والحصون التى كانت تشاد على طول الساحل التونسى باسم رباطات.
وكان يبنى حول كل بلدة جديدة-وقد يبنى حول بعض البلدان القديمة-سور ضخم لكى يحميها من الأعداء حين يهاجمونها وتقام فيه أبواب كبيرة مصفحة بالحديد. ولم يكن العمران حينئذ مدنا ومعاقل وحصونا فحسب، بل كان أيضا صهاريج وأحواضا كبرى لسقاية الزروع والمساجد والشعب. وكل ذلك استلزم صناعات كثيرة من حدادة ونجارة وغير نجارة وحدادة سوى النقاشة واستخدام الفسيفساء (الموزايكو) فى حيطان الغرف والسقوف والأروقة المختلفة الرسوم بما يتراءى فيها من الأزهار والرياحين والمناظر البديعة، وزخرفوا بالفسيفساء أحيانا صهاريج الماء وأحواضه. وكان الحكام يبنون لأنفسهم قصورا شامخة على نحو ما مر بنا فى الفصل الماضى من تشييد أبى فارس لقصره الضخم فى إحدى ضواحى تونس المسماة باردو، وتوالت فى الضاحية قصور للحكام من الحفصيين والعثمانيين كانت تبهر من يراها فضلا عمن يزورها ويرى منحوتاتها ونقوشها البديعة. وحتى المنازل العادية للشعب كان أصحابها يتأنقون فيها، يقول الحسن الوزان عن منازل تونس: «لأكثر المنازل منظر بديع، وهى مبنية بحجارة مجهزة وجيدة النحت، وسقوفها مزدانة كثيرا بالفسيفساء وبالجصّ المجزّع، مع فن رائع، ومزوّقة باللون الأزرق وبألوان زاهية أخرى. . وتبلّط الغرف بمربعات من بلاط مطلىّ بلون فاتح كما يبلّط الصحن أيضا ببلاط مطلىّ بالدهان. وبيوتها على العموم-وحيدة الطابق-ولها مدخل بديع. . ويلجأ كل واحد إلى جعل مدخل بيته أكثر أناقة وأكثر زينة. وبجانب منازل المدينة وقصورها كانت هناك دور صناعة خاصة بالأساطيل وحاجاتها وإعدادها فى تونس وسوسة والمهدية، واستلزمت كثيرا من الخشب والحديد لصنع سفن الأسطول وأيضا من الحبال ونسيج الكتان لشراعات السفن وقلاعها، وبلغت سفن الأسطول فى عهد الأغالبة ثلاثمائة سفينة، سوى ما كان يحتاج إليه الأسطول من الأسلحة والعتاد الحربى من مثل السيوف والرماح والأقواس والسهام والمنجنيقات وآلات هدم الأسوار، سوى بناء الأحواض الواسعة فى الثغر لخدمة السفن.
وهذا الإنتاج الصناعى الوافر وما سبقه من الإنتاج الزراعى الكثير هيأ تونس-منذ عصر القرطاجيين-لأن تصبح سوقا عالمية كبرى، فكانت ترسل بمنتوجاتها شمالا إلى شعوب
البحر المتوسط الأوربية وشرقا إلى مصر والشام وتركيا وغربا إلى الجزائر ومراكش وإسبانيا وغربى أوربا حتى إسكندناوة، ومنذ عصر القرطاجيين كانت قوافلها تتغلغل فى فلوات الصحراء الكبرى إلى السودان الأوسط والغربى محملة بالسلع التونسية من الزيتون وزيته والنّقل ومن المنسوجات القطنية والكتانية والحريرية ومن السروج واللبود وأقفال الحديد والمفاتيح والإسفنج الذى يصاد على الساحل والملح المطحون الذى يحمل من ملاحات تونس الكثيرة، وتعود محملة بالجلود وريش النعام والعاج أو ناب الفيل والتّبر والرقيق الأسود الكثير. وذكرنا فى الفصل الماضى أن إبراهيم بن أحمد الأغلبى استكثر من هذا الرقيق الزنجى فى حرسه حتى بلغوا عشرة آلاف عدّا، ومنذ الأزمنة السحيقة كان يظل كثيرون من هذا الرقيق فى القطر التونسى مما جعل لهم فيه-من قديم-بعض القرى. وطبيعى أن تنشأ فى كل بلد تونسى سوق داخلية يشترى منها أهله ما يحتاجون إليه من الحبوب والثمار والخضر والصناعات المختلفة. وأول من أمر بتنظيم هذه الأسواق فى القطر التونسى الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك (105 - 124 هـ) يقول أبو عبيد البكرى:«كان السّماط-وهو سوق القيروان-متصلا (أى دكاكينه متلاصقة) فيه جميع المتاجر والصناعات وهو الذى أمر بترتيبه هكذا» . واتبعت الأسواق فى تونس وغيرها هذا النظام، حتى إذا كان عهد يزيد بن حاتم المهلبى (156 - 170 هـ) رتب أسواق القيروان. عاصمته ترتيبا جديدا، وفى ذلك يقول ابن عذارى فى البيان المغرب:«قد مهّد أمور لبلاد، ورتب أسواق القيروان، وأفرد لكل صناعة مكانا» . ومعنى ذلك أنه جعل لكل صنعة مجموعة من الدكاكين خاصة بصناعتها وبيعها، ويحدثنا الحسن الوزان عن. سوق تونس حين زارها، ويذكر أن أهم الأمكنة فى سوق تونس مكان تجار المنسوجات، يقول:«وهناك سوق خاص فى تونس يحوى عددا كبيرا من تجار القماش، ويعد هؤلاء أكثر أهل المدينة ثراء، ويشغل تجار آخرون وصناع معهم هذا السوق كالعطارين، وباعة الأشربة والترياقات، وباعة العطور والحرير، والخياطين والسرّاجين (باعة السروج) والفرّائين (باعة الفراء) وباعة الفاكهة، والحلاّبين، وصنّاع الزلابية (حلواء) والقصّابين (الجزارين) الذين يذبحون فى فصلى الربيع والصيف من الخراف أكثر من سائر الحيوانات الأخرى، وثمّ مهن كثيرة أخرى تمارس فى هذا السوق لا يتسع المقام لذكرها» .