الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد اندمج كثير من هذه العناصر قديما فى البربر وحديثا أو بعد الفتح العربى فيهم وفى العرب فقد ظلوا دائما العناصر الأساسية فى ليبيا وأكثرها نبلا واحتراما وشعورا بالشخصية، حتى لنستطيع أن نقول بصفة عامة، رغم كل العناصر التى نزلت ليبيا، إنها تكوّن وحدة كبيرة من عرب وبربر، بل لقد اندمج بعضهم فى بعض بحيث لا تستطيع أن تميز الوجه العربى من الوجه البربرى، بل لقد أصبحت الوجوه جميعا ليبية لا فرق بين بربرى وغير بربرى.
2 - المعيشة
مرّ بنا أن الفينيقيين أقاموا فى طرابلس لتكون مركزا لتجارتهم وأقاموا معها صبراتة غربيها ولبدة شرقيها، وبالمثل أقام الإغريق فى شرقى ليبيا سيرين، وأضافوا إليها أربعة مدن: مدينة مكان سوسة الحالية، وبرقة، ومدينة مكان طوكره الحالية، وبنغازى. وكل هذه المدن حول طرابلس وفى شرقى البلاد كانت مراكز تجارية فى العصور السحيقة، وظلت التجارة النشاط الأساسى لأهلها، يتخذونها معاشا لهم طوال العصور الماضية، وأخذت تقام معها على الساحل الليبى مدن أخرى مثل زواوة غربى طرابلس وإلى شرقيها لبده وزليطن ومصراته وسرت، ومثل أجدابية وطلمثية ودرنة وطبرق فى إقليم برقة. وسكان كل هذه المدن كانوا يعنون بالتجارة وما تحمل إليهم القوافل من السودان والجنوب وما تحمل إليهم السفن من عروض البحر المتوسط شرقا وشمالا. وكانوا يعنون-إلى جانب ذلك ببعض الصناعات اليدوية وصيد البحر، ويصف ابن حوقل-فى القرن الرابع الهجرى-طرابلس قائلا:«بها من الفواكه الطيبة اللذيذة كالخوخ والكمثرى اللذين لا شبه لهما بمكان، وبها الجهاز الكثير من الصوف والأكسية الفاخرة الزرق والكحل النفوسية السود والبيض الثمينة» ولا يلبث أن يذكر النشاط التجارى بها قائلا: «إلى مراكب ترسو ليلا ونهارا وترد بالتجارة على مر الأوقات والساعات صباحا ومساء، من بلد الروم وأرض المغرب، بضروب الأمتعة والمطاعم» ويقول البكرى:
«لطرابلس أسواق حافلة جامعة» . ويضعف نشاط طرابلس التجارى حين اكتسحتها موجات الهجرة الأعرابية فى منتصف القرن الخامس الهجرى، ويعود إليها نشاطها فى التجارة مع استيلاء دولة الموحدين إليها وعودة الأمن والاستقرار إلى ربوعها، وظلت إلى اليوم أهم مدينة تجارية فى ليبيا.
وكانت برقة منذ نزلها اليونان وأسّسوا بها المدن الخمس المذكورة آنفا تلعب دورا كبيرا فى التجارة بليبيا، وحين نزلها ابن حوقل كانت لا تزال مدينة برقة (المرج منذ أواسط القرن السابع
الهجرى) قائمة وتحدث عن نشاطها التجارى قائلا: «وجوه أموالها جمّة، وبها من التجار وكثرة الغرباء فى كل وقت مالا ينقطع، طلاّبا لما فيها من التجارة، وعابرين عليها مغرّبين ومشرّقين» وقال إنها تنفرد بالتجارة فى القطران والجلود المجلوبة للدباغة بمصر والتمور الواصلة إليها من واحة أوجله (والواحات الأخرى) ولها أسواق عدة لبيع الصوف والفلفل والعسل والشمع والزيت وضروب المتاجر الصادرة من المشرق والواردة من المغرب. وذكر ابن حوقل للفلفل يجعلنا نذكر كيف أن ميناءى برقة وطرابلس كانا من قديم-كما مر بنا-مصبّا للقوافل المصعدة من السودان وأواسط إفريقيا إليهما والمنحدرة منهما إلى تلك الأنحاء، وكانت تلك القوافل تأتى محمّلة بسلع الرقيق وريش النعام والعاج أو سن الفيل والجلود، وتعود محمّلة بسلع ليبيا والبحر المتوسط، بحيث ظلت ليبيا قرونا متطاولة الباب أو المنفذ الكبير بين البحر المتوسط وبلدانه الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية، وكان ذلك عاملا قويا فى ازدهار التجارة بطرابلس وبرقة والموانى الساحلية بالإضافة إلى ما كان بليبيا من سلع كثيرة من مثل القمح والشعير والزيت والملح والجلود والتمور والعسل والبسط والسجاجيد والأكلمة.
وهذا النشاط التجارى لسكان ليبيا كان يرافقه نشاط زراعى حول المدن الساحلية حيث تكثر الأمطار ومن ورائها فى السهول وفى وديان الجبال وفى المنطقة شبه الصحراوية والواحات من مثل واحة فزان. وتكثر زراعة الخضر والكروم والفواكه من كل صنف، وينمو الزيتون بكثرة فى جبال طرابلس والجبل الأخضر ببرقة، وكانت روما قديما تعتمد فى الزيت على ما تستورده من معاصر طرابلس. وتنمو بليبيا أشجار الحناء والجدارى التى تستخدم جذورها فى الصبغة، كما تنمو فى المنطقة شبه الصحراوية الحلفاء البرية ذات الأوراق الخيطية الشكل، وكانوا يستخدمونها فى صنع القفاف والحبال، وهى صالحة كل الصلاحية لصنع الورق. ويبذر الفلاحون الحبّ ويجنون القمح والشعير. وكانت روما تعتمد قديما على ما يأتيها من حبوب طرابلس، وبالمثل الإغريق بالقياس إلى ما يأتيهم من برقة، ومما يدل-بوضوح-على أنه كان بليبيا قديما نشاط زراعى واسع ما لا يزال ماثلا فى كثير من أنحائها من مجارى المياه وقنواتها وسدودها وخزاناتها التى أنشأها الرومان والإغريق، وتحجب عنا كثرته الآن الرمال بغطائها الثقيل التى ظلت تنسجه طوال القرون الماضية، وإن ليبيا لحرية أن يعود لها هذا المجد الزراعى العريق. ولم أذكر أهم شجر يتراءى بقامته الهيفاء فى كل مكان بأنحاء ليبيا فى السهل الشمالى وفى المنطقة شبه الصحراوية وفى جميع الواحات، وأقصد النخيل وثماره من البلح، ويقال إن بطرابلس من أنواعه ما يزيد عن ثلاثين نوعا وأن فى واحة غات وواحات فزان ما يبلغ خمسين نوعا.
والزراعة لا تحتل فى ليبيا إلا الشطر الأقل فى الساحل والسهل الريفى وسفوح الجبال وبعض الوديان فى المنطقة شبه الصحراوية والواحات. والشطور الأخرى الكبيرة من ليبيا
يحتلها من قديم بدو رحّل يعيشون على رعى الأنعام والأغنام، وهم يربونها للحومها وألبانها وجلودها وأوبارها وشعرها وصوفها. وينوّه البكرى الأندلسى المتوفى سنة 487 بكثرة السائمة فى ليبيا ونموها الواسع فى مراعيها، ويقول إن كثرة ذبائح أهل مصر من ليبيا. وكان رعاتها من قبائل البدو الليبية يقتسمون مناطق الرعى بحيث لا يحق لقبيلة أن ترعى ماشيتها فى منطقة قبيلة أخرى دون استئذانها، وإلا شهرت عليها الحرب، بالضبط كما كان يحدث بين القبائل فى نجد بالجزيرة العربية. وكان الجفاف يصيب أحيانا ليبيا، فلا تنزل بها الأمطار التى تعوّدتها، فيعانى أهلها مجاعة شديدة، وربما كان ذلك هو سبب إيقاعهم-أحيانا-بحجاج المغرب والأندلس، بالضبط كما كان يصنع أهل نجد-بسبب ما يعانون من فقر وضنك-بحجاج العراق والشام ومصر، على أنه كان من شيوخ الليبيين فى قفار طرابلس وبرقة من يحمون الحجاج، مما جعل العبدرى يشهد لهم فى رحلته إلى الحج سنة 689 للهجرة بأنهم لا يتعرّضون للحجاج بأذى إلا فى الندرة.
وبجانب هذا النشاط الرعوى والزراعى والتجارى الذى كان مصدر معيشة أهل ليبيا طوال الحقب والقرون الماضية كانوا ينشطون من قديم فى الصناعات اليدوية من مثل صناعة الزجاج وآنيته التى مهر فيها الفينيقيون، وصناعة عصر الزيت من الزيتون، وكانت صناعة رائجة فى عصر الرومان، إذ كانوا يعتمدون-إلى حد كبير-على ما يستوردونه منه من طرابلس، وهيّأت الملاحات الكبيرة غربى طرابلس وفى بنغازى لقيام صناعة دبغ الجلود، كما هيأت لطحن الملح وتصديره، واشتهر بأنه لا يحتوى من سلفات الكلسيوم إلا على نسبة واحد فى المائة مما يجعله نوعا جيدا من الملح إلى أقصى غايات الجودة. ويشتهر الجبل الأخضر فى برقة بما ينتج من عسل النحل وشمعه، ويوجد المرمر فى بعض جهات طرابلس وبنغازى وخاصة فى غات، ومنه نوع وردى اللون وآخر ناصع البياض، وقد قامت حول اقتطاعه فى عهد الإغريق والرومان صناعة نشيطة، وبدون ريب أتاحت لهما كثرة هذا المرمر نحت ما شاءوا من التماثيل والمعابد والصهاريج، ولا يزال أطلال كثير منها قائما بليبيا إلى اليوم. وهيأت المراعى الكثيرة فى إقليمى طرابلس وبرقة وما وراءهما من الصحارى لكثرة الأصواف والأوبار المجزوزة من الأغنام والماعز والإبل، مما أتاح لقيام صناعات واسعة من النسيج: نسيج الملابس الرجالية والنسائية والسجاجيد والبسط التى يلائمها أشد الملاءمة الصوف الليبى لخشونته الطبيعية، بينما تلائم أوبار الإبل أقمشة الخيام. ولا ننسى ما كان يتعيش عليه بعض أهل ليبيا على امتداد الساحل الشمالى من صيد الحيتان والأسماك، وعنيت جماعة فى طرابلس وأخرى فى بنغازى بجلب الإسفنج الكثير فى مياههما. وفى كل ذلك ما يوضح كيف أن ليبيا كانت-حتى العصر الحديث-كثيرة الخيرات والطيبات من الرزق.