المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌1 - تعرب القطر التونسى - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٩

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌1 - [ليبيا]

- ‌2 - [تونس]

- ‌3 - [صقلية]

- ‌القسم الأولليبيا

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 - الجغرافية

- ‌2 - التاريخ القديم

- ‌3 - من الفتح العربى إلى منتصف القرن الخامس الهجرى

- ‌4 - من الهجرة الأعرابية إلى منتصف القرن العاشر الهجرى

- ‌5 - فى العهد العثمانى

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع الليبى

- ‌1 - عناصر السكان

- ‌2 - المعيشة

- ‌3 - الدين

- ‌4 - الإباضية والشيعة

- ‌(ا) الإباضية

- ‌(ب) الشيعة: الدعوة العبيدية

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌(أ) فاتحون وناشرون للإسلام

- ‌(ب) الكتاتيب

- ‌(ج) المساجد

- ‌(د) الرحلة فى طلب العلم والوافدون

- ‌(هـ) المدارس

- ‌(و) الزوايا

- ‌(ز) خمود فى الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل-علوم اللغة والنحو والعروض

- ‌(أ) علوم الأوائل

- ‌(ب) علوم اللغة والنحو والعروض

- ‌3 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌4 - التاريخ

- ‌الفصل الرّابعالشعر والنثر

- ‌خليل بن إسحاق

- ‌(أ) فتح بن نوح الإباضى

- ‌(ب) ابن أبى الدنيا

- ‌(ج) ابن معمر

- ‌4 - الشعراء فى العهد العثمانى

- ‌5 - النّثر

- ‌القسم الثانىتونس

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 - الجغرافية

- ‌(ا) الفتح

- ‌(ب) بقية الولاة

- ‌(ج) الدولة الأغلبية

- ‌4 - الدولة العبيدية-الدولة الصنهاجية-الهجرة الأعرابية

- ‌(ب) الدولة الصنهاجية

- ‌ا دولة الموحدين

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع التونسى

- ‌2 - المعيشة

- ‌3 - الرّفة-المطعم والملبس-الأعياد-الموسيقى-المرأة

- ‌(ب) الأعياد

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌(د) مكانة المرأة

- ‌4 - الدين

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون مجاهدون معلمون

- ‌(ب) النشأة العلمية

- ‌(ج) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-جامعا عقبة والزيتونة-بيت الحكمة-الزوايا-المدارس

- ‌(د) المكتبات

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - تعرب القطر التونسى

- ‌3 - أغراض الشعر والشعراء

- ‌شعراء المديح

- ‌ ابن رشيق

- ‌ التراب السوسى

- ‌ ابن عريبة

- ‌4 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌5 - شعراء الغزل

- ‌ على الحصرى

- ‌ محمد ماضور

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغربة والشكوى والعتاب

- ‌ ابن عبدون

- ‌ محمد بن أبى الحسين

- ‌2 - شعراء الطبيعة

- ‌ ابن أبى حديدة

- ‌أبو على بن إبراهيم

- ‌3 - شعراء الرثاء

- ‌(أ) رثاء الأفراد

- ‌(ب) رثاء المدن والدول

- ‌ابن شرف القيروانى

- ‌ محمد بن عبد السلام

- ‌4 - شعراء الوعظ والتصوف

- ‌(أ) شعراء الوعظ

- ‌ أحمد الصواف

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ محرز بن خلف

- ‌5 - شعراء المدائح النبوية

- ‌ ابن السماط المهدوى

- ‌الفصل السّادسالنثر وكتّابه

- ‌1 - الخطب والوصايا

- ‌2 - الرسائل الديوانية

- ‌3 - الرسائل الشخصية

- ‌4 - المقامات

- ‌ أبو اليسر الشيبانى

- ‌5 - كبار الكتاب

- ‌ ابن خلدون

- ‌القسم الثالثصقلّيّة

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 - الجغرافية

- ‌(أ) العهد العبيدى

- ‌(ب) عهد بنى أبى الحسين الكلبيين

- ‌5 - التاريخ النورمانى-أحوال المسلمين

- ‌(ب) أحوال المسلمين

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع الصقلى والثقافة

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - نشاط الشعر

- ‌2 - شعراء المديح

- ‌ ابن الخياط

- ‌3 - شعراء الغزل

- ‌ البلّنوبى

- ‌4 - شعراء الفخر

- ‌5 - شعراء الوصف

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الرثاء

- ‌ محمد بن عيسى

- ‌2 - شعراء الزهد والوعظ

- ‌ ابن مكى

- ‌3 - شعراء التفجع والحنين واللوعة

- ‌ ابن حمديس

- ‌الفصل الخامسالنّثر وكتّابه

- ‌نشاط النثر

- ‌ ابن ظفر الصقلى

- ‌ أنباء نجباء الأبناء

- ‌سلوان المطاع فى عدوان الأتباع

- ‌خاتمة

- ‌[ليبيا]

- ‌[تونس]

- ‌[جزيرة صقلية]

الفصل: ‌1 - تعرب القطر التونسى

‌الفصل الرّابع

نشاط الشعر والشعراء

‌1 - تعرب القطر التونسى

كان البربر ينتشرون قديما فى جميع الأراضى الممتدة غربى مصر من واحة سيوه إلى المحيط الأطلسى، وكانوا يتكلمون لهجات بربرية شتى ردّها علماء الأجناس واللغات القديمة إلى أصلين: ليبى فى شرقى تلك الأراضى ونوميدى فى أواسطها وغربيها، وهى لهجات تتحد جنسا وتتفاوت فيما بينها بحيث يصعب التفاهم بين سكان منطقة فى ليبيا كسكان جبل نفوسة وسكان منطقة فى الإقليم التونسى كسكان منطقة الجريد فضلا عن سكان المغرب الأوسط فى الجزائر والمغرب الأقصى فى المملكة المغربية.

ونزل الفينيقيون-كما مرّ بنا-بساحل تونس، أو بعبارة أدق أخذوا يرودونه منذ أواخر الألف الثانى قبل الميلاد، وكوّنوا لهم غربى مدينة تونس الحالية مدينة قرطاجة حوالى القرن الثامن قبل الميلاد، ولعبت تلك المدينة فى المنطقة-كما أسلفنا-دورا حضاريا عظيما إلى أن دحرها الرومان واستولوا عليها فى أواسط القرن الثانى قبل الميلاد، ونشروا بالمنطقة لغتهم اللاتينية كما نشروا بها المسيحية حين اعتنقوها، وتهديهم إمبراطورا عظيما هو سبتيموس سيفيروس Septimus Severus وكاتبا بارعا هو آبولى Abule? e كما تهديهم بعض القديسين مثل ترتوليان. Tertulien وتظل المنطقة تابعة لروماستة قرون طوال، وكانت تتبعها أيضا بقية الساحل الإفريقى من برقة إلى المحيط الأطلسى، مما جعل اللاتينية تسود فى كل تلك المناطق سواء فى شئون الحكم الرسمية أو فى شئون الدين ولذلك اضطر كثيرون من البربر فى تونس وغيرها من الأقاليم المغربية أن يتعلموا اللاتينية ويتقنوها تحدثا وكتابة. وقد نزلها الواندال الجرمانيون سنة 439 وظلوا بها مائة عام يدمرون كل ما بها من مظاهر الحضارة والعمران إلى أن خلعتها منهم بيزنطة، وحاولت تنشر بها اليونانية غير أن اللاتينية ظلت هى اللغة المسيطرة على الألسنة وفى شئون الدين إلى أن فتحها العرب، وظلت فترة غير قليلة متداولة وخاصة فى قرطاجة وما حواليها، ونراها لا تزال حية على بعض الألسنة فى قفصة جنوبى الاقليم التونسى

ص: 202

فى القرنين السادس والسابع الهجريين كما يحدثنا عن ذلك الإدريسى والتجانى فى رحلته، وإن كان من المؤكد أنه أصابها حينئذ غير قليل من التحريف بسبب اختلاط المتكلمين بها بسكان تلك المنطقة البربرية ولغتها.

وعلى الرغم من القرون المتطاولة التى عاشت فيها اللغة الفينيقية المتحضرة بالإقليم التونسى والقرون الأخرى التى عاشت فيها اللاتينية المتحضرة بهذا الإقليم وأتقنها كثير من البربر تكلما وكتابة على الرغم من ذلك لم تتحوّل اللغة البربرية-لا فى تونس ولا فى أى إقليم آخر-إلى لغة متحضرة أيام الفينيقيين بحيث أصبح لها حروف استحدثها البربر يكتبونها بها، ومن ثمّ لم يتركوا قبل الإسلام أى أثر كتابى بلغتهم البربرية يمكن منه التعرف الدقيق على تاريخهم القديم، وقد رجع العرب فى معرفته إلى الكتب والكتابات اللاتينية، ومما يؤكد ذلك أننا نجد يامبسال ملك نوميديا البربرى أيام الفينيقيين يحرر كتبه باللغة الفينيقية لغة قرطاجة، كما نجد بين ملوكها أيام الرومان من يحرر كتبه باللاتينية أو الإغريقية، فلم تكن البربرية-قبل الفتح العربى الإسلامى-إذن لغة حضارية وكان كثيرون من البربر يعرفون اللاتينية كما أسلفنا وقد أخذت اللغتان تزايل ألسنة أهلهما وتحل محلهما العربية فى تونس وغير تونس من أقاليم المغرب مع اعتناق السكان الإسلام واختلاطهم بالعرب عن طريق المصاهرة والمعايشة معهم، وخاصة فى المدن التى نزلوها، إذ كان سكانها-لذلك-أسرع فى التعرب من سكان القرى الريفية والجبال والنجاد والبوادى، وكانوا يعدون فى الإقليم التونسى وغيره بالآلاف، وقد بلغ عدد الجنود الفاتحين فى عهد الأمويين وأوائل عهد العباسيين نحو مائة وخمسين ألفا سوى من كان يرافقهم من النساء والأطفال، ومما يذكر-بالثناء الجم-للفاتحين فى العهود الإسلامية الأولى أنهم لم يكونوا غزاة يجمعون غنائم الفتوح، كما يحاول المستشرقون أن ينعتوهم، بل كانوا ناشرين للدين الحنيف، وتسلّل منهم-كثيرون من مدن الإقليم التونسى وغيره من الأقاليم المغربية-إلى القرى والجبال والبوادى يدعون إلى دين الله بحمية وحماسة بالغة.

وقد جعلت تعاليم الدين الحنيف السامية وما يدعو من إخاء وتسامح ومعاملة حسنة شعوب البربر تقبل عليه، وخاصة بعد ما رأوه يرفع عن كواهلهم ظلم الأمم السالفة التى كانت تعتصر لنفسها خيرات بلادهم وترهقهم بالضرائب الفادحة، مما دفع البربر-وخاصة فى المدن-إلى الدخول فى الدين الحنيف ومرّ بنا أن قبيلة بربرية-هى قبيلة أوربة-اعتنقت الإسلام فى عهد عقبة بن نافع حوالى سنة 60 للهجرة. وكان البربر الذين أسلموا يقبلون على حفظ كثير من آى الذكر الحكيم واستظهار بعض الأحاديث النبوية، وكانوا يتلقّنون ذلك فى كتاتيب أخذت تنشأ سريعا فى المدن وبعض القرى الكبيرة، كما كانوا يتلقّنونه فى حلقات كثيرين ممن

ص: 203

كانوا يعتلون بالمساجد منصات محاولين أن يعلّموا الناس بعض تفسير القرآن شارحين لهم بعض الأحاديث النبوية مع التعرّض لجوانب من تعاليم الدين الحنيف، وأخذ كثيرون فى البوادى وسفوح الجبال يسعون إلى حفظ الذكر الحكيم كما مرّ بنا فى الحديث عن الثقافة وشغف عمر بن يمكتن بحفظ القرآن ومراجعته فيه الجنود العرب المارّين بمنطقته حتى حفظه جميعه.

ومن المؤكد أن المدن التونسية-كما أسلفنا-أخذت فى التعرب سريعا عن طريق من نزلها من الجنود العرب طوال القرن الأول الهجرى بعد الفتح وشطرا من القرن الثانى، فهى لم تنتظر طويلا حتى يتم لها التعرب. ومما لا ريب فيه أن القيروان التى أنشأها عقبة بن نافع فى منتصف القرن الأول الهجرى لتكون معسكرا لجيشه كانت عربية خالصة منذ إنشائها، وتبعتها فى التعرب مدن تونس وسوسة وصفاقس وقابس، بحيث لا تمضى طويلا فى القرن الثانى الهجرى حتى تصبح مدنا عربية خالصة، أما فى الداخل والبوادى والجبال فقد ظل يغلب على الناس التخاطب بالبربرية طوال القرون الأربعة الأولى للهجرة.

وما نكاد نصل إلى منتصف القرن الخامس للهجرة حتى يأخذ الإقليم التونسى فى إكمال تعربه، إذ اكتسحته موجات من قبائل هلال وسليم وزغبة ورياح بأمر الخليفة الفاطمى المستنصر بالقاهرة-كما مر-للقضاء على دولة المعز بن باديس الصنهاجى انتقاما منه لخلعه تبعية بلاده للدولة الفاطمية الإسماعيلية الشيعية وإعلانه استقلاله وعودة الإقليم التونسى إلى مذهب أهل السنة. واستطاعت هذه الموجات البدوية الكثيفة أن تلجئه مع أسرته للمقام بمدينة المهدية وأن تجتاح القيروان وكل الإقليم التونسى بمدنه ووديانه وجباله وبواديه، وكانوا يبلغون نحو نصف مليون نسمة وامتزجوا بالبربر وتكوّن من الشعبين شعبا عربيا تام العروبة فى اللغة والدين والزى والمطعم والعادات والأخلاق والمآتم والأعراس، واجتاحوا البلاد بإبلهم وخيلهم ورجلهم ونهبوا خيراتها عشرات من السنين، ومع كل ذلك حملوا إلى كل أنحاء الإقليم التونسى وأطرافه النائية اللغة العربية وفرضوها على البربر فرضا عن طريق الامتزاج بهم ومصاهرتهم، حتى ليقول ابن خلدون-كما مر بنا فى الفصل الماضى-عن قبيلة هوارة البربرية التونسية إنهم «صاروا فى عداد الناجعة (بنى هلال وسليم) فى اللغة وسكنى الخيام وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين فى الشتاء والصيف فى تلالهم، وقد نسوا رطانة البربر واستبدلوا بها فصاحة العرب فلا يكاد يفرّق بينهم» فهم قد أصبحوا-بفضل هذه الموجات البدوية من بنى سليم وهلال وزغبة-عربا فى العادات وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وما ينساق فى ذلك من الملبس والمطعم والأفراح والاتراح والسلوك والأخلاق، ويقول ابن خلدون إن رطانة البربر زايلت ألسنتهم وحلت مكانها الفصحى، ونراه يقول فى موضع آخر عن

ص: 204

هوارة إنهم «تبدّوا-مع الأعراب-ونسوا رطانة الأعاجم وتكلموا بلغات العرب وتحلوا بشعارهم فى جميع أحوالهم» .

ولم تتبدّ هوارة التونسية أو تتعرب وحدها فى الإقليم التونسى، بل تعرب الإقليم جميعه من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب فى خلال قرن بل يزيد، إلى أن استولى على الإقليم زعيم دولة الموحدين المغربية عبد المؤمن بن على، ولكن هل العربية التى حملتها قبائل هلال وسليم وزغبة إلى الإقليم التونسى هى الفصحى أو هى عربية دارجة عامية؟ ونرجح أنها الفصحى، ويدل على صحة رأينا أن القبائل من سليم وهلال وزغبة كانت قد انضوت تحت لواء الأعصم القرمطى حين غزا الشام ومصر سنة 360 للهجرة ورأى الخليفة الفاطمى العزيز-حين صالحه-أن ينزلها فى صعيد مصر، وحوّلهم بعده الخليفة الفاطمى المستنصر إلى تونس لضرب المعز بن باديس كما أسلفنا، وكانت الجزيرة العربية مصدرها لا يزال سكانها يحافظون على الفصحى بشهادة الجوهرى فى مقدمة معجمه الصحاح إذ يقول إنه أخذ اللغة عن أهلها مشافهة، وإنه طوّف فى بلاد ربيعة ومضر، ونجد الباخرزى فى كتابه دمية القصر المؤلف فى منتصف القرن الخامس الهجرى يترجم لشعراء كثيرين من قبائل نجدية شتى وينشد من أشعارهم، مما يدل على أن الفصحى كانت لا تزال حية بعد مغادرة بنى سليم وهلال للجزيرة بنحو قرن، ويبدو أنها ظلت حية فى الجزيرة العربية قرونا بعد ذلك، فإن عمارة اليمنى يشهد-كما مر بنا فى الجزء الخامس من هذه السلسلة-بأن تهامة والبوادى وأهل الجبال فى اليمن-لعصره بالقرن السادس الهجرى-كانوا يتكلمون الفصحى ولا يلحنون فى كلامهم.

ومما لا شك فيه-إذن-أن قبائل بنى سليم وهلال التى نزلت مصر وتركتها إلى ليبيا وتونس وما وراءهما من بلاد المغرب لم تكن تنطق عربية مولّدة أو عربية عامية، إنما كانت تنطق عربية فصيحة، ومن الخطأ أن يتشكك بعض الباحثين فى صفاء عربيتهم مستدلا على رأيه بشعر القصص الهلالية المعروفة التى تحكى مغامرات أبى زيد الهلالى فى شعر شعبى يختلف فى صياغته-قليلا أو كثيرا-عن صياغة الشعر العربى الكامل الفصاحة فضلا عما يجرى فيه من خلل الإعراب، غير أن هذا القصص نشأ فى عصور متأخرة، حين أخذت لهجات شعبية تشيع فى ألسنة أهل تونس وغيرها، ومما يؤيد رأينا أن نجد ابن خلدون ينشد قصيدة بديعة لأحد رؤساء قبيلة عوف من بنى سليم، وكانت تستولى على ما بين قابس وسوسة، وهو عنان بن جابر، وكان أبو زكريا مؤسس الدولة الحفصية قد أوغر الصدور بين قبيلته وقبيلة علاق، فنشبت بينهما معارك ضارية، وأغضب ذلك من أبى زكريا عنان بن جابر فرحل بقبيلته إلى صحراء المغرب الأوسط (الجزائر) فكتب إليه محمد بن أبى الحسين وزير أبى زكريا قصيدة يعاتبه فيها على هجرته عن وطن آبائه، ويدعوه إلى العودة إليه، ثم كتب إليه قصيدة ثانية، فرد عليه عنان محزونا لما اضطر إليه من فراق موطنه، وفيها يتحدث عن بسالة قبيلته فى الحروب بمثل قوله:

ص: 205

وكنّا إذا ما الجيش صفّت جنوده

ترانا على خيل عتاق ضوامر

نخوض وغاها والقنا تقرع القنا

بكل حسام مشرفي وباتر

ونسج القصيدة جزل متين، وهى معربة إعرابا تامّا، وترجع إلى النصف الأول من القرن السابع الهجرى مما قد يدل-من بعض الوجوه-على أن قبائل سليم-ومثلها غالبا قبائل هلال-لم تزايل ألسنتها الفصاحة ولا أصابها خلل الإعراب فى النطق حتى عصر عنان بن جابر. وقد يسند رأينا-من بعض الوجوه-ما حكاه العبدرى فى رحلته عن أهل برقة الليبية من أن «كلام عرب برقة من أفصح كلام عربى سمعناه، ويقول: وعرب الحجاز أيضا فصحاء، ولكن عرب برقة لم يكثر ورود الناس عليهم، فلم يختلط كلامهم بغيرهم، وهم الآن (فى أواخر القرن السابع الهجرى) على عربيتهم لم يفسد من كلامهم إلا القليل، ولا يخلّون من الإعراب إلا بما لا قدر له بالإضافة إلى ما يعربون» . ويسوق العبدرى أمثلة من كلامهم سمعها كما رواها وفيها يحتفظون حتى زمنه بالإعراب. ومن بقايا هذا الإعراب-فى رأيى-احتفاظ قبائل المحاميد والمرازيق وأولاد يعقوب وغيرهم فى النواحى الجنوبية من الإقليم التونسى -إلى اليوم-بنون النسوة فى كلامهم، فيقولون:«النساوين يشربن ويأكلن ويغزلن» ولا تزال هذه النون تنتشر فى نواحى طرابلس وبرقة الليبيتين كما يقول الأستاذ عبد الوهاب.

وليس معنى كل ما قدمت أن العامية العربية لم تأخذ طريقها إلى ألسنة أهل المدن فى الإقليم التونسى إلا فى وقت متأخر، فالمظنون أن هذه المدن مثلها مثل الفسطاط فى مصر وغيرها من المدن العربية استخدمت مبكرة لغة عامية بها غير قليل من الألفاظ البربرية المحلية، وخالية من الإعراب، متخففة من الحركات وملتمسة التسكين لأواخر الكلمات. ويبدو أن هذه العامية القيروانية أو التونسية أخذت تشيع فى الألسنة منذ أوائل القرن الثالث الهجرى وأن فاتحى صقلية من القيروانيين والتونسيين سنة 212 للهجرة حملوها إليها، كما حملوها إلى مالطة حين فتحوها سنة 255 للهجرة لعهد الأمير الأغلبى أبى الغرانيق، وقد ظلوا يحكمونها حتى سنة 485 للهجرة حين انتزعها منهم روجار النورماندى صاحب صقلية، وظل المسلمون بها تحت ولاء النورماند نحو مائة وستين عاما إلى أن أجبرهم على مبارحتها فريدريك الثانى إمبراطور المانيا سنة 647 لعهد المستنصر الحفصى كما مرّ بنا، ومن حينئذ أصبحت مالطة مسيحية خالصة، وقد ظلوا إلى اليوم يتداولون فى حياتهم لهجة عربية مالطية مشتقة من اللهجة العربية التى كان يستخدمها آباؤهم وبحق يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب: «إن بقاء هذه اللهجة فى مالطة لظاهرة عجيبة، بل حجة قوية ومعجزة بالغة فى حيوية اللغة العربية ورسوخها العميق فى قرارة نفوس من يتكلم بها من الأجيال. ألا ترى هذه الجزيرة المسيحية النحلة قد تعاقبت عليها-منذ ثمانية قرون-أمم ودول متعددة، آخرهم الإنجليز وودوا لو يحملون أهلها على

ص: 206

التخاطب بلغتهم، فلم يتهيّأ لهم ذلك، وبقى المالطيون محافظين على ما عندهم من العربية خلفا عن سلف، وإن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب».

وظلت العامية شائعة على ألسنة أهل القيروان والمدن الساحلية الشمالية إلى أن خفّفت من حدتها فى منتصف القرن الخامس الهجرى الزحفة الهلالية والسليمية، وقد مضى الزاحفون يعرّبون المناطق البعيدة والأطراف النائية التى لم يكن لها عهد بالعربية، وكان مما عمل على نشر العربية فى الإقليم التونسى بعد هذه الزحفة هجرة الأندلسيين إليه فى أوائل القرن السابع الهجرى إذ يقول ابن خلدون:«إن ملكة العربية صحّت فى إفريقية (تونس) بجلاء أهل شرقى الأندلس إليها» ومعروف أن هذا الجلاء كان فى أوائل القرن السابع. على أننا لا نصل إلى أوائل القرن الثامن الهجرى حتى يحدّثنا التجانى فى رحلته عن شعراء سليميين وهلاليين اشتهروا بأشعارهم الملحونة، ويسمون القوّالين. وأطال ابن خلدون فى أواخر هذا القرن فى الحديث عن هؤلاء الأعراب القوالين فى تونس والبلاد المغربية، وكأن اللحن شاع على ألسنة الأعراب جميعا فى القرن السابع الهجرى، وربما سبق هذا التاريخ فى بعض الأنحاء وتأخر فى أنحاء أخرى مثل عرب برقة بشهادة العبدرى كما مر بنا. ويقول ابن خلدون فى الفصل الذى عقده لأشعار الأعراب وأهل الأمصار لعهده:«إنهم يقرضون الشعر لهذا العهد فى سائر الأعاريض على ما كان سلفهم المستعربون يأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء» ثم يقول: «وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب فى أواخر الكلم، فإن غالب كلماتهم (أشعارهم) موقوفة الآخر، ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب» . وأخذت هذه العامية التونسية تتأثر بعد ابن خلدون بلغة من احتلّها من الإسبان ومن الترك على نحو ما مر بنا فى حديثنا عن تاريخها، وبذلك احتوت العامية التونسية بعض رطانات فى مقدمتها الرطانة البربرية التى امتزجت بها من قديم.

وإذا كان ابن خلدون لاحظ أن المهاجرين الأندلسيين القدامى فى القرن السابع الهجرى بثّوا روحا وانتعاشا فى ملكة العربية التونسية فإن ملاحظته تنصبّ-فيما بعد-على المهاجرين الأندلسيين فى أوائل القرن الحادى عشر الهجرى، إذ بثّوا نفس الروح والانتعاش، وحالوا بينها وبين الركود الأدبى الذى رافق العثمانيين فى حكمهم للبلاد العربية المشرقية. ومن المؤكد أنه كانت هناك لغة عامية يتداولها الناس-كما مرّ بنا-وأخذت تشيع فى البوادى والأنحاء البعيدة منذ القرن السابع الهجرى، وربما قبل ذلك فى بعض الجهات، غير أنه من المؤكد أنه كان للفصحى دائما السيادة عليها، لأنها لغة القرآن الكريم والدين الحنيف ولغة الثقافة والعلم بمختلف فروعه، ولغة الأدب وروائعه الشعرية والنثرية.

ص: 207

2 -

كثرة (1) الشعراء

طبيعى أن يكون أول شعر ينشد فى الإقليم التونسى بالقيروان وغير القيروان هو ما كان ينشده الجند الفاتحون، ومعروف أن الشغب ظل متصلا فى هذا الإقليم وغيره من أقاليم المغرب، مما جعل الدولتين الأموية والعباسية ترسلان الجيوش إلى القيروان من حين إلى آخر حتى منتصف القرن الثانى الهجرى. وكان فى هذه الجيوش غير شاعر نابه تلقّن عنه الشباب الإفريقى فى القيروان وغيرها الشعر إما لهم مما نظموه وإما لغيرهم مما رووه وأنشدوه، ولم تعن كتب التراجم منهم إلا بمن اشتهر بينهم بقيادة أو ولاية، ومن قدماء من ترجمت لهم أبو الخطّار الحسام بن ضرار الكلبى، وكان شاعرا مفوّها وفارسا نابها بين أقرانه فى القيروان، وولاه حنظلة بن صفوان والى إفريقية لهشام بن عبد الملك الأندلس سنة 125 للهجرة وعزل عنها سنة 128 فعاد إلى القيروان وسرعان ما توفى بها، وأنشد له ابن الأبار فى كتابه الحلّة السّيراء أشعارا بديعة. ومن شعراء الجند الذين قدموا فى عهد بنى أمية سليمان بن حميد الغافقى وفيه يقول ابن الأبار: «فارس العرب قاطبة بالمغرب فى عصره، وأحسن الناس وأبلغهم، إلى معرفة بأيام العرب وأخبارها، ورواية لوقائعها وأشعارها، ويقال إنه توفى سنة 160 للهجرة وهو القائل:

وإنا إذا ما الحرب أسعر نارها

لنلقى المنايا دارعين وحسّرا

ومن شعراء الجند الذين قدموا إلى القيروان فى عهد بنى العباس الحكم بن ثابت السّعدى من سلالة سلامة بن جندل الشاعر الجاهلى المشهور، قدم إفريقية فى جيش محمد بن الأشعث الخزاعى سنة 144 لعهد المنصور إغاثة وعونا للأغلب التميمى والى القيروان، وأصبح من قواد جيشه، حتى إذا استشهد الأغلب سنة 150 للهجرة رثاه رثاء حارا، وكان الأغلب شاعرا، وتولى القيروان بعده عمر بن حفص المهلبى، واستشهد فى بعض المعارك، فولاها أبو جعفر

(1) انظر فى الشعراء التالين الحلة السيراء لابن الأبار وأنموذج الزمان فى شعراء القيروان لابن رشيق والبيان المغرب لابن عذارى والخريدة (قسم شعراء المغرب-للعماد الأصبهانى) والحلل السندسية للوزير السراج ووفيات الأعيان لابن خلكان فى تراجم حكام الدولة الصنهاجية ومقدمة ابن خلدون وتاريخه.

ص: 208

المنصور يزيد بن حاتم المهلبى وكان غاية فى الجود ممدّحا، وظل واليا عليها من سنة 154 إلى وفاته سنة 170 واستطاع أن يتحول بها إلى بيئة كبيرة من بيئات الشعر والأدب واللغة فى زمنه، وكان شاعرا مجيدا، ومن طريف شعره قوله فى وصف كرم أسرته:

ما يألف الدرهم المضروب خرقتنا

إلا لماما قليلا ثم ينطلق (1)

وقد جاء القيروان وفى صحبته المعمّر بن سنان التّيمى، من تيم الرباب، اتخذه زميلا له فى طريقة ليؤنسه بطرائف الأخبار، ويقول ابن الأبار:«كان أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها ووقائعها وأشعارها، وعنه أخذ أهل إفريقية حرب غطفان وغيرها من وقائع العرب» ويترجم ابن الأبار لابنه عامر، ويذكر بعض أشعاره، ويقول من أحفاده حمزة بن أحمد بن عامر وكان أديبا ظريفا. وتسابق غير شاعر فى الوفود على يزيد كما توافدوا قديما على جده المهلب فى خراسان، ومنهم ربيعة الرّقّى الشاعر العباسى المشهور، وفيه يقول:

هو البحر إن كلّفت نفسك خوضه

تهالكت فى آذيّه المتلاطم

وهى قصيدة طارت شهرتها فى العصر العباسى، وله فيه مدائح أخرى بديعة، ومن الشعراء الكبار الذين وفدوا عليه بالقيروان ابن المولى، وفيه يقول:

وإذا تباع كريمة أو تشترى

فسواك بائعها وأنت المشترى

ويقال إنه أعطاه على هذه القصيدة الرائعة كل ما كان فى بيت ماله، ولابن المولى وربيعة الرقى ترجمتان مفصلتان فى كتاب الأغانى، وقد أقاما عنده فى القيروان طويلا والتف حولهما شبابها يروون عنهما شعرهما وشعر معاصريهما. وذكر ابن خلكان فى ترجمته بين من وفد عليه من الشعراء المشهر التميمى وأنه أغدق عليه مالا جزيلا.

ومرّ بنا فى الحديث عن اللغويين أن كرم يزيد بن حاتم لم يجلب إلى عاصمته الشعراء فقط بل جلب إليها جلة من النحاة المشهورين مثل يونس بن حبيب وقتيبة الجعفى. وكانت قد أخذت تنشأ فى القيروان طائفة من المعلمين الشعراء، منهم أمان بن الصّمصامة بن الطرماح ويبدو أن أباه كان قد نزل القيروان فى أوائل القرن الثانى الهجرى واتخذ التعليم مثل أبيه حرفة له، وفيه يقول الزبيدى:«كان شاعرا عالما باللغة» . وكان يعاصره معلم، يعكف شباب القيروان على أخذ اللغة والشعر منه، كما يأخذون النحو والعربية والأدب، هو عياض بن عوانة، ويقول الزبيدى إنه كان ينظم الشعر ويجوّد فيه. ولا نكاد نخطو فى النصف الثانى من القرن الثانى

(1) خرقتنا: يريد ثيابنا

ص: 209

الهجرى حتى نرى أعمال اللغويين المقيمين والوافدين من أمثال أمان بن الصمصامة ويونس بن حبيب والرواة من أمثال المعمر بن سنان التميمى وسليمان بن حميد الغافقى تثمر ثمارا يانعة كثيرة فى شباب ترسخ فى نفوسهم فطرة العربية ويطلب كثيرون منهم التخصص فى الفقه لاعلى أساتذته فى القيروان وتونس فحسب، بل أيضا فى الحجاز والعراق، من أمثال عبد الرحمن بن زياد وكان شاعرا وعلى بن زياد الذى أدخل لأول مرة كتاب الموطأ إلى المغرب، وقد توفى سنة 183 وكان يعاصره عبد الله بن فرّوخ وعبد الله بن غانم الرّعينى الفقيهان القيروانيان المشهوران.

وعلى الرغم من أن إبراهيم بن الأغلب استقل بالقيروان سنة 184 وكوّن بها دولة الأغالبة التى ظلت بها أكثر من قرن وحققت لها نهضة ثقافية كما مر بنا فى الفصل الماضى، على الرغم من ذلك فإن نهضة الشعر بها لا تتراءى لنا واضحة، إذ يظل أصحاب التراجم لا يعنون غالبا طوال هذه الدولة إلا بمن سال الشعر على لسانه من حكامها أو من أفراد الأسرة ومن شاركهم فى هذه الموهبة من الفقهاء واللغويين. وكان إبراهيم بن الأغلب مؤسسها شاعرا، ويسوقون له أشعارا فى الفخر، وكان قد نشأ بمصر وتزوج بها، وكان قد فارق زوجته وسار وحده إلى القيروان وحنّ إليها فأنشد:

ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة

إلا وذكرك يثنى دائما عنقى

ولا ذكرتك إلا بتّ مرتقبا

أرعى النجوم كأن الموت معتنقى

وكان حفيده الأمير أبو العباس محمد شاعرا (226 - 242) وهو الذى استولى على رومة فترة من الزمان ثم اضطرّ جيشه إلى الانسحاب لتكاثر من جاءها من نجدات المسيحيين، وله أشعار يفخر فيها بنسبه وأسرته، من مثل قوله:

أنا الملك الذى أسمو بنفسى

فأبلغ بالسموّ بها السّحابا

أظلّ عشيرتى بجناح عزّى

وأمنحها الكرامة والثّوابا

ومن أفراد الأسرة الشعراء أحمد بن سوادة والى صقلية المتوفى سنة 260 وله أشعار بديعة فى الحماسة والفخر. ومن أفراد الأسرة أيضا مهريّة الأغلبية المتوفّاة سنة 295 ولها مرثية بديعة فى رثاء أخ لها مات غريبا. وممن عرف بالشعر ونظمه فى عهد الأغالبة عيسى بن مسكين القاضى المتوفّى سنة 295 وشعره فى التحسر على الشباب، وكان يعاصره الفقيه أحمد الصواف وشعره فى الحكم والمواعظ. وممن اشتهر بالشعر من اللغويين فى عهد الأغالبة الحسن بن منصور المذحجى، يقول ابن الأبار: «أقل ما تصرّف فيه الشعر وكان بصيرا باللغة نافذا فى النحو عالما

ص: 210

بأيام العرب وأخبارها ووقائعها وأشعارها» ومن قوله فى رثاء ابن عم له:

لكأنى لما تضمّنك اللّح

د يمين قد فارقتها الشمال

وأشعر منه، بل ربما كان أشعر اللغويين عامة فى القيروان حتى نهاية عهد الأغالبة عبد الملك المهرى أستاذ أهل اللغة والنحو والرواية فى عهد الأغالبة، توفى سنة 256 للهجرة، وله مرثية بديعة لسحنون، ومن تلاميذه الشعراء حمدون الملقب بالنعجة، وفيه يقول الزبيدى-كما مرّ بنا-شعره عليه أثر التكلف، أما فى النحو والعربية والغريب فهو الغاية التى لا بعدها.

وننتقل إلى عصر الدولة العبيدية فى القيروان والإقليم التونسى منذ سنة 297 إلى سنة 361 وقد تحول به عبيد الله المهدى أول خلفائها هناك إلى عصر دعاية للمذهب الإسماعيلى الذى جاء يحمله، فكان فقهاؤه ودعاته يجادلون عنه فقهاء المذهب السنى بالقيروان، وكانت القيروان سنية فكانوا يعقدون فيها المناظرات بينهم وبين أبى عثمان سعيد الحداد وغيره من فقهاء السنة القيروانيين العظام. ولأبى عثمان مع دعاتهم أربعون مجلسا حفظ لنا الخشنى فى طبقات علماء إفريقية-كما مر بنا-أربعة منها علا فيها صوته وفكره على دعاتهم. وطبيعى فى هذا الجو المشحون بالجدل فى حقائق المذهب الإسماعيلى أن يطمح خلفاء الدولة الفاطميون التونسيون أن يكون لهم أنصار من الشعراء يعتنقون دعوتهم ويدافعون عنها، وطبيعى أن ينثروا عليهم الأموال نثرا، وكما قال بشار قديما:

يسقط الطّير حيث ينتثر الح

بّ وتغشى منازل الكرماء

وقد أكثر عبيد الله المهدى وخلفاؤه من نثر الحب، وتكاثرت طيور الشعراء من حولهم تلتقط هذا الحب فى القيروان وفى المهدية عاصمتهم الجديدة، وتبارى الشعراء من أمثال خليل بن إسحاق الطرابلسى الذى عرضنا له فى ليبيا وأمثال سعدون الورجينى القائل فى مديح المهدى:

هذا الإمام الفاطمىّ ومن به

أمنت مغاربها من المحذور

ويمضى قائلا إن مدن الشام والعراق لا بد أن تستسلم له حتى يسود فيها العدل الذى لا يستطيع الناس الحياة بدونه. وكان المهدى نفسه شاعرا، يحسن نظم الشعر، وتتداول الكتب قطعة طريفة تنسب له تارة وتارة أخرى تنسب إلى داعيته أبى عبد الله الصنعانى، وهى تمضى على هذا النحو:

من كان مغتبطا بلين حشيّة

فحشيّتى وأريكتى سرجى

من كان يعجبه ويبهجه

نقر الدّفوف ورنّة الصّنج

فأنا الذى لا شئ يعجبنى

إلا اقتحامى لجّة الوهج

ص: 211

فهو يعيش حاملا سيفه وممتطيا سرج حصانه مزدريا حياة الترف واللهو والاستماع إلى الغناء ونقر الدفوف ورنات الصّنوج، وكلّ ذلك يتركه وراءه، إذ لذته جميعها فى قيادة الجيوش واقتحام لجج الحرب ولهيبها المستعر، وهى أخلاقية مثلى لمؤسس دولة، وبحق أسس دولتهم العبيديّة فى الاقليم التونسى، وكان ابنه القائم شاعرا مثله، وله قصيدة حماسية خاطب بها العباسيين، مفتتحا لها بقوله:

ألا إن حدّ السيف أشفى لذى الوصب

وأحرى بنيل الحق يوما إذا طلب

وخلفه ابنه المنصور وكان جوادا ممدّحا وفارسا مقداما، وقد استطاع فى أول خلافته القضاء المبرم على ثورة أبى يزيد مخلد بن كيداد كما مرّ بنا فى القسم التاريخى، وفيه يقول شاعره أيوب بن إبراهيم:

يا بن الإمام المرتضى وابن الوصىّ (م)

المصطفى وابن النبىّ المرسل

الله أعطاك الخلافة واهبا

ورآك للإسلام أمنع معقل

ولأبى القاسم الفزارى فيه قصيدة بديعة حين أمّن أهل القيروان بعد ثورة مخلد بن كيداد سنعرض لها فى غير هذا الموضع، ويتولى الخلافة بعده ابنه المعز، ويأتيه الشعراء من كل فجّ وفى مقدمتهم ابن هانئ الأندلسى وله فيه قصائد طنّانة، وقد ترجمنا له فى قسم مصر، وحين فتح جوهر الصقلى مصر للمعز أنشده ابن هانئ قصيدة افتتحها بقوله:

يقول بنو العباس هل فتحت مصر

فقل لبنى العباس قد قضى الأمر

ومن أهم شعرائه على بن الإيادي، وسنخصه بترجمة.

وينتهى عصر الخلافة العبيديّة فى الإقليم التونسى سنة 361 بانتقال المعز الفاطمى إلى القاهرة واتخاذها عاصمة لملكه وملك أبنائه وأحفاده من بعده، ووقع اختياره على بلكيّن بن زيرى الصنهاجى ليخلفه على الإقليم التونسى، فأسس بها دولة صنهاجية أتاحت للإقليم التونسى كل ما كان يحلم به من ازدهار فكرى وأدبى. ومع أن المعز بن باديس غلب على أمره أمام موجات بنى هلال واضطرّ إلى أن ينسحب إلى المهدية سنة 449 فإنه استطاع هو وابنه تميم ومن خلفهما فيها أن يستتموا لهذا الإقليم كل ما كان ينتظره من نهضة أدبية وفكرية، وفى المعز يقول ابن خلكان:«كان محبا لأهل العلم كثير العطاء مدحه الشعراء وانتجعه الأدباء، وكانت حضرته محط بنى الآمال» ويقول فى ابنه تميم: «كان محبا للعلماء، معظما لأرباب الفضائل حتى قصدته الشعراء من الآفاق على بعد الدار كابن السراج الصورى وأنظاره، وكان يجيز الجوائز

ص: 212

السنية ويعطى العطاء الجزيل» واقتدى به ابنه يحيى (501 - 509) فى سيرته، فكانت عنده جماعة من الشعراء-كما يقول ابن خلكان-قصدوه ومدحوه وخلدوا مديحه فى دواوينهم، ومن جملة شعرائه أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسى، وله فيه مدائح كثيرة أجاد فيها وأحسن، وله أيضا مدائح فى ولده أبى الحسن على (509 - 515 هـ). وفى حفيده الحسن، وكان روجار صاحب صقلية قد استولى منه على المهدية سنة 543 واستردها منه عبد المؤمن أمير الموحدين سنة 555. وسار الحسن سيرة آبائه فى العناية بالعلماء والشعراء.

وعصر هذه الدولة الصنهاجية يعد عصر ازدهار للإقليم التونسى ولشعرائه، إذ أصبحوا يعدون بالعشرات، حتى لنجد ابن رشيق المتوفى سنة 456 يؤلف فيهم كتابه:«أنموذج الزمان فى شعراء القيروان» يضمنه مائة ترجمة لشعراء قيروانيين فى زمنه، وبينهم شاعرة مبدعة، وكان الكتاب مفقودا، واستطاع الأستاذان محمد العروسى المطوى وبشير البكوش أن يجمعاه من مسالك الأبصار لابن فضل الله العمرى وغيره من المخطوطات التى احتفظت بترجماته، وأن يعيداه كأنما تركه ابن رشيق بالأمس، وهو عمل علمى جليل فضلا عما قدما له من دراسة وما ملآ به هوامشه من تحقيقات قيمة، وبذلك وضعا تحت يد الدارسين للنهضة الشعرية فى القيروان أروع نص يمكنهم من تصوير هذه النهضة، ولم يحظ الإقليم التونسى بنصّ مماثل قبل ابن رشيق ولا بعده له خطورته، ويقال إنه كان له كتاب عن شعراء المهدية سقط من يد الزمن، ولو أنه وصلنا لاتسعت تحت أعيننا صورة النهضة الشعرية فى هذا الإقليم الشقيق لذلك العهد الصنهاجى، إذ الأنموذج لا يصور كلّ ذلك العهد، فقد كتبه ابن رشيق حوالى سنة 425 ويغلب أن يكون كثير من المترجم لهم فيه قد عاشوا إلى منتصف القرن الخامس ورأوا موجات بنى سليم وهلال تأتى على القيروان وكثير من المدن، ومع ذلك فقد انسحب المعز بن باديس إلى المهدية، وخلفه عليها سريعا ابنه تميم من سنة 454 هـ إلى سنة 501 ومرت بنا كلمة ابن خلكان عن تميم وكيف كان يغدق الأموال على الشعراء والعلماء وكيف قصده الشعراء، من الأقاليم البعيدة فضلا عن إقليمه، ونهج نهجه ابنه يحيى وحفيده على وابنه الحسن فى نثر الأموال على الشعراء، ولابن حمديس الصقلى وأمية بن أبى الصلت الأندلسى فى الثلاثة مدائح رائعة، وبالمثل لمن كان يحفّ بهم من شعراء القيروان، غير أنهم جميعا لم يقيّض لهم ما قيض للمعز بن باديس من عناية ابن رشيق بالترجمة لشعراء القيروان والإقليم التونسى لزمنه.

وكان الإقليم التونسى منذ زحفة بنى هلال وسليم قد تحول إلى ما يشبه عصر الطوائف المعروف فى اليونان، ففى المهدية أسرة المعز بن باديس وأبنائه، وفى تونس بنو خراسان كانوا عمالا للدولة الصنهاجية واستقلوا عنها منذ سنة 458 وفى قفصة والجريد بنو الرّند، وفى سوسة الهلاليون، ويشتهر آخر أمرائهم جبارة بن كامل بن سرحان البعيد الصيت بالجود وإغداقه

ص: 213

الأموال على الشعراء، ومن يده أخذها روجار الصقلى واستردها منه عبد المؤمن مع البلاد الساحلية. واستولى الهلاليون أيضا على قابس، إذ ظلت لبنى جامع منهم حتى سنة 554 واشتهر من أمرائهم بأخرة من أيامهم أبو الحملات مدافع، ومنها استنزله عبد المؤمن أمير الموحدين، وكان جوادا ممدّحا، والتفّ حوله كثير من الشعراء. ومن الغريب أن هذا العصر الذى توزّع فيه الاقليم التونسى بلدانا وإمارات متعددة لم يضعف فيه الشعر بل ظل مزدهرا، وخاصة حول أمراء المهدية وقابس وسوسة، إذ كان أمراء البلدان فيه يتنافسون فى جذب الشعراء إليهم، وكلّ يحاول أن يجمع فى بلده العديد منهم، ليتحدثوا عن مناقبه ومفاخره، وكانت تحف بتميم بن المعز فى المهدية كوكبة من الشعراء، منهم-كما فى الخريدة-حميد بن سعيد، وكان من الشعراء المجيدين وهو الذى جمع شعر تميم، ومنهم-كما فى الحلل السندسية-محمد بن حبيب القلانسى وأبو الحسن بن محمد الحداد، ونلتقى بشعراء أمير قابس أبى الحملات مدافع آخر أمراء بنى هلال بها، ومنهم جعفر بن الطيب الكلبى وسلام بن فرحان القابسى وهو من الشعراء المجيدين والسكدلى القفصى ويحيى بن التيفاشى، كما نلتقى فيها بشعراء جبارة بن كامل بن سرحان أمير سوسة المارّ ذكره، ومنهم أبو ساكن عامر بن محمد بن عسكر الهلالى وأبو الحسين بن الصبان المهدوى والتراب السوسى وهو من الشعراء المبدعين، وكان وراء هؤلاء الشعراء الذين سميناهم شعراء بارعون مثل تميم بن المعز صاحب المهدية وعلى الحصرى المهاجر إلى الأندلس وأبى الحسن على بن محمد الخولانى المعروف بالحداد المهدوى المهاجر إلى الاسكندرية وأبى الفضل بن النحوى التوزرى وابن بشير المهدوى وعبد الله الشقراطسى ومحمد بن شرف المهاجر مع ابنه إلى الأندلس.

ويدخل الإقليم التونسى منذ منتصف القرن السادس الهجرى فى حوزة الموحدين، غير أن ابنى غانية وقراقوش يحدثان فيه شغبا-كما مرّ بنا-ظل فترة طويلة، ويعيد الأمن فيه إلى نصابه والى الموحدين أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد مؤسس الدولة الحفصية بتونس، وقد اتخذها عاصمة له، وظلت عاصمة للدولة بعده حتى سنة 981 حين انتهت دولة الحفصيين، بل لقد ظلت إلى اليوم عاصمة للإقليم التونسى. وكان أبو زكريا سيوسا حليما منصفا محسنا لتدبير دولته، وكان معدودا فى العلماء وفى الشعراء وله شعر مدون مع إحسانه لاختيار الرجال الذين يديرون معه دفّة الحكم، مما جعل أيامه خير أيام على الاقليم التونسى وأكثرها أرزاقا وجمعت دولته طائفة من كبار العلماء ونابهى الشعراء لا من الإقليم التونسى وحده، فقد نزل بدياره كثرة غامرة من علماء الأندلس وشعرائه مثل ابن الأبار وأحمد بن عميرة وحازم القرطاجنى وتظل هذه السيول الأندلسية وافدة على تونس فى عصر ابنه المستنصر مثل ابن برطلة رئيس الوفد الذى قدم إلى تونس سنة 657 مبايعا المستنصر خليفة وأميرا، ومثله ابن القصير شاعر المستنصر وله فيه مدائح كثيرة، وعلى شاكلتهما ابن أندراس أهم أطباء المستنصر. وهذه الأسماء

ص: 214

الأندلسية التى ذكرناها إنما هى رموز، فقد كان علماء الأندلس وشعراؤها الذين نزلوا بتونس وما وراءها من المدن لا يحصون عدّا، وقد بعثوا فيها جميعا حركة أدبية عظيمة، اقترنت بما كان فى البلاد من نشاط أدبى، فإذا هى تبدأ-منذ الأيام الأولى للدولة الحفصية-فى نهضة أدبية عظيمة، فإذا التفتنا إلى شعراء تونس وجدناهم كثيرين، مثل أبى طاهر الحميرى المتوفى سنة 639 وعنان بن جابر الهلالى المتوفى سنة 645 وأحمد اللّليانى المتوفى سنة 659 وابن عربية المتوفى مثله سنة 659 ومحمد بن أبى الحسين وزير المستنصر المتوفى سنة 671. ووراء هؤلاء فى القرن السابع الهجرى غير شاعر مبدع مثل ابن الشباط التّوزرىّ المتوفى سنة 681 وله شرح وتخميس لقصيدة الشّقراطسى اللامية فى المديح النبوى، وكان يعاصره ابن السّماط البكرى المهدوى المتوفى سنة 690 وأشعاره جميعها مدائح نبوية رائعة. وتظل هذه النهضة الشعرية أيام الحفصيين مطردة فى القرن الثامن الهجرى، ويلقانا به شاعران من أسرة التجانى هما أبو الفضل وعبد الله صاحب الرحلة، وقد توفيا سنة 718 للهجرة، ونلتقى بإسحاق بن حسينة المتوفى سنة 740 وبمحمد الظريف المتوفى سنة 787، وما تلبث تونس أن تلقى بدرّتها اليتيمة ابن خلدون المتوفى بالقاهرة سنة 808 وهو ناثرا أكبر منه شاعرا. وقلما نلتقى بشاعر مهم فى الحقب المتأخرة للدولة الحفصية، باستثناء الشهاب بن الخلوف المتوفى سنة 899 وأبى الفتح بن عبد السلام المتوفى سنة 975. وفى رأيى أن ضعف الشعر لعهد الدولة الحفصية فى القرنين التاسع والعاشر الهجريين يرجع إلى ما أخذ يسود منذ زمن ابن خلدون فى الإقليم التونسى وبجاية بعامة من اللغة العامية التى لا تحتفظ بالإعراب فى أواخر الكلمات، مما جعله يقول بمقدمته فى الفصل الخاص بأشعار العرب وأهل الأمصار لزمنه: «فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد فى سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون، ويأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء، ويستطردون بالخروج من فن إلى فن فى الكلام. . وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى أشعارهم هذه، ما عدا حركات الإعراب فى أواخر الكلم فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر. ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب». ويبدو أن هذه العامية غير المعربة اتسع استخدامها فى الاقليم التونسى، مما جعل الناطقين بالشعر الفصيح المعرب يقلون، وكان زملاؤهم من أصحاب الشعر العامى المسمون بالقوّالين يظهرون فى العهد الأول للدولة الحفصية على استحياء غير أنهم أخذوا يتكاثرون منذ زمن ابن خلدون والقرن التاسع الهجرى.

وكانت شئون الحكم فى أواخر عصر الدولة الحفصية قد ساءت سوء شديدا واستعان بعض حكامها بالإسبان ونزلوا فى ديارها-كما مرّ بنا-منذ سنة 942 وأخذت البلاد تعانى من ظلم الإسبان وعسف الحفصيين ويستولى العثمانيون سنة 981 على الإقليم التونسى ويظل يعانى من

ص: 215