الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ب) الشيعة: الدعوة العبيدية
إذا كان الإباضية نجحوا فى أن يظل جبل نفوسة موطنا لهم إلى اليوم وبعض أنحاء من طرابلس وإقليمها فإن الدعوة العبيدية الإسماعيلية، على الرغم من أنها أسست لها دولة فى إفريقية التونسية وانضوى تحت لوائها المغرب جميعه من برقة إلى المحيط الأطلسى فترة غير قليلة فى القرن الرابع الهجرى، لم تستطع أن تبقى فى طرابلس وإفريقية التونسية إلى ما بعد القرن الرابع. ومعروف أن فرقة الشيعة الإمامية انقسمت منذ أواسط القرن الثانى الهجرى إلى اثنى عشرية يؤمنون بأن الإمامة انتقلت من جعفر الصادق سادس الأئمة الفاطميين إلى ابنه موسى الكاظم، ويدين بذلك الآن شيعة العراق وإيران، وإلى إسماعيلية يؤمنون بأن الإمامة انتقلت من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل المتوفّى فى حياته، لأن الإمامة تنتقل فى عقيدتهم إلى الابن الأكبر حتى لو مات فى عهد أبيه، ونظّم هذه الدعوة عبد الله بن ميمون القدّاح واتخذ مركزا لها قرية سلمية بقرب اللاذقية، وأخذت تنتقل الإمامة فى تلك الدعوة سرا من أب لابن، حتى إذا كنا فى آخر القرن الثالث الهجرى كان الإمام عبيد الله المهدى، وتسلّل أحد دعاته الدهاة أبو عبد الله الصنعانى إلى الجزائر، واستطاع أن يقنع بتلك الدعوة الشيعية قبيلة كتامة، ولم يلبث أن قضى بها على الدولة التى كوّنتها الإباضية فى تيهرت بالجزائر، والأخرى التى كوّنتها الصفرية فى سجلماسة جنوبى المغرب الأقصى، وقاد من كتامة حملة قضى بها على دولة الأغالبة فى إفريقية التونسية سنة 296 وكان قد ظل يدعو للرضا من آل البيت، حتى إذا قضى على الأغالبة كشف القناع عن وجهه، فأعلن قيام الدولة الفاطمية الإسماعيلية، واستدعى من سلمية الإمام المستتر بها أو المختفى عبيد الله. ووصل القيروان سنة 297 وبويع بالخلافة بيعة عامة، ويسمى مؤرخو إفريقية التونسية الدولة باسم الدولة العبيدية نسبة إليه، وخاصة أن بعض المؤرخين تشكك فى نسب هذه الدولة إلى السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير أن ابن خلدون أكد صحة نسبتها إليها وأنها فاطمية حقّا. وكان طبيعيا أن يحاول عبيد الله-حين بويع له بالخلافة-الاستيلاء على ليبيا ونشر الدعوة الإسماعيلية بها، لما فيها من طيبات الرزق، ولأنها طريقه إلى مصر المأمولة. وبمجرد استيلائه على القيروان تبعته طرابلس إذ كانت تتبعها فى أيام الأغالبة، وولّى عليها كتاميّا سنة 298 فسلّط جنده الكتامى على أهلها من قبيلة هوارة، فغضبوا غضبا شديدا وفتكوا بجنده، ولم يلبث جيش كتامى أن حاصرها، ولم يفك حصاره لها إلا بعد أن أغرم أهلها غرامة ضخمة: ثلاثمائة ألف دينار. وحاول عبيد الله المهدى ضمّ برقة إلى دولته واستعصت عليه، فأرسل إليها جيشا كتاميّا على رأسه قائد يسمى حباسة الكتامى، ففتك بكثيرين من أهلها واستصفى أموالهم، وغرّم أهلها مائة ألف دينار. وعادت برقة سريعا إلى الثورة سنة 304 للهجرة، وردّها أحد قادة عبيد الله إلى الطاعة. وثار الإباضية فى جبل
نفوسة سنة 310 وهزموا جيشين لعبيد الله، وأخيرا انتصر جيش له على إباضية نفوسة، واستكانت ليبيا-منذ هذا التاريخ-لحكم الفاطميين طوال بقائهم فى إفريقية التونسية وفترة بعد مغادرة المعز العبيدى لها إلى القاهرة ولكنها كانت استكانة على مضض غير قليل، فقد ظل من بها من الإباضية فى جبل نفوسة وأنحاء طرابلس يعادون الدعوة العبيدية-أو الفاطمية- الإسماعيلية، كما ظل أهل السنة الذين تتألف منهم جماهير غفيرة فى طرابلس وبرقة يستنكرون الدعوة الإسماعيلية الشيعية ويرفضونها رفضا باتّا. وبمجرد أن انسحب حكمهم من إفريقية التونسية فى عهد المعز بن باديس (406 - 454 هـ). انسحبت معه عقيدتهم الإسماعيلية لا فى إفريقية التونسية وحدها بل أيضا فى طرابلس وإقليمها وجبل نفوسة، وبقيت لتلك العقيدة ظلال باهتة فى برقة لأنها كانت تتبع الدولة الفاطمية فى القاهرة، أما فى طرابلس وإفريقية التونسية وما وراءهما من البلاد المغربية فإنه لم يبق لها أى ظلال لا باهتة ولا غير باهتة، ويرجع ذلك فى رأينا إلى التطرف الشديد فى انحراف مبادئها عن الدين الحنيف وتعاليمه، حتى لتنسلخ جملة عنه، إذ تحيط أئمتها بهالة من التقديس لا يقرها الإسلام حتى لتزعم عصمتهم رافعة لهم فوق المستوى الإنسانى، بل إنها لتزعم أن الإمام العبيدى الإسماعيلى هو التجسّد الربانى للذات العليّة على الأرض، وهو لذلك المشرّع وصاحب الأمر العالم بالغيب وما سجّل فى ألواحه، وكل صفات الله-جل جلاله-إنما هى صفاته، إلى غير ذلك من مبالغات بل من ترهات، سوّلت لبعض دعاة الخليفة العبيدى الحاكم بأمر الله أن يدعو إلى عبادته، وقد عرضت مبادئ هذه الدعوة الضالة بالتفصيل فى الجزء الخاص بمصر من هذه السلسلة الخاصة بتاريخ الأدب العربى، موضحا كيف أن مصر انصرفت عنها، بل رفضتها رفضا، وهو ما حدث فى طرابلس والبلاد المغربية. وكأنما دخلتها جميعا-حين كانوا يحكمونها-من باب شديد الضيق، ثم خرجت بعدهم-حين رحلوا عنها-من باب آخر ولم تترك وراءها أثرا. وعبثا حاول أبو عبد الله الصنعانى أن يقنع بها فقهاء القيروان وردوا عليه ردودا مفحمة، وأحسّ عبيد الله المهدى-بوضوح-نفور الناس من عقيدتهم الإسماعيلية نفورا شديدا، فطلب إلى دعاتها أن يخففوا من النشاط للدعوة لها، وبنى «المهدية» على رأس بارز فى الساحل على البحر المتوسط شرقى سوسة، وأحاطها بأسوار عالية قوية مع أبراج ضخمة وأبواب مصفحة بالحديد-كما يقول الحسن الوزان فى وصف إفريقيا-سنة 305 ونقل إليها أسرته وأمواله وجنده حتى يأمن على نفسه. وظلت طرابلس وإقليمها بل أيضا برقة وإقليمها كما ظلت إفريقية التونسية مزورتين عن الدعوة الشيعية، وظلت الجماهير فيها جميعا مرتبطة بمذاهب أهل السنة إلى أن خرجت طرابلس وإقليمها كما خرجت إفريقية التونسية من الدعوة السيدية الاسماعيلية فى عهد المعز بن باديس على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع.