الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقررت، سوى فرد من الناس، بدا فى جنح ليلها كالنبراس». وعالم طرابلسى واحد فقط هو الذى لفت الناصرى، والبلد لم تكن قفرا من العلماء، ولكنها كانت قفرا ممن يشجعونهم ويثيرون فيهم الرغبة فى المنافسة العلمية، وبالتالى فى البحث والجدل والمناظرة.
2 - علوم الأوائل-علوم اللغة والنحو والعروض
(أ) علوم الأوائل
لم يكن لليبيا نشاط واضح فى علوم الأوائل قبل العصر الحديث، إنما يذكر عرضا أن هذا العالم اللغوى أو الفقيه المالكى بجانب علمه الواسع بمادته كان عالما بالحساب والهندسة والكيمياء مثل عبد الله بن عبد الله البرقى الراحل إلى الأندلس زمن الخليفة المستنصر (350 - 366 هـ). ويقال إنه كان عالما باللغة والنحو وإماما فيهما وعالما بالحساب والهندسة، ويقال عن الجلالمى الفقيه الإباضى فى القرن الرابع إنه كان مع براعته فى علمى الأصول والمنطق كان بارعا فى الحساب، ومثله معاصره ابن المنمر الفقيه المالكى، وكان عبد الرحمن بن محمد التاجورى الطرابلسى الفقيه المالكى فى القرن العاشر الهجرى علامة زمانه فى علم الميقات. وهى إشارات متباعدة زمنيا ولا تحمل لليبيا نشاطا بيّنا فى علوم الأوائل.
(ب) علوم اللغة والنحو والعروض
طبيعى أن تعنى ليبيا وبلدانها بالعربية، وكان الليبيون على مثال عمر بن يمكتن فى تلقفه للقرآن الكريم وآياته من أفواه الجند العربى يتلقفون كلهم العربية منهم وما يجرى على ألسنتهم من بعض الأشعار. ونشأت الكتاتيب، وأخذوا يتلقنون مع آيات الذكر الحكيم بعض الأمثال العربية وبعض الأحاديث النبوية، وربما ألم لهم الشيخ بشئ من خطب الرسول والخلفاء الراشدين، حتى إذا كان القرن الثانى أخذت ناشئة من العلماء من أهل ليبيا تحسن قراءة الذكر الحكيم وتروى بعض الأحاديث وتنشد بعض الأشعار، ورحل عدد منهم غير قليل لأداء فريضة الحج ولقاء العلماء فى مصر والحجاز والعراق، وسمع بعضهم بوضع علماء البصرة لقواعد العربية، فرحلوا إليهم وتتلمذوا عليهم، وعادوا إلى الكتاتيب فى ليبيا يعلمون الناشئة ما سمعوه من تلك القواعد، وعلّموها أيضا للشباب فى المساجد وأخذ يشاركهم فى هذا التعليم وافدون من المشرق: من البصرة أحيانا ومن الكوفة أحيانا أخرى، وما تلبث ليبيا أن يصبح لها لغويون ونحاة من أهلها، يتقدمهم أربعة عاشوا فى عصر الدولة الأغلبية (184 - 296 هـ)
ترجم لهم جميعا الزبيدى فى طبقاته، وأولهم محمد بن صدقة المرادى الطرابلسى، وغلب عليه التقعر فى اللغة، إذ كان لا يكتفى بالمألوف من اللغة فى محاضراته وإملاءاته، بل يطلب دائما الشواذ والنوادر والغرائب اللغوية حتى يبهر تلاميذه وسامعيه. والثانى خلف بن مختار الطرابلسى المتوفى سنة 290 وكان صاحب نحو ولغة ويقرض الشعر ويجيد المعانى، والثالث محمد بن سالم الطرابلسى المعروف بالعقعق وكان صاحب نحو ولغة مثل سالفه مع علم بالجدل وإيمان بالاعتزال ومبادئه، والرابع عبد الله بن محمود من أهل سرت، نشأ فيها وأخذ عن علمائها، ورحل إلى القيروان للتزود من حلقات علمائها وبها دوّت شهرته فى اللغة والغريب وشرح الدواوين الشعرية وأيام العرب، وله كتب أملاها فى اللغة والعربية والغريب والعروض، يقول الزبيدى:«وإليه كانت الرحلة من جميع إفريقية التونسية والمغرب، وعليه قرأ الناس المشروحات توفى سنة 308 للهجرة» . ونلتقى عند القفطى فى إنباه الرواة بأبى بكر محمد بن مؤمن الكندى البرقى، وفد على مصر وتوفى فيها سنة 351 وقد قارب الثمانين وكان نحويّا كبيرا، كما نلتقى بعلى بن مضر البرنيقى أو البنغازى نزيل مصر، كان نحويا لغويا كبيرا وكتب بخطه كثيرا من الكتب اللغوية وكان الناس يتنافسون فى تحصيل ما يكتبه، ويقول القفطى إنه رأى نسخة بخطه من معجم الجمهرة لابن دريد، وقد بيعت بأربعة وعشرين دينارا مصريا، وإذا كان قد حمل إلى القاهرة نسخة من الجمهرة بخطه، فإننا سنرى ابن القطاع بعده بأكثر من قرن يحمل إلى القاهرة من صقلية نسخة من صحاح الجوهرى، وكان عليها اعتماد المصريين فى رواية معجم الجوهرى، كما كان اعتمادهم على نسخة معجم الجمهرة بخط على بن مضر البنغازى، ولعل فى حمله لها إلى القاهرة ما يدل على ما بلغه أهل ليبيا من العلم باللغة ومعاجمها الكبيرة فى القرن الرابع الهجرى، إذ توفى سنة 384 للهجرة.
وإذا مضينا إلى القرن الخامس الهجرى التقينا فى طرابلس بعالم فذ من علماء اللغة العربية يحق لطرابلس-بل لليبيا عامة-أن تفاخر به، ويحسن أن نتوقف عنده قليلا لنتخذ منه رمزا قويا على مدى ما حذقته ليبيا وطرابلس حتى زمنه من علوم العربية والتعمق فيها، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الأجدابي الطرابلسى اللواتى، فهو ليبى من قبيلة لواتة البربرية التى سكنت الساحل الليبى منذ العصور السحيقة، وأصل أسرته من أجدابية فى إقليم برقة، ولذلك نسب إليها، وقد ولد ونشأ وأمضى حياته فى طرابلس إلى أن توفى بها، ولذلك عرف بالطرابلسى. واختلف من ترجموا له أو ذكروه فى القرن الذى عاش فيه، فقيل عاش فى القرن السابع الهجرى، وقيل: بل فى القرن السادس، وقال التجانى فى رحلته إنه عاش فى القرن الخامس الهجرى، ويؤيده-بل يقطع به-خبر له مع قاضى بلدته ابن هانش الذى ولى قضاءها بين سنتى 444 و 477 فقد ذكر الرواة أنه حضر مجلس قضائه، فرآه يحكم بحكم مخطئ
فردّه، فقال له ابن هانش:«اسكت يا أحول فما استدعيت، ولا استفتيت» وانصرف من مجلسه غاضبا، فألف رسالة فى الحول تدل على سعة علمه، وهى سعة شهد له بها كثيرون مثل القفطى فى ترجمته له بإنباه الرواة، إذ يقول عنه:«من أهل اللغة، وممن تصدّر فى بلده واشتهر بالعلم. . وكانت له يد جيدة فى اللغة وتحقيقها وإفادتها» . ويقال إنه سئل من أين لك كل هذا العلم ولم ترحل؟ فأجاب: اكتسبته من بابى هوارة وزناتة فى بلدتى، يريد من العلماء الذين كانوا يفدون على طرابلس من الشرق والغرب، مما يدل على الأثر الواسع للوافدين على طرابلس فى ثقافة شبابها ومعارفهم العلمية على نحو ما أشرنا إلى ذلك فيما أسلفنا من حديث. ويقول التجانى فيه برحلته:«كان الفقيه أبو إسحاق هذا من أعلم زمانه بجميع العلوم كلاما وفقها ونحوا ولغة وعروضا ونظما ونثرا» . وينوه بمؤلفاته، ويذكر منها كتابه فى العروض، ويقول:
«ناهيك به حسنا وترتيبا وتهذيبا، وهو نسختان: كبرى وصغرى» كما يذكر له كتابا مختصرا فى علم الأنساب، اختصر فيه أنساب قريش للزبير بن بكار، ويقول:«قد رأيت أبا إسحاق قد أدخل من حفظه فى هذا المختصر زوائد تشتمل على فوائد نبّه عليها» . ومن مؤلفاته الطريفة كتاب فى الرد على ابن مكى فى كتابه: «تثقيف اللسان» وما جمعه فيه من الأخطاء اللغوية التى تدور فى أفواه الناس والعلماء، وقد راجعه فى كثير من هذه الأخطاء محاولا تصحيح بعض ما ظنه خطأ وتسويغه. وينوه التجانى بكتاب له فى شرح ما آخره ياء مشددة من الأسماء وبيان اعتلالها، ويقول التجانى: «استوفى فيه جميع أحكام هذه الياء على اختلاف أحوالها. .
ولما استوفى ذلك استيفاء جميلا تعرّض لشرح المقاطع (الفواصل اليائية) الواقعة فى سورة مريم لاشتمالها على كثير من تلك الأحكام، فجاء هذا التأليف فى غاية الإفادة». ويبدو أنه كان فقيها كبيرا، وتشهد له بذلك مراجعته لابن هانش السالفة فى حكم قضائى له، ويقول التجانى: له تآليف جليلة وأسئلة مفيدة فى الفقه، ولكن لا شك فى أن نشاطه اللغوى كان أكبر وأخصب من نشاطه الفقهى. وقد نشر من مؤلفاته كتابان لغويان نفيسان هما: كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ، والأزمنة والأنواء.
أما كتاب كفاية المتحفظ فهو على مثال كتاب فقه اللغة للثعالبى، ويتوزّع مثله إلى عدة أبواب، فباب فى صفات الرجال المحمودة ويتلوه بصفات الرجال المذمومة، وباب فى صفات النساء المحمودة، ويتلوه بالمذموم من صفاتهن، وباب فى خلق الإنسان، وباب فى الخيل، وباب فى السلاح، وباب فى السباع والوحش، وباب فى الطير، وباب فى النبات إلى غير ذلك من أبواب كثيرة، ويقول فى مقدمته:«هذا كتاب مختصر فى اللغة وما يحتاج إليه من غريب الكلام، أودعناه كثيرا من الأسماء والصفات، وجنّبناه حوشىّ الألفاظ واللغات، وأعريناه من الشواهد، ليسهل حفظه ويقرب تناوله، وجعلناه مغنيا لمن اقتصد فى هذا الفن، ومعينا لمن أراد الاتساع فيه» . وقد
نال هذا الكتاب شهرة واسعة فى العالم العربى من قديم شرقا وغربا وعكف عليه غير عالم يشرحه أو ينظمه شعرا ليسهل على الطلاب حفظ ما فيه، وعدّد بروكلمان فى ترجمته مخطوطاته ومخطوطات شروحه ونظمه، وطبع الكتاب فى عصرنا بالقاهرة وبيروت وحلب، ونسوق مثالا من صفحاته الأولى يوضح مدى أهميته والفائدة-أو الفوائد-اللغوية منه، يقول فى باب الصفات المحمودة فى الرّجال:
«الجواد: الرجل السخىّ، والخرق: الكريم، والخضمّ: الكثير العطية، والخضرم: الكثير الإنفاق، والأريحىّ: الذى يرتاح للعطاء، والحسيب: الكريم الآباء، والماجد: الشريف، والصّنديد: الرئيس العظيم وكذلك الهمام، والسميدع: السيد وكذلك الجحجاح والأريب:
العاقل، والحلاحل: الوقور، والمنجّذ الذى قد جرّب الأمور، والمدره: الذى يكون رأس القوم ولسانهم، واللّوذعىّ: الذكىّ القلب، والمصقع: البليغ اللسان، والسّرىّ: المرتفع القدر وجمعه سراة بفتح السين».
وتشهد هذه الألفاظ بأنه كان صاحب حسّ أدبى وذوق مرهف وذاكرة لاقطة، مما جعله يعرف كيف يختار فى كل باب من أبواب الكتاب من معاجم اللغة ومما حفظه من الشعر والنثر ألفاظا مصفّاة نقية من شوائب الغرابة والإغراب كما قال فى مقدمة الكتاب ومع تفسيرها بحيث تكون معانيها واضحة تمام الوضوح للشباب والأدباء حين يستخدمونها ويتلفظون بها، وهو ما دفع الناس-كما يقول القفطى-فى مصر والمغرب إلى الاشتغال بالكتاب والعناية بحفظ ما فيه من الكلم المتخيّر المستعذب.
وأما كتاب الأزمنة والأنواء فقد حققه ونشره الدكتور عزة حسن بدمشق سنة 1964 للميلاد، ويقول ابن الأجدابي الطرابلسى فى مقدمته:«هذا كتاب مختصر أودعناه أبوابا حسنة فى علم الأزمنة وأساساتها، والفصول وأوقاتها، ومناظر النجوم وهيآتها، بأوضح ما أمكننا من التبيين، وبأسهل ما حضرنا من التقريب» . والكتاب-كما يدل عنوانه-فى علم الفلك وما يتصل به من الكواكب وأوضاع الشمس والقمر على مدار العام والأمطار والرياح وتغير الفصول. والعرب منذ الجاهلية يعنون بهذا العلم لشدة حاجتهم لمعرفة مواقع النجوم فى ظلمات لياليهم الصحراوية الطويلة، حتى لكأنها المصابيح التى تهديهم فى سراهم ليلا فلا يضلون السبل، وقد أكثروا من التأليف فى هذا العلم منذ القرن الثانى الهجرى، ونقلوا عن الأمم القديمة: اليونانية والفارسية والهندية ما كتبوه فيه ومزجوه بمعارف العرب فى صور مختلفة. وكتاب ابن الأجدابي يكتظ بمعلومات طريفة، وقد استهله بحساب الأزمنة والسنين والشهور الشمسية عند الروم وغيرهم والقمرية عند العرب ثم يذكر الكواكب المشهورة ومواقعها فى القبّة الزرقاء والكواكب السيّارة فى السماء، ويتحدث عن بيان أزمنة السنة وبروج الشمس ومنازلها والرياح