الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمد بن اللباد رئيس المالكية، وسجنوه، وعادوا فردوا إليه حريته وألزموه الاعتكاف فى بيته، فكان تلاميذه يقصدونه خفية ويقرءون عليه فى بيته، وكان ربيع القطان يقرئ تلاميذه فى حانوته الذى يبيع فيه القطن. وظل العبيديون يحاولون القضاء على مذهبى مالك وأبى حنيفة، وعلماء السنة يقاومونهم مقاومة حادة وينازلون دعاتهم منازلات ضارية، وكان الفقيه سعيد بن الحداد يقود هذه المنازلات فى أيام عبيد الله المهدى، وسمع به وبإسكاته الدعاة وإلزامهم الحجة، فاستدعاه-كما يقول المالكى فى كتابه «رياض النفوس» -وعرض عليه الحديث النبوى:
«من كنت مولاه فعلىّ مولاه» فقال له سعيد: هو حديث صحيح قد رواه أهل السنة، فالتفت إليه وقال له: فما للناس لا يكونون عبيدنا؟ فقال له سعيد: أعزّ الله السيد، لم يرد (الرسول) ولاية الرّق، إنما أراد ولاية الدين، فقال له عبيد الله المهدى: هل من شاهد يؤيد كلامك من كتاب الله عز وجل، فقال له: نعم، قال الله تعالى:{ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ، وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ثم قال سعيد: فما لم يجعله الله لنبى لم يجعله لغير نبى، وعلى لم يكن نبيا إنما كان وزير النبى صلى الله عليه وسلم. وبذلك أفحمه، فقال له انصرف. ولم تقف المسألة فى العقيدة العبيدية الفاطمية عند محاولة الخلفاء العبيديين استعباد الناس، فقد حاولوا إقناعهم بأنهم الصورة المجسدة للذات العلية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا إلى غير ذلك من ضلالاتهم التى صورنا أطرافا منها فى كتابنا-بهذه السلسلة-عن مصر. وظلت القيروان تقاطع عقيدتهم إلى أن انتقلوا إلى القاهرة وعادت لمذاهب أهل السنة نشاطاتها وخاصة مذهب مالك، ولم يلبث المعز الصنهاجى سنة 438 هـ/1046 م أن حمل الناس والفقهاء على اتباعه، فظل هو المذهب السنى الأساسى فى القطر التونسى إلى اليوم، وحقا اشترك معه المذهب الحنفى أيام العثمانيين، ولكن ظل هو المذهب السنى للجماهير التونسية.
5 - الزهد والتصوف
(1)
هذا القطر أو هذه الدار التونسية الكبيرة للدين الحنيف أخذت تتحول سريعا إلى دار
(1) راجع فى الزهد والتصوف كتاب رياض النفوس فى التراجم وكذلك طبقات علماء إفريقية لأبى العرب ومعالم الإيمان لابن ناجى، وبرنشفيك 2/ 332 وما بعدها. وانظر فى المنزعين الصوفيين: الفلسفى والسنى ما كتبنا عنهما فى الجزء الخاص بمصر من هذا التاريخ للأدب العربى وكذلك انظر فى هذا الجزء ترجمة أبى الحسن الشاذلى.
كبرى لعبادة الله الواحد الأحد، وأخذت المساجد تبنى فى كل بقعة وفى كل بلد، وكان الفاتحون يقرءون البربر القرآن ويفقهونهم فى الدين وينشرون فيهم تعاليم الإسلام وما يدعو إليه من العبادة والنسك، وقد تميز أفراد البعثة التى أرسل بها عمر بن عبد العزيز سنة مائة للهجرة بالزهد فى عرض الدنيا الزائل، وكان منهم إسماعيل بن عبيد الذى اشتهر فى القيروان باسم تاجر الله، لأنه كان يتجر ويجعل ثلث كسبه لله، ينفقه فى وجوه الخير، وهو يمثل شخصية زهاد الدين الحنيف الأولين. فهو يعبد الله ويفقّه الناس فى الدين، ويحفّظ الناشئة القرآن فى كتّاب، وهو لا يعيش كلاّ أو عبئا على الدولة ولا عالة على الناس، بل يتجر ويكتسب من التجارة ما يقيم به أوده، ثم هو يقوم بالواجب الأكبر عليه للأمة: واجب الجهاد لأعدائها وأعداء دين الله، وبأخرة من حياته فى القيروان حمل سيفه وخرج مجاهدا لإعلاء كلمة الله فى صقلية وغرق فى البحر المتوسط سنة 107 للهجرة. ونلتقى بعده فى القيروان بزهاد كثيرين تعنى كتب الطبقات بالترجمة لهم والحديث عنهم، ومن أهمهم فى أواسط القرن الثانى الهجرى رباح بن يزيد اللخمى، وكان زاهدا وعابدا ناسكا، ونوّه به طويلا أبو العرب فى الطبقات والمالكى فى رياض النفوس.
وبالمثل نوّها بالبهلول بن راشد وزهده وورعه، وكان يعاصرهما على بن زياد أول من أدخل كتاب الموطأ لمالك بن أنس إلى إفريقية التونسية، توفى سنة 183 للهجرة، وله كتاب فى الزهد، وبالمثل لعبد الملك بن أبى كريمة مولى إسماعيل بن عبيد تاجر الله كتاب فى الزهد، وكان من أهل الفضل والورع.
ومن أهم ما سجّلته كتب الطبقات لهؤلاء الزهاد الورعين أنهم كانوا دائما يخرجون فى وقت من السنة للعبادة فى الرباطات والمحارس التى كانت متخذة على طول الساحل التونسى لإقامة المجاهدين المتربّصين بالقراصنة الغربيين أعداء الله حين يغيرون فجأة فى موضع على الساحل التونسى الطويل. ومعروف أن زيادة الله الأول الأغلبى حين أعدّ حملته المشهورة لفتح صقلية فى سنة 212 هـ/827 م جعل قائدها أسد بن الفرات قاضى القيروان وكبير فقهائها فى زمنه.
وفى ترجمة سحنون أكبر فقهاء القيروان بعده أنه كان يرابط وقتا فى السنة بالقرب من ميناء سوسة، ومع أنه كان على شئ من الثراء كان يتخشّن فى ملبسه ومطعمه مع الورع الصادق والزهادة فى الدنيا، وكان ابنه محمد الذى خلفه فى حلقته لإقراء الطلبة يخرج وقتا فى السنة- مثل أبيه-للمرابطة وحراسة المسلمين، وتروى له مقتلة فى قراصنة الروم، فقد تصادف أن لقيهم ذات مرة وقد أشرفوا-فى غيبة الرجال-على نهب بعض الأموال وسبى الحريم فتقلد سيفه وأخذ بيده رمحه وامتطى جوادا له، ورآه بعض المرابطين فأسرعوا إليه، وكبّر وكبّروا معه، واشتبكوا فى حرب مع القراصنة، وأجهزوا على بعضهم، ففرت بقيتهم هاربة إلى البحر المتوسط وما وراءه. وإنما نسوق ذلك لندل على أن الزهاد والنساك فى الحقب الإسلامية الأولى لم يكونوا
يعيشون للزهد وعبادة ربهم فقط، بل كانوا دائما يحملون السلاح ويتقدمون الصفوف فى حرب أعداء الله والوطن، مؤمنين بأن جهاد أعداء الله لا يقل عن عبادته نسكا وقربى إليه. ولم يكونوا يعيشون عالة على المجتمع، بل كانوا دائما يحترفون حرفا تدرّ عليهم أرزاقهم، على نحو ما مرّ بنا آنفا عند إسماعيل بن عبيد تاجر الله.
وأخذ هؤلاء الزهاد والعباد يتكاثرون فى القيروان أثناء القرن الثالث الهجرى، حتى لنراهم يتخذون مسجدا سموه مسجد السبت، كانوا يقصدونه يوم السبت للذكر والعبادة، وكانوا ينشدون فيه الأشعار بتطريب فرادى وجماعة، وكأن ذلك كان مقدمة لما سيصير إليه ذكر الله فى البلدان المغربية، إذ سيصبح اجتماعات دورية للذكر فى المساجد والزوايا بعد أن كان مرتبطا بجهاد أعداء الدين والوطن ومراقبتهم على الساحل التونسى الطويل فى الرباطات والمحارس الكثيرة التى كانت تعدّ بالعشرات. وحاول-مبكرا-يحيى بن عمر الكنانى المتوفى سنة 289 للهجرة أن يقاوم الاجتماع المار للذكر فى مسجد السبت، فألف كتابا يردهم عن هذا الطريق الذى ابتدعوه ولم يستجيبوا إليه.
ومن يقرأ التراجم فى كتاب رياض النفوس للمالكى المتوفى سنة 472 للهجرة وكتاب معالم الإيمان للدباغ وذيله لابن ناجى المتوفى سنة 738 يلقاه كثير من الزهاد النساك وخاصة بين الفقهاء والتقاة، وأخذ التصوف ينشط فى الدولة الحفصية منذ مؤسسها أبى زكريا، وكان ورعا تقيا، وكان كلما بنى مسجدا نهض بأول أذان فيه قربى لربه، وبنى أمراء الدولة كثيرا من المساجد فى تونس وبلدانها. وأخذ التصوف ينشط فى عهد تلك الدولة، وكان بعض أئمته الأندلسيين ينزلون القطر التونسى قبل تلك الدولة فى القرن السادس الهجرى، وممن نزل بها منهم أبو مدين شعيب، وهو من إشبيلية، أجاز البحر إلى المغرب، فاشتهر به خبره فى التصوف والنسك، وتوفى بتلمسان سنة 594 هـ/1197 م وله فيها زاوية كبيرة، وله أتباع كثيرون، وكان قد نزل بتونس فترة، وتبعه فى طريقته الصوفية غير تونسى، منهم أبو سعيد خلف بن يحيى التميمى المتوفى سنة 628 هـ/1230 م والمدفون ببلدة جبل المنار بالقرب من قرطاجة، والبلدة مسماة باسمه وفى رأيى أن أبا مدين كان ينزع فى تصوفه المنزع الفلسفى، وهو المنزع الذى بدأه الحلاج والذى كان أصحابه يؤمنون بالاتحاد بين المخلوقات والخالق جلّ شأنه أو بعبارة أخرى بين الإنسان وربه، واقترن بذلك الإيمان بالفناء فى الذات العلية، والباحثون فى هذا المنزع، منهم من يقف عند الظاهر من عبارات أصحابه وأشعارهم فينسبونهم إلى القول بالاتحاد مع الذات الإلهية وأكثر من ذلك بالحلول وأن الله يحل فى الإنسان وجزئيات الطبيعة، ويؤثر عن أبى مدين أنه كان يقول:
«بى قل، وعلىّ دلّ، فأنا الكلّ» والعبارات قد تفسّر بأن أبا مدين يؤمن بالاتحاد فى الذات العلية وحلولها فيه وقد تفسّر بأنه إنما يؤمن بالفناء فى الذات الربانية. وزار تونس بعده من أصحاب
المنزع الصوفى الفلسفى ابن عربى المرسى الأندلسى الناشئ بإشبيلية والمتوفى بدمشق سنة 638 هـ/1240 م وهو من أئمة هذا المنزع، وظل فى تونس فترة ألف فيها كتابه:«الدوائر الإحاطية فى مضاهاة الإنسان» ونظن ظنا أنه خلّف بتونس بعض مريديه المعجبين به وبمنزعه.
ومن المؤكد أن هذا المنزع الصوفى الفلسفى لم يكتب له الشيوع والانتشار فى تونس، إنما الذى كتب له ذلك المنزع الصوفى السنى الذى لا يؤمن أصحابه بحلول الذات العلية فى جزئيات الكون ولا باتحادها معها أو مع الإنسان ولا بالفناء فى الذات الربانية، فحسبهم محبة الله وذكره وتسبيحه، وقد قام على هذا المنزع فى القرن الخامس عبد الكريم القشيرى المتوفى سنة 465 هـ/1072 م والإمام الغزالى المتوفى سنة 505 هـ/1112 م وسرعان ما أخذت الطرق الصوفية السنّية فى الظهور أثناء القرن السادس الهجرى، ومن أهمها طريقتان: القادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلانى مولدا الحسينى نسبا نزيل بغداد المتوفى سنة 561 هـ/1165 م والطريقة الأحمدية أو الرفاعية نسبة إلى الشيخ أحمد الرفاعى البغدادى المتوفى سنة 578 هـ/1183 م. ورحّبت البلاد الإسلامية بهاتين الطريقتين، وأخذت تضيف إليها طرقا صوفية سنية جديدة، وتجرّد شيخ تونسى هو الشاذلى أبو الحسن على بن عبد الله الحسينى المنسوب إلى بلدة شاذلة بالقرب من مدينة تونس المولود سنة 593 هـ/1197 م لإنشاء طريقة صوفية سنية، بجانب الطرق التى عمت وشاعت فى البلدان العربية، وأخذ يحاول نشرها فى تونس، وتبعه مريدون كثيرون رجالا ونساء، منهم على القرجانى وحسن السيجومى وللاّ (السيدة عائشة المنوبية) المتوفاة سنة 665 هـ/1267 م وهى من قرية منّوبة غربىّ مدينة تونس ولها زاوية كبيرة، ولبعض النساء ببلدتها اعتقاد فيها، ولذلك يزرنها ويتوسلن بها لحاجاتهن: حمل وغيره.
وفى تونس تعرّف بتلميذه أبى العباس المرسى، وصحبه مع جمع من مريديه إلى الإسكندرية سنة 642 هـ/1244 م وسرعان ما أصبحت طريقته أهم الطرق الصوفية السنية بمصر. وظلت طريقته حية بتونس مع طريقة القادرية السابقة لها، ومع طرق أخرى وفدت على تونس من المغربين الأوسط والأقصى مثل طريقة التجانى والطريقة العروسية للشيخ أحمد بن عروس المتوفى سنة 868 هـ/1463 م وله فى تونس زاوية كبيرة.
وقد تكاثرت زوايا المتصوفة فى تونس والأقطار المغربية كثرة مفرطة، وتحولت فى الحقب المتأخرة إلى ما يشبه تكايا ينزلها مع الدراويش الجوالين كثير من المشعوذين الدجالين، وكان منهم من يدعى لنفسه الكرامات وأنه من أولياء الله، والله براء منه لانحرافه عن جادة الدين والتصوف السنى الحقيقى.