الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موطنه صيانة لنفسه ولقومه من الأذى، ويفتخر بأنه ما من أحد من قومه إلا نال عزا ورفعة ويتحدّى من يعاديهم، إذ يطئون أرضه بحوافر خيلهم ويقضون عليه قضاء مبرما. والقصيدة على لسان هذا البدوى عنان بن جابر السلمى تعدّ أحد البراهين القوية-كما مرّ بنا-على خطأ ابن خلدون فيما زعمه من أن أعراب بنى سليم وهلال زايلت ألسنتهم الفصحى فى أرجاء الإقليم التونسى منذ القرن السابع الهجرى بل ربما قبله بفترة غير قليلة.
2 - شعراء الطبيعة
من قديم يتغنى الشاعر العربى بالطبيعة، ومعروف أن الشاعر الجاهلى لم يترك فى بيئته الصحراوية زهرة ولا شجرة ولا سحابا ولا نجما ولا طائرا ولا حيوانا أليفا ولا وحشيا إلا تغنّى به واصفا لجماله أو لسرعته أو لقوته، وتبعه الشعراء فى العصور التالية يصفون الرياض والأنهار وما أودع على ضفافها من جمال، كما يصفون الحيوانات والطير من كل نوع، ويصف إبراهيم الحصرى صاحب زهر الآداب الياسمين قبيل تفتحه قائلا (1):
لقد راع رأس الياسمين منوّرا
…
كأقراط درّ قمّعت بعقيق (2)
يميل على ضعف الغصون كأنما
…
له حالتا ذى غشية ومفيق
إذا الريح أدنته إلى الأرض خلته
…
نسيم جنوب ضمّخت بخلوق (3)
فالياسمين وهو يوشك على التفتح وقد انبثقت فى أعلاه زهرة حمراء يروعك منظره، وكأنه أقراط ذهبية خضبت بعقيق أو ياقوت، ومنه ما يميل منحنيا لضعف غصونه، ومنه ما يظل ثابتا فى وقوفه، وكأنما له حالتا مغشىّ عليه ومفيق، وإذا مر به النسيم ظننته تعطر بخلوق أو طيب ذكى الرائحة. ويقول إبراهيم بن غانم الكاتب القيروانى واصفا النيل (4) وكان قد أقام بمصر فترة وعاد إلى القيروان وتوفى بها سنة 421 هـ/1030 م.
النيل بين الجانبين كأنما
…
صبّت بصفحته صفيحة صيقل
يأتيك من كدر الزّواخر مدّه
…
بممسّك من مائه ومصندل (5)
(1) المجمل فى تاريخ الأدب التونسى ص 119.
(2)
العقيق: حجر كريم أحمر.
(3)
ضمح: لطّخ. خلوق: ضرب من الطيب.
(4)
الأنموذج ص 50.
(5)
ممسك: مطيب بطيب المسك. مصندل: مطيب بطيب الصندل.
وكأنّ ضوء البدر فى تمويجه
…
برق تموّج فى سحاب مسبل
وكأن نور السّرج فى جنباته
…
زهر الكواكب تحت ليل أليل (1)
وهو يصور النيل بين شاطئيه كأنه سيف حدّاد بالغ فى جلائه لشدة لمعانه، ويقول إن فيضانه يأتيك بلون كدر كأنه اختلط بمسك أو بشجر الصندل الأحمر، يشير بذلك إلى ما كان يختلط به فى فيضانه من الطمى المائل إلى الحمرة، وكأن ضوء البدر على صفحة أمواجه برق يموج فى سحاب يهطل مدرارا، وكأن نور المصابيح فى جنباته كواكب مشرقة لامعة فى ليل شديد الظلام.
ويقول عبد العزيز بن خلوف المتوفى حوالى سنة 430 هـ/1039 م فى وصف سحابة (2):
مرتجّة الأرجاء يحبس سيرها
…
ثقل فتعطيه الرياح سراحا
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت
…
من برقها-كى تهتدى-مصباحا
وكأنّ صوت الرّعد خلف سحابها
…
حاد إذا ونت الركائب صاحا
وهو يقول إنها سحابة مثقلة بمطر غزير، وكأن ثقل ما تحمله يحبس سيرها، وتطلقه الرياح، فتسير وئيدة فى ليلة داجية وكأن الظلام أخفى مسالكها، فأوقدت من برقها مصباحا كى تهتدى به فى سيرها، ويتصور كأن صوت الرعد فيها حاد خلفها إذا توانت الركائب وتباطأت صاح بها كى تمضى فى سيرها مسرعة. وكان يعاصر هذا الشاعر ابن أبى حديدة وكان يعنى بوصفه للسحب والنجوم، وسنخصه بكلمة. ومعروف أن البحر المتوسط يمتد طويلا على شواطئ الإقليم التونسى شرقيه وشماليه من قابس إلى بنزرت، فكان طبيعيا أن يتعرض الشعراء فى ثغوره المختلفة لوصفه، من مثل الشاعر أبى الحسين الكاتب، وكان حسن البصر بصناعة الشعر- كما يقول ابن رشيق-سالكا لجميع شعابها، داخلا من جميع أبوابها متقنا لها فى لطافة وحلاوة، وقد توفى سنة 408 هـ/1018 م وفى البحر يقول (3):
انظر إلى البحر وأمواجه
…
فقد علاها زبد متّسق
تخالها العين إذا أقبلت
…
خيلا بدت فى حلبة تستبق
حمرا ودهما فإذا ما دنت
…
من شاطئ البحر علاها بلق
ظهورها درّ وأكفالها
…
ألبسها الجرى صبيب العرق
وهو يصور أمواج البحر حين تعانق رمال الشاطئ وما يعلوها من زبد، ويخالها خيلا تستبق
(1) ليل أليل: ليل شديد الظلام.
(2)
المجمل فى تاريخ الأدب التونسى ص 133.
(3)
الأنموذج ص 363.
فى حلبة، ويراها حين تعانق الرمال يعلوها لونان أسود منها وأبيض من الزبد مما يجعلها بلقاء فى مرأى العين، وكأنما الرمال تحيلها درا سائلا بينما أواخرها يتصبب عرقا أو زبدا. وكان على بن حبيب التنوخى شاعرا عذب اللفظ-كما يقول ابن رشيق-لطيف المعنى قليل التكلف، وقد توفى حوالى سنة 440 هـ/1049 م وله فى تصوير المد والجزر عند صفاقس (1):
بلد يكاد يقول حي
…
ن تزوره أهلا وسهلا
وكأنه والبحر يح
…
سر تارة عنه ويملا
صبّ يريد زيارة
…
فإذا رأى الرّقباء ولّى
وهو تعليل طريف للمد والجزر أمام صفاقس التى ترحب دائما بضيوفها، وكأنما أمواج البحر، حين تمتد أمامها وتقترب منها وسرعان ما تتراجع، عاشق يريد زيارتها، ويرى الرقباء فيولّى راجعا من حيث أتى.
ونلتقى بأبى زكريا مؤسس الدولة الحفصية، وكان شاعرا مجيدا وناقدا بصيرا بالشعر، وله أشعار مختلفة فى الحماسة ووصف آلات الحرب وغير ذلك. ومن شعره يصف حديقة ونهرها وأزهارها من الرياض التى أنشأها قرب عاصمته تونس باسم أبى فهر (2):
وسال نمير الماء بين اخضرارها
…
فجاء كمثل الفرق بين الذّوائب
وإلا كما شقّ الكنهور بارق
…
وإلا كمثل الصّبح بين الغياهب (3)
وللنّرجس النّضر اصفرار تخاله
…
كشمس أصيل بين بيض السحائب
وللياسمين الغضّ فى خضر بسطها
…
نثائر درّ أو سبائك ساكب
معطرة الأردان يفغم نفحها
…
يحيّيك عرف الطّيب من كل جانب (4)
فماؤها العذب ينساب بين خضرتها المائلة إلى السواد وكأنه فرق شعر فى أعلى ضفائر أو كأنه برق فى كنهور أو سحاب متراكم أو كأنه ضوء صبح يشق غياهب الليل وظلماته. ويقول إن النرجس النضر المصفر يتهدل بين الأزهار البيضاء كشمس أصيل تنسدل على الطبيعة من خلال سحب بيضاء، وزهر الياسمين يتناثر على بسطها وكأنه نثار درّ أو سبائك صانع حاذق، والحديقة جميعها معطرة الجوانب، ونفحها يحمل أفاويه ذكية، ويحييك شذا طيبها من كل منعطف وركن.
ويستمر أبو زكريا فى مثل هذا الوصف بقصيدته. وممن وصف جنات «توزر» وحدائقها شاعرها
(1) الأنموذج ص 281 والحلل السندسية 2/ 326.
(2)
المجمل فى تاريخ الأدب التونسى ص 189.
(3)
الكنهور: قطع السحاب الضخمة.
(4)
الأردان: الأكمام يريد أكمام الزهر، يفغم نفحها: تملأ المكان بأفاويه الطيب. عرف: شذا ورائحة.
أبو على بن إبراهيم، وسنفرده بكلمة. وبالقرب من توزر شطّ الجريد وبه سبخة إذا حاد سالكها عن طريقه غاص فى رمالها ولم ير له أثر، وتسمّى التاكمرت وماؤها ملح أجاج، وهواؤها شديد الحرارة ملئ بالرمال العاصفة، وقد وصفها ابن حسينة المتوفى حوالى سنة 740 هـ/1340 م قائلا (1):
قطعنا التاكمرت سرى وسرنا
…
صبيحة يومنا حتى الزّوال
فلا تسأل لما قاسيت فيه
…
من الأهوال والكرب الثّقال
فليل لا تسير به نجوم
…
كأن نيطت إلى بعض الجبال
وأرياح تصمّ الأذن منها
…
تهبّ عن اليمين مع الشمال
تصدّ عن الطريق القصد قصدى
…
وتضرب حرّ وجهى بالرّمال
ولا أسطيع فتح العين فيها
…
لبعض الأمر إلا باحتيال
يقول ابن حسينة إنه قطع التاكمرت فى ليلة وصبيحة يوم حتى الظهر وقد قاسى من الأهوال والكرب الثقيلة ما يعزّ وصفه، فالليل طويل حتى كأنما علقت نجومه ببعض الجبال فهى لا تتحرك، والرياح تهب ذات اليمين وذات الشمال محملة برمال تصكّ الآذان ضاربة الوجوه بحصبائها وملقية ستارة كثيفة على الأعين حتى لا يمكن فتحها إلا بضروب من الاحتيال.
ويقول محمد الظريف المتوفى سنة 787 هـ/1386 م فى وصف روض (2):
الروض أصبح يجلى فى غلائله
…
وأنشد الطير فوق الغصن وارتجلا
وألقت القضب من أوراقها بسطا
…
وألبس الرّوض من أنواره حللا
وقبّل الطّلّ خدّ الأرض فابتسمت
…
أزهارها فغدت تزهو بحسن حلى
والورد لما اعتلى من فوق وجنته
…
ماء الحياء بدا فى خدّه خجلا
فالروض يجلى فى أجمل ثيابه البديعة، والطير يتغنى فوق الغصون، وألقت الأغصان على الثرى بسطا خضراء من أوراقها، ولبس الروض حللا من أنواره وأزهاره وقبّل الطّل خدود الأغصان فابتسمت أزهارها وافتخرت بأجمل حلى، أما الورد فقد اعتلى فوق وجنته ماء الخفر، فبدت حمرة الخجل فى خدّه، ويقول الأمير محمد الرشيد الحسينى فى وصف الربيع (3):
قدم الرّبيع ووجهه يتهلّل
…
والطّلّ يلثم خدّه ويقبّل
فتدفقت أنهاره وتفتّقت
…
أزهاره والدّوح خود ترفل
(1) الحلل السندسية 2/ 392.
(2)
المجمل فى تاريخ الأدب التونسى ص 216.
(3)
المجمل فى تاريخ الأدب التونسى ص 238.
بقلائد موشّية بزبرجد
…
تيجانها بيد الرّذاذ تكلّل
والرّعد يضرب بالطبول وبرقها
…
كالشّمع تطفيه الرياح فيشعل
فالربيع وفد بوجهه المتهلل يعانق الطّلّ ويقبله مرارا وتكرارا، والأنهار تدفقت والأزهار تفتّحت والأشجار تتبختر بقلائد مزينة بزبرجد، بينما يتوّجها المطر بالأزهار، وكأنما الرعد يضرب بطبول ابتهاجا بالربيع، وأمامه شموع البرق فرحة به، وكلما أطفأتها الرياح عادت أكثر اشتعالا وأوفر ضياء.
وإذا تركنا الطبيعة الصامتة إلى الطبيعة الحية وجدنا الشاعر التونسى يكثر-كما أكثر سلفه المشرقى من قديم-من وصف الحمام والديكة والفرس، وينشد ابن رشيق فيها جميعا أشعارا كثيرة، من ذلك ما أنشده لعنترة التميمى الذى كان مفتونا بالحمام الداجن، وفى صفات أحدها يقول (1):
وأصفر فاقع لا عيب فيه
…
يفوت-إذا ونى-عصف الجنوب
كأن الشمس يوم الصّحو ألقت
…
عليه رداءها عند الغروب
وتنظر شخصه الألحاظ عشقا
…
كما نظر المحبّ إلى الحبيب
فهو أصفر فاقع لونه لا عيب فيه، يفوت الريح حين يطير حتى لتعجز عن مداه، وكأنما الشمس ألقت عليه رداء أصيلها الذهبى، وإنه ليفتن الأبصار حين تنظر إليه ويخلب لبها كما يخلب المحبوب لب محبّه. ويقول ابن الغطاس فى وصف طائفة من الحمام (2):
توسّدن مطوىّ الجناح كأنما
…
لهنّ حشايا فوقه ودرانك (3)
وملن على خضر الغصون كأنما
…
لهنّ على قضب الأراك أرائك (4)
ولا شدو إلا ما تصوغ لحونها
…
ولا دمع إلا من جفونى سافك
فقد اتخذن من أجنحتهن وسائد، وكأنها لهن كالحشايا والطنافس للإنسان، وقد اتخذن من غصون الأراك أرائك ومقاعد ينزلن عليها للراحة، وما أجمل شدوها وغناءها وما تصوغ منهما من لحون تثير فيه الشجن، وإن دموعه لتنزل مدرارا. ويلتفت عبد الرازق بن على النحوى إلى قمرىّ من الحمام على غصن شجرة ينوح فيخاطبه قائلا (5):
(1) الأنموذج ص 317.
(2)
الأنموذج ص 234.
(3)
درانك: بسط وطنافس.
(4)
الأراك: شجر. أرائك: مقاعد.
(5)
الأنموذج ص 156.
أقمرىّ أيك الجزع هل أنت جازع
…
وهل لك إلف نازح عنك نازع
وفى لحنك المسجوع فى رونق الضّحى
…
دليل أسى لو أنّ جفنك دامع
أثار كمين الشوق أنك صادح
…
وإن كان لا يدرى مرادك سامع
كأن نسيما للشّمال وللصّبا
…
نسيب الصّبا طيبا إذ الشّمل جامع
وإذ ليس سر للمسرّة ذائع
…
وليس ذمام بالمذمّة ضائع
وهو يخاطب قمرى أيك الجزع متعجبا ومتسائلا إذ يراه ينوح هل هو جزع لا يستطيع صبرا على فراق أليفته وصاحبته التى نزحت بعيدا عنه مثله، ويقول له إن فى نبرات صوتك أسى وحزنا عميقا وإن جفونه لا تريحه بدموع تخففه عنه، ويذكر أنه أثار فى نفسه بصراحة كوامن حبه ولواعجه، وإن كان أحد لا يدرى مقصدك من نواحك فقد استعدت لى ذكرى محببة، حتى كأنما تهب علىّ صبا كنسيب الصّبا طيبا حين كان الشمل ملتئما بالمحبوبة، ونعيش فى سرور دائم وعهد وثيق.
وسنخص عبد الواحد بن فتوح المتغنى بالديكة والحمام بكلمة. وأكثر شعراء القيروان وتونس من وصف الخيل وخاصة الفرس، إذ كانت أمتهما أمة حرب ونزال، ومن ذلك أن أبا الحسين الكاتب الذى مرت بنا مقطوعة له فى وصف أمواج البحر يصف فرسا أشقر له قائلا (1):
لى فرس قد حسنت حاله
…
واستكمل الإعجاب إكماله
أشقر كالتّبر جلا لونه
…
عن محضه بالسّبك صقّاله
كأنما البدر إذا ما بدا
…
غرّته والشمس سرباله
كأنّ فى حلقومه جلجلا
…
حرّكه للسّمع تصهاله
وهو فرس بلغ الغاية من الحسن حتى ليعجب به كل من يراه، فرس أشقر شقرة ناصعة، جلاه فيها صانعه أتمّ جلاء، وكأنما البدر غرته البيضاء المشرقة وكأن الشمس رداؤه الذهبى الدّرىّ، وكأن فى حلقومه جرسا ما يزال يرنّ بصهيله، ومع هذه الأبيات أبيات أخرى بديعة، ويعلق عليها جميعا ابن رشيق بقوله:«هذا شعر جمع شذور الحسن واشتمل على فنون الملاحة، حتى خلطت حقيقته بمجازه، وطوى إسهابه فى إيجازه، واشتبه حوكه بطرازه، ونهضت صدوره بأعجازه، وأما التجنيس والطباق، والمقابلة والاتفاق، فمن حلاه المشهورة، وصفاته المذكورة» .
وكان الخليفة الفاطمى بالقاهرة: نزار رأى أن يرسل إلى المنصور بن بلكين الصنهاجى واليه
(1) الأنموذج ص 361.
على الإقليم التونسى وإفريقية سنة 384 هدية سنية ومعها فيل وطائفة من الخيل وحمار مخطط بديع الشكل، فكان يخرج بها جميعا فى مواكبه، ومثله ابنه باديس، وحفيده المعز، ومنذ المنصور يتبارى الشعراء فى وصفها نافذين إلى تصاوير لها رائعة، من ذلك قول التونسى على بن يونس المتوفى سنة 410 فى قصيدة يمدح بها المنصور واصفا هدية نزار وما كان بها من الخيل والإبل والفيل (1):
جرد سبقن البرق غير حوافل
…
وجرين أبعد شأوه والأقربا
يرفلن فى حلل العراق وحليه
…
زهوا فتحسبهنّ روضا معشبا
ونجائب مثل السّفين ترى لها
…
تحت القباب تغطمطا وتغضبا (2)
يحملن من زىّ الملوك هوادجا
…
مثل القصور مفضّضا ومذهّبا
والفيل يخطر بينها وكأنّه
…
وكأنّها طود أناف على ربى
شرس إذا أحفظته سهل إذا
…
لا طفته صعب إذا ما صوعبا
وهو يقول عن الخيل إنها جرد قصيرة الشعر، وهى صفة من صفات الخيل الكريمة، ويقول إنها تسبق البرق غير حافلة به وتجرى شوطيه الأبعد والأقرب، وإنها لتتبختر فى سروج مزركشة ولجم محلاة بالجواهر، حتى لكأنك تنظر منها إلى روض زاه بأزهاره. ويصف الإبل بأنها كالسفن ضخامة، وإنك لترى لها تحت الهوادج هدير الغاضب وزمجرته، وإن هوادجها الضخمة لتزدان بفاخر الرياش المفضض والمذهب، والفيل يخطر متهاديا بين تلك الإبل والخيل وكأنه جبل أشرف على ربى وتلال، ويصفه بأنه شرس إذا أغضبته، سهل إذا لاطفته صعب إذا ما أثرته. وأهديت من السودان فى الجنوب زرافة إلى المعز بن باديس، فصورها شاعره ابن رشيق تصويرا بديعا فى قصيدة مديح له جاء فيها (3):
واتتك من كسب الملوك زرافة
…
شتّى الصّفات للونها أثناء (4)
تحتثّها بين الخوافق مشية
…
باد عليها الكبر والخيلاء
وتمدّ جيدا فى الهواء يزينها
…
فكأنّه تحت اللواء لواء
حطّت مآخرها وأشرف صدرها
…
حتى كأن وقوفها إقعاء (5)
وهو يقول للمعز أتتك زرافة ذات صفات شتى فى لونها انعطافات أو بقع كثيرة حمراء
(1) الأنموذج ص 300.
(2)
تغطمطا:
(3)
المجمل فى تاريخ الأدب التونسى ص 146.
(4)
أثناء: يريد أنها ثنائية اللون.
(5)
الإقعاء: جلوس الرجل على مؤخرته ونصب ساقيه وفخذيه.
وصفراء ودكناء ويميزها بين الخوافق أى الخيل المسرعة مشية خاصة يبدو عليها فيها الكبر والخيلاء والعجب الشديد، كما يميزها جيد طويل جدا ترفعه إلى أعلى، وكأنه لواءان ممتدان، وترى لطول يديها وقصر رجليها وإقبالها عليك بصدرها كأن وقوفها ضرب من الإقعاء أو الجلوس على المآخر مع نصب اليدين وهو تصوير بديع، ومثله تصويره لفحل الإوز، إذ يقول (1):
نظرت إلى فحل الإوزّ فخلته
…
من الثّقل فى وحل وما هو فى وحل
ينقّل رجليه على حين فترة
…
كمنتعل لا يحسن المشى فى النّعل
له عنق كالصّولجان ومحطم
…
حكى طرف العرجون من يانع النّخل (2)
يداخله زهو فيلحظ من عل
…
جوانبه ألحاظ متّهم العقل
وهو يجسّد ذكر الإوز فى مشيته المتثاقلة كأنه يخطو فى وحل، فينقّل رجليه، أو كأنه لابس نعلا لا يحسن المشى فيه. وبعد أن جسّد مشيته هذا التجسيد الرائع، أخذ يصور خلقته فله عنق طويلة طول عصا الملوك المسماة بالصولجان، وله محطم أو منقار معقوف كعرجون النّخل الذى يحمل شماريخه وتمره، ثم صوّر شموخه فى وقفته فقال: كأنما يداخله زهو فينظر من أعلى إلى جوانبه نظر المشدوه الذى يظنّ أنه متهم العقل لطول نظره وإمعانه فيه. وحرى بنا أن نلم ببعض شعراء الطبيعة ممن ذكرنا أننا سنخص كلا منهم بكلمة مع ترتيبهم ترتيبا تاريخيا وهم عبد الواحد بن فتوح وصّاف الديكة والحمام وابن أبى حديدة وصّاف السحب والنجوم وأبو على بن إبراهيم وصّاف البساتين.
عبد الواحد (3) بن فتوح الزّوّاق
نشأته ومرباه بتونس وبها تأدب، ثم استوطن القيروان، وانتظم فى سلك كتاب الدواوين، وفيه يقول ابن رشيق:«شاعر مفلق قوىّ أساس الشعر وأركانه وثيق دعائمه وبنيانه، كأنه أعرابى بدوى يركب ظهر الشعر ويخوض بحر الفكر، يتكلف بعض التكلف، وفى قصائده طول، ويعدّ من خيار طبقته» توفى سنة 447 هـ/1056 م. ومن شعره فى وصف الديك:
وهبّ للأطيار ذو خبرة
…
منه بما يعرف من خبرها
فنصّ جيدا ورقى منبرا
…
دار الذى عوّد من خدرها (4)
(1) مجمل تاريخ الأدب التونسى ص 147.
(2)
الصولجان: عصا الملك الرامزة لسلطانه: محطم: منقار. العرجون ما يحمل التمر. العذق.
(3)
انظر فى عبد الواحد بن فتوح الأنموذج ص 226 والمجمل فى تاريخ الأدب التونسى ص 135.
(4)
نصّ: رفع.
واستفتح الصوت بتصفيقه اس
…
تفتاح ذات الطّار فى شعرها (1)
فبلبل البلبل فى غصنه
…
وأرّق الورقاء فى وكرها (2)
كأنما توّج ياقوتة
…
واتخذ الشّنفين من شطرها (3)
كأنما يخطر فى حلّة
…
من عدنىّ الوشى لم يشرها
وهو يقول إن الديك هبّ للطير يريد أن ينافسه بما يعرف من خبره وتجربته فنصّ جيده ورفعه ورقى منبرا فى دار صاحبته وما عوّد من مسكنها، واستفتح الصوت بتصفيق جناحيه وتحريكهما كما تستفتح صاحبة الطار الضرب عليه تقدمة لما توقع عليه من أشعار. وما إن رفع الديك صوته وصياحه حتى اضطرب البلبل فى غصنه وألمت به الوساوس، وحتى أرّق الحمامة فى وكرها، لحسن ما يسمعان من صياحه، ويخيّل لمن يراه كأنما توّج ياقوتة ناصعة الاحمرار. وسقط منها لأذنيه قرطين بديعين، وإنه ليخطر ويتبختر فى حلة مزركشة كأنها صنعت من وشى عدن، غير أنه لم يشرها، إذ هى منحة إلهية منحها فى خلقه. ويقول فى وصف حمام:
يجتاب أردية السّحاب بخافق
…
كالبرق أومض فى السحاب فأبرقا
لو سابق الريح الجنوب لغاية
…
يوما لجاءك مثلها أو أسبقا
يستقرب الأرض البسيطة مذهبا
…
والأفق والسّقف الرفيعة مرتقى
ويظلّ يسترقى السماء بخافق
…
فى الجوّ تحسبه الشهاب المحرقا
يبدو فيعجب من يراه لحسنه
…
وتكاد آية عتقه أن تنطقا
مترقرق من حيث درت كأنما
…
لبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا
وهو يقول إن الحمام لا يزال يقطع بخافقه أو جناحه أردية السحاب رداء وراء رداء، وكأنه برق يومض ويبرق ويلمع للناظرين، ولو سابق الريح لغاية أو مقصد ما تأخر عنها بل ربما سبقها، وهو يعيش فى الأرض ويتخذها مسكنا ومأوى ومع ذلك يرتقى ويصعد إلى الآفاق والسقف العليا، ويظل مصعدا بجناحه فى السماء حتى ليظنّ أنه شهاب فيها سيسقط على الأرض، ويقترب ممن يراه فيعجب بحسنه وتكاد آية عتقه أن تنطق بجمال منظره، ويقول إنه مترقرق متلألئ أينما درت ببصرك حوله ظننت كأنما تدور حول زجاج درّىّ أو حول زئبق رجراج بهىّ. ويعلق ابن رشيق على هذه الأبيات بقوله:«لا أعرف أحدا وصف الحمام بمثل هذه الصفة» .
(1) تصفيفه: تحريك جناحيه.
(2)
بلبل حيّر.
(3)
الشنفين: القرطين.