الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن (1) حمديس
هو عبد الجبار بن حمديس، ولد بمدينة سرقوسة الواقعة شرقى صقلية سنة 447 هـ/1056 م لأسرة على شئ من الثراء والعلم والفضل، واختلف مثل لداته إلى الكتاب فحفظ القرآن الكريم، وتحوّل منه إلى حلقات الشيوخ، ونزعت به ميوله إلى الأدب والشعر، ولم تلبث موهبته الشعرية أن تفتحت، وتكونت له رفقة كانت تأخذ بنصيب غير قليل من اللهو والذهاب إلى الحانات والأديرة لشرب الخمر والمتاع بالغناء. وكانت بلرم قد سقطت فى يد روجار والنورمان، وبدا فى الأفق أنهم يتأهبون للاستيلاء على سرقوسة وغيرها من بلاد الجزيرة، وأخذ يعدّ نفسه-مثل أقرانه-للقائهم برا وبحرا، ونفاجأ به فى نحو الرابعة والعشرين من عمره يصرّ على أن يغادر بلده إلى الأندلس مارا بإفريقية وتميم بن المعز مرورا سريعا وربما كان السبب الحقيقى فى مغادرته بلده لا فرارا من معركة صقلية وسرقوسة مسقط رأسه ضد النورمان، ولكن طلبا للشهرة فى عالم شعرى مزدهر، يأمل أن يتحقق له فيه ما يتمناه لنفسه من مكانة أدبية مرموقة بين شعراء الأندلس الذين كانت أسماؤهم تدوّى فى العالم العربى، ولعله من أجل ذلك اختار النزول بأهم بيئة شعرية فى الأندلس، إذ كان بها أكبر راع للشعر بين أمراء الطوائف، ونقصد المعتمد بن عباد. وحط رحاله فى بلدته إشبيلية سنة 471 هـ/1078 م ولزم باب قصره فترة، وبعث إليه ببطاقة شعرية يقول فيها:
أيا مولى الصنع الجميل إذا انتشى
…
ويا مسدى النّيل الجزيل إذا صحا
وفى كل أرض من نداه حديقة
…
تضوّع مسكا نورها وتفتّحا (2)
أأفرد بالحرمان من كل عاطل
…
تطوّق من نعماك ثم توشّحا (3)
وما إن قرأ المعتمد البطاقة حتى أعجب به واستدعاه محتفلا باستقباله ومنحه جائزة سنية، وطلب إليه أن يظل فى حضرته، وظل بها يمدحه بقصائد طوال فى مناسبات مختلفة، وكانت إشبيلية فى عهد المعتمد تعيش عيشة لاهية فشارك فى هذه المعيشة وتمتع بمناظرها الطبيعية البديعة، وأتاه نعى أبيه فحزن لوفاته ورثاه بقصيدة باكية استهلها بقوله:
(1) انظر فى
ابن حمديس
، الخريدة 2/ 194 والذخيرة 4/ 320 وابن خلكان 3/ 212 والجزء الأول من عنوان الأريب لمحمد النيفر (طبع تونس) بتحقيقه وتقديمه له ودراسة الدكتور إحسان عباس فى كتابه العرب فى صقلية ص 235 وديوانه بتحقيقه وتقديمه له.
(2)
تضوع: ذكت رائحته
(3)
تطوق من الطوق وتوشح من الوشاح كناية عن إسباغ نعمه عليه
أتانى بدار النّوى نعيه
…
فيا روعة السمع بالداهيه
وكان يسمع أخبار مسقط رأسه سرقوسة ومقاومتها العنيفة للنورمان بقيادة بطلها ابن عباد فيهتز طربا ويكبر عنده الأمل فى ضرب النورمان الضربة القاضية، وبالمثل كانت تأتيه أخبار ابن حمودة فى قصريانة ومنازلته للنورمان منازلة ضارية، فيعظم عنده الأمل فى طرد النورمان من صقلية، ويرسل إلى قومه يحضهم على جهاد العدو الغاشم ويحثهم على منازلة العدو منازلة حاسمة، فلها عليهم جميعا حقوق، وواجب أن ينصروها ولا يخذلوها حتى الذّماء الأخير:
ولله أرض إن عدمتم هواءها
…
فأهواؤكم فى الأرض منثورة النظم
وعزّكم يفضى إلى الذلّ والنّوى
…
من البين ترمى الشمل منكم بما ترمى
أعن أرضكم يغنيكم أرض غيركم
…
وكم خالة جدّاء لم تغن عن أمّ (1)
تقيّد من القطر العزيز بموطن
…
ومت عند ربع من ربوعك أو رسم
وإياك يوما أن تجرّب غربة
…
فلن يستجيز العقل تجربة السّمّ
وهو ينصح الباقين بعده فى سرقوسة وغير سرقوسة أن لا يفكروا فى مبارحتها حتى لا يعدموا هواءها الذى يتنفسونه ويحيون به ولا عزّهم الذى يعيشون فيه وإلا تحولت حياتهم إلى ذل وهوان، وهل تغنى أرض عن أرض الوطن، ويهيب بكل صقلى مسلم أن يقيد نفسه بموطنه، وأن يظل يدافع عنه حتى يموت عند ربع من ربوعه أو عند رسم من رسومه، ويحذره من الهجرة عنه والإفضاء إلى غربة، هى سم قاتل. ويعتذر لنفسه مرارا عن مبارحته الوطن فى وقت محنته وأنه لا يستطيع العودة إليه، لما يغدق عليه المعتمد بن عباد من أفضال متصلة. وفى رأينا أن العائق الأهم عن عودته لوطنه إنما كان المجد الأدبى الذى أخذ شعره يحققه له فى الأندلس، وبذلك تحققت أمنيته الكبرى من مبارحة الوطن. وكأنما قيّده هذا المجد بإشبيلية فلا يستطيع منها خلاصا وحراكا. وتسقط فى أيدى النورمان سرقوسة مسقط رأسه سنة 482 وتسقط بعدها قصريانة سنة 484 ويتلاشى من نفسه ونفس كل صقلى الأمل فى استرداد صقلية، وينظم قصيدة جنائزية يودعها بها قائلا:
أعاذل دعنى أطلق العبرة التى
…
عدمت لها من أجمل الصبر حابسا
لقدّرت أرضى أن تعود لقومها
…
فساءت ظنونى ثم أصبحت يائسا
وكيف وقد سيمت هوانا وصيّرت
…
مساجدها أيدى النصارى كنائسا
إذا شاءت الرهبان بالضّرب أنطقت
…
مع الصبح والإمساء فيها النّواقسا
(1) جداء: قليلة اللبن.
أرى بلدى قد سامه الروم ذلّة
…
وكان بقومى عزّه متقاعسا (1)
وكانت بلاد الكفر تلبس خوفه
…
فأضحى لذاك الخوف منهن لابسا
وهو يقول لصاحبه دعنى أذرف الدموع التى لم يعد لها حابس من الصبر، إذ ظل سنين طويلة يظن أن صقلية ستعود إلى أهلها، فخاب ظنه، بل لقد أصبح يائسا يأسا مرا، فقد صهلت خيل النورمان فى كل أنحائها، وسيمت هوانا ما بعده هوان، وأى هوان أعظم على نفس المسلم من أن يرى بلده تسقط فى حجر النصارى ويحيلوا مساجدها كنائس، ويضرب الرهبان فيها النواقيس صباح مساء، لقد سام الروم صقلية الإسلامية ذلة ما تماثلها ذلة، صقلية التى كانت تعتز بمسلميها عزة لا تدانيها عزة. وكان النورمان فى جنوبى إيطاليا إذا سمعوا اسمها ارتعدت فرائصهم خوفا ورعبا، فإذا الأمر ينعكس ويصبحون هم مصدر الخوف لأهل صقلية الإسلامية.
ويفيض ابن حمديس فى الحديث عن بأس أهل صقلية المهيضة وجهادهم اليائس حين كانوا يسوقون أمامهم فرائس قلوريّة وبطارقتها وأشاوسها أسارى منكّسين ومعهم نساؤهم حواسر.
وليتأنّ الجيش النورمانى فى خطوه، فإنه يمشى فى بلاد تحت أرضها شجعانها الذين طالما أذلوا أهل قلورية، ولو شقت القبور عنهم لخرج إليهم منها أسد كاسرة غاضبة، غير أن الغيل غابت ليوثه فتبخترت فى أرجائه الذئاب.
ويحدث عقب ذلك أن يخلع يوسف بن تاشفين المعتمد بن عباد سنة 485 من إمارته فى إشبيلية وينفيه إلى أغمات فى مراكش ونرى ابن حمديس يزوره بها ويحاول أن يخفف عنه ما دهاه، منشدا ردا على شعر كتب به إليه مستيئسا:
أتياس فى يوم يناقض أمسه
…
وزهر الدّرارى فى البروج تدور (2)
ولما رحلتم بالنّدى فى أكفّكم
…
وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لسانى بالقيامة قد دنت
…
فهذى الجبال الراسيات تسير
ورضوى جبل بالمدينة، وثبير: جبل بمكة، وهو يقول له ينبغى أن لا تيأس من أن يتغير الحال، فالكواكب الساطعة لا تثبت بل تدور فى بروج متعددة، ولما رحلتم بالجود الفياض فى أكفكم وكأنما تحرك جبلا المدينة ومكة المقدسان صحت إن القيامة قد دنت فها هى الجبال الراسيات تسير كما جاء فى الذكر الحكيم نعتا ليوم البعث.
ويتصل بأبى القاسم بن عشرة قاضى «سلا» على المحيط ويتجه إلى بجاية بالجزائر ويمدح المنصور بن الناصر بن علنّاس (483 - 498 هـ) ويولى وجهه نحو المهدية وتميم بن المعز بن
(1) متقاعسا: متخلفا.
(2)
الدرارى: الكواكب.
باديس ويلقاه لقاء حسنا، ويظل يتردد بين البلدتين ويضفى مدائحه على يحيى بن تميم بن المعز وابنه من بعده على وحفيده من بعدهما الحسن ويكتظ الديوان بمديحهم جميعا، ويمدح بنى خراسان فى تونس ويظل يتردد على بجاية يمدح بعض رجالاتها من بنى حماد. ومنذ أن هاجر من صقلية لم ينسها يوما وظلت لا تبرح ذاكرته حتى أنفاسه الأخيرة، ويخصّها بعد سقوطها بأشعار مؤثرة يبكيها ويبكى أيام مجدها، من ذلك قصيدة بائية فى مديح تميم بن المعز وفيها يقول:
تدرّعت صبرى جنّة للنوائب
…
فإن لم تسالم يا زمان فحارب
وهو إنما يتدرع صبره ويحتمى به استسلاما، فإن الزمان أدار معه معركة حامية الوطيس فقد فيها كثيرا من أهله وحماة بلده، بل لقد فقد بلده نفسها غير مبق له على أى شئ، إلا أن يتنقل فى صحارى إفريقيا وسهوبها ولا أليف ولا أنيس:
ولا سكن إلا مناجاة فكرة
…
كأنى بها مستحضر كلّ غائب
ولما رأيت الناس يرهب شرّهم
…
تجنّبتهم واخترت وحدة راهب
وحتى خيال كنت أحظى بوصله
…
له فى الكرى عن مضجعى صدّ عاتب
فهل حال من شكلى عليه-فلم يزر-
…
قضافة جسمى وابيضاض ذوائبى (1)
فلم يعد له سكن يسكن إليه إلا أن يناجى فكره مستحضرا ما غاب عنه خاليا بنفسه ومعتزلا للناس، بل لكأن كل شئ من حوله يعتزله حتى الطيف الذى كان يسعده وصله فى نومه وأحلامه انقطع عن مضجعه صادّا عنه لا يزوره، فهل تغير شكله عليه وما حدث له من نحافة جسمه وابيضاض شعره، فلم يعد يعرفه ولم يعد يلقاه، ويذكر إخوان الصفاء وليالى الأنس بصقلية. وكان يتمنى لو استطاع الرجوع، غير أنها أصبحت مسترقة للأعداء:
ولو أن أرضى حرّة لأتيتها
…
بعزم يعدّ السّير ضربة لازب
ولكنّ أرضى كيف لى بفكاكها
…
من الأسر فى أيدى العلوج الغواصب
لئن ظفرت تلك الكلاب بأكلها
…
فبعد سكون للعروق الضوارب (2)
فعائقه إلى أرضه أنها استعبدت وأصبحت ملكا لغير أهلها، بل لقد أسرت ووضعت الأغلال فى أيديها وأرجلها، ولم تعد تستطيع خلاصا ولا فكاكا ولا تحررا، وقد ظفرت بها كلاب الأعداء تنهشها بعد جهاد أهلها لهم جهادا عنيفا، ويمر بفتنتهم قبل غزو النورمان مرورا خاطفا ويفيض
(1) قضافة: نحافة.
(2)
كنى ابن حمديس بسكون العروق الضوارب عن همود مقاومة أهل صقلية بعد الجهاد العنيف.
فى الحديث عن بطولتهم فى حروب الروم وكيف كانوا يموتون موت البسلاء الشجعان:
يموتون موت العزّ فى حومة الوغى
…
إذا مات أهل الجبن بين الكواعب (1)
حشوا من عجاجات الجهاد وسائدا
…
أعدّت لهم فى الدّفن تحت المناكب (2)
فغاروا أفول الشهب فى حفر البلى
…
وأبقوا على الدنيا سواد الغياهب (3)
لقد أبلوا بلاء عظيما فى حرب الروم قديما بقلوريّة وحديثا بصقلية، وما منهم إلا من يقدم نفسه فداء لوطنه، وما منهم إلا من واقع الروم مرارا وتكرارا حتى اجتمعت له وسادة من غبار وقائعه أعدّت له ليتوسدها فى قبره، وما زالت بهم البطولة المتناهية حتى أفلوا-أفول النجوم- فى حفر البلى مخلّفين وراءهم على آفاق الدنيا سواد حزن وثكل لا يشبهه سواد. ويلتفت إلى داره الغريقة بنوطس وسرقوسة، ويستودعها الله ويستمطر لها السحاب الممطر، ويهتف:
ألا فى ضمان الله دار بنوطس
…
ودرّت عليها معصرات الهواضب (4)
أمثّلها فى خاطرى كلّ ساعة
…
وأمرى لها قطر الدموع السواكب (5)
أحنّ حنين النّيب للموطن الذى
…
مغانى غوانيه إلىّ جواذبى (6)
وهى تمثل له ليل نهار وصباح مساء فى خواطره، بل إنها لتمثل له كل ساعة وكل لحظة، ويذرف لها الدموع السواكب مدرارا، ويحن-حنين الإبل-للموطن الذى نبتت فيه، وإن مغانيه ومنازله لتجذبه إليها جذبا، وكأنما أودعها فؤاده ويريد أن يستردّه، حتى لا يحيا جسمه بدونه ودون خفقاته. وله فى صقلية قصيدة ثانية هائية يستهلها بقوله:
قضت فى الصّبا النفس أوطارها
…
وأبلغها الشيب إنذارها (7)
وهى أشبه بشريط لذكريات صباه وشبابه فى سرقوسة، ويذكر مجالس لهوه بها ويتذكر ليلة ساهرة والندامى من حوله وساقية تزرّر بكفّها أزرارها:
تدير بياقوتة درّة
…
فتغمس فى مائها نارها
ويشربها رفاقه، ويمعنون فى الشرب، ويذهبون إلى دير، يحتسون الخمر، ويطيل فى وصف
(1) حومة الوغى: أشد موضع فى الحرب.
(2)
عجاجات جمع عجاج: غبار.
(3)
الغياهب جمع غيهب: الظلام الشديد.
(4)
المعصرات: السحب الممطرة والهواب: السحب يدوم مطرها أياما ولا يقلع.
(5)
أمرى: أسكب وأذرف.
(6)
النيب: النوق. مغانى: منازل.
(7)
أوطارها جمع وطر: البغية والحاجة.
مجلس الطرب، ويذكر ما فيه من الغناء والرقص والشموع المتقدة قائلا:
لقد سكّنت حركات الأسى
…
قيان تحرّك أوتارها
فهذى تعانق عودا لها
…
وتلك تقبّل مزمارها
وراقصة لقطت رجلها
…
حساب يد نقرت طارها
وقضب من الشمع مصفرة
…
تريك من النار نوّارها
كأنّا نسلّط آجالها
…
عليها فتمحق أعمارها
وإن للغناء هناك من القيان لنشوة تسكن حركات الأسى فى النفس أو تارها بما تصب فى الآذان من نغم بديع، والعود مسند إلى صدر قينة كأنه يعانقها، وقينة أخرى كأنها تقبّل مزمارها، وراقصة كأنما تلقط قدمها نقر صاحبتها بيدها على طارها، متفننة فى حركاتها، والشموع متقدة طول هذا المجلس اللاهى، وكأنما آجالها تنقص أعمارها تدريجا حتى تنمحق. وينتهى شريط الذكريات ويحنّ إلى صقلية مستودع صباه وشبابه وليالى أنسه ومرحه، ويهتف.
ذكرت صقلّيّة والأسى
…
يهيّج للنفس تذكارها
ومنزلة للتصابى خلت
…
وكان بنو اللهو عمّارها
فإن كنت أخرجت من جنّة
…
فإنى أحدّث أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكا
…
لخلت دموعى أنهارها
وهو يذكر صقلية ومنازل صابيه وشبابه فيها والحزن يقطّع نياط قلبه عليها حسرة ولوعة، ويقول إنها لجنة عظيمة أخرجت منها، وحرى بى أن أحدّث أخبارها وأبكيها بدموع غزار، ويذكر أنه سيبكيها عشرات السنين بأنهار من الدموع لا تتوقف سيولها. ولعلها توقفت قليلا حين أبهجه انتصار جيش الحسن بن على بن يحيى بن تميم سنة 517 هـ/1137 م على جيش الملك روجار الثانى فى وقعة الديماس بمنتصف الطريق بين المنستير والمهدية على الساحل التونسى، وكان روجار يبغى الاستيلاء على المهدية، فردّ جيشه مدحورا إلى صقلية، وأشاد ابن حمديس بهذا الانتصار إشادة رائعة فى قصيدة له رائية يمدح بها الحسن بن على بن تميم مهنئا له بالنّصر على الأعداء من النورمان:
ليهنك فتح أولغ السيف فيهم
…
ولاح بوجه الدّين من ذكره بشر (1)
(1) أولغ السيف فيهم: جعله يلغ ويشرب من دمائهم.
ودون مرام الرّوم فيما سموا له
…
قلائد أعناق هى القضب البتر (1)
وكم من فريق منهم إذ تمزّقوا
…
له غرق فى زخرة الموج أو أسر
فسل عنهم الديماس تسمع حديثهم
…
فهم بالمواضى فى جزيرته جزر (2)
هناك شفى الإسلام منهم غليله
…
بطعن له بتر وضرب له هبر (3)
أعارب جدّوا فى جهاد أعاجم
…
خنازير شبّت حربها أسد هصر (4)
وهو يهنئه بهذا الانتصار المروّع الذى جعل السيوف تلغ فى دمائهم وتشرب منها مرتوية، وكأنما ابن حمديس نفسه هو الذى يشرب منها محاولا أن يشفى غليله من النورمان وقد استبشر وجه الدين بشرا لا يماثله بشر. ويقول إن فيما تطلعوا إليه من استيلائهم على الساحل التونسى قلائد من الرماح استأصلت أعناقهم وتمزقوا كل ممزق، ووقع منهم فريق فى قبضة الأسر وفريق غرق فى زخرة الموج، وسل عنهم حصن الديماس الكبير يجبك أن عيدا كبيرا نصب لنحرهم وذبحهم فى جزيرته بالسيوف المواضى، وهناك شفى الإسلام غليله وغيظه بطعن وضرب يقطّعان أجسادهم تقطيعا، ويحيّى الجيش الباسل إنه جيش أعارب صدقوا فى حملتهم العنيفة على الروم الخنازير، وإنها لحملة أسد افترستهم، أسد أعز الله بها الدين الحنيف. والقصيدة من أروع القصائد فى جهاد أعداء الإسلام وتدمير جيوشهم تدميرا لا يكاد يبقى منهم باقية.
ولم يلبث أن عاد إلى حزنه على وطنه الضائع، وعاد إلى شعوره بغربته، وهو شعور لازمه طول حياته، وطالما ردده فى قصائده وجاءه وهو فى سن الثمانين نعى ابنته، ولم تكن تظن أنه على قيد الحياة فبكاها بقوله:
أرانى غريبا قد بكيت غريبة
…
كلانا مشوق للمواطن والأهل
بكتنى وظنّت أننى متّ قبلها
…
فعشت وماتت-وهى محزونة-قبلى
واجتمع عليه حزنه فى فلذة كبده بحزنه فى وطنه أو فردوسه المفقود، ودار به العام فلبى نداء ربه سنة 527 هـ/1133 م فى بجاية، وما تعرف العربية شاعرا عاش يتفجع على وطنه ويحنّ إليه كما تعرف فى ابن حمديس، إذ كان يشعر شعورا عميقا بأنه كان كل شئ فى دنياه، بل كان فردوسه الذى أخرج منه كما أخرج أبوه آدم قديما من الفردوس، ويشعر كأنما أتى ذنبا كبيرا كذنب أبيه آدم، بل لكأنما غربته المستمرة وتطوافه فى الآفاق إصرار منه على ارتكاب هذا الذنب:
(1) القضب البتر: السيوف القاطعة.
(2)
المواضى: السيوف. جزر جمع جزور: الذبيح.
(3)
هبر: قطع، واستئصال.
(4)
هصر جمع هصور: مفترس.
ألم تر أنّا فى نوى مستمرّة
…
نروح ونغدو كالمصرّ على الذّنب
وديوان ابن حمديس ديوان ضخم وقد حققه تحقيقا دقيقا الدكتور إحسان عباس وهو يموج بقصائد المديح كما يموج بقصائد الغزل ووصف الطبيعة والخمر ومجالسها، وكأنما يريد أن يغرق فيها لوعاته على ضياع صقلية وظلت تشتعل فى دخائله إلى آخر أنفاسه، وللصيد أراجيز بديعة فى الديوان وبالمثل للرثاء وخاصة لمن فقدهم من أسرته وذوى رحمه، ونلمح من حين إلى آخر مقطوعات فى الزهد لعله نظمها بأخرة من حياته، وغرض وحيد من أغراض الشعر العربى لم ينظم فيه بيتا هو الهجاء، إذ كان يترفع عن الشتم والبذاءة، يقول:
إنّي امرؤ-وطباع الحق تعضدنى-
…
مطهّر العرض لا أدنو من الدّنس
فما أحرّك فى فكّىّ عن غضب
…
لسان منتهش الأعراض منتهس
فهو طاهر النفس يسمو عن كل دنس فضلا عن دنس الهجاء، وهو حليم لا يغضب غضبا يخرجه عن طوره، فينتهك أعراض الناس ويمضغ لحومهم موجدة وغلاّ، وليس ذلك عن ضعف فى شاعريته، بل هو العفو والصفح عن مقدرة، يقول:
إنّي امرؤ لا ترى لسانى
…
منظمّا ما حييت هجوا
كم شاتم لى عفوت عنه
…
مصمّما فى اللسان نهوا
لو شئت صيّرت بالقوافى
…
غارة هجوى عليه شعوا
ومزّق القول منه عرضا
…
لا يجد المدح فيه رفوا
فقد عاهد نفسه أن لا ينظم هجاء طوال حياته، وأن يعفو عمن يشتمه، ولو أراد لتتابعت على خصمه حملات شعواء من هجائه ولمزّق عرضه وهتكه هتكا لا يمكن أن يرفوه مديح أو يرتق فتوقه صنيع. وفى ذلك دلالة واضحة على نبل خلقه وسمو نفسه.
وكان خياله خصبا إلى أبعد حد مما جعله ينفذ إلى كثير من الصور المبتكرة الفريدة، وهى تلقانا فى جميع أغراض شعره مفاجئة لنا، مما يحدث تأثيرا بعيدا فى نفس قارئه كقوله فى الغزل:
زادت على كحل الجفون تكحّلا
…
فيسمّ نصل السّهم وهو قتول
والشعراء قبله كانوا يتحدثون عن سهام العيون وأنها قاتلة، وزاد ابن حمديس أن سهام عيون صاحبته أشد قتلا وفتكا بما أضافت إليها من تكحل جعلها سهاما مسمومة، ما إن تصيب شخصا حتى تفقده حياته، ويقول فى نهر لعله نهر إشبيلية مصورا خرير مياهه:
جريح بأطراف الحصا كلما جرى
…
عليها شكا أوجاعه بخريره
وهو خيال بديع، فأطراف الحصا كأنما تجرح النهر وكلما جرى عليها شكا جاعه بخريره، وكأنما هى أوجاع ابن حمديس لفراقه وطنه إلى الأبد، ومن تلك الصور الفريدة قوله فى البرد:
نشر الجوّ على الأرض برد
…
أىّ درّ لنحور لو جمد
وكأن السماء لا تمطر بردا وإنما تمطر دررا تطوّق عقودها جيد الطبيعة بلآلئها المتساقطة من أصداف السحب. ويطول بنا القول لو أردنا أن نعرض فرائد ابن حمديس ما يفجأ به قارئه من الصور والمعانى المبتكرة. وهو بحق يعد فى الذروة الرفيعة لا من شعراء صقلية وحدها، بل أيضا من شعراء العرب والأندلس قاطبة.