الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من كلّ أبلج آمر بلسانه
…
يضع السيوف مواضع التيجان
وأعجب المعز بالقصيدة، وشعر ابن رشيق باستحسانه لها، فحاول أن يتقرب منه بقصيدة لامية أكثر من القصيدة الأولى إبداعا وافتنانا، فقيّد فى ديوانه وأخذ الصلة منه، وحمل على مركب تمييزا له بين أقرانه، وفى مديحها يقول:
لدن الرماح لما تسقى أسنّتها
…
من مهجة القيل أو من مهجة البطل
لو أورقت من دم الأبطال سمرقنا
…
لأورقت عنده سمر القنا الذّبل
إذا توجّه فى أولى كتائبه
…
لم تفرق العين بين السّهل والجبل
فالجيش ينفض حوليه أسنّته
…
نفض العقاب جناحيها من البلل
فرماح المعز لدنة لما يسقيها من مهج الملوك والأبطال، ولو أن الرماح تورق من دم الأبطال لأورقت رماحه الدقيقة، وما أعظم كتائبه إنه حين يتوجه فى أولاها لا تستطيع التفرقة بين السهل والجبل وما يلبث ابن رشيق أن ينفذ إلى صورة بديعة، فالجيش ينفض من حول المعز أسنته نفض العقاب جناحيه من البلل ويقول ابن خلكان: هذا البيت من فرائده، وكان كثيرا ما ينفذ إلى مثل هذه الفرائد، فقد غاب المعز عن حضرته وكان العيد ماطرا، فأنشد:
تجهّم العيد وانهلّت بوادره
…
وكنت أعهد منه البشر والضحكا
كأنه جاء يطوى الأرض من بعد
…
شوقا إليك فلما لم يجدك بكى
وكان يعرف كيف ينفذ إلى هذه الصور البديعة، وبدعها إنما يرجع إلى ما تحمل من عنصر المفاجأة، ومن ذلك قوله فى تميم بن المعز:
أصحّ وأعلى ما سمعناه فى النّدى
…
من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا
…
عن البحر عن كفّ الأمير تميم
وقد ظل مع المعز يؤلّف كتبه الرائعة: العمدة وغيره، حتى إذا كانت الهجرة الهلالية وتراجع أمر المعز بكى القيروان طويلا، ورحل إلى جزيرة صقلية واستقرّ بمدينة مازر إلى أن وافاه أجله سنة 456 هـ/1064 م، وله فى بكاء القيروان وما صارت إليه أشعار كثيرة بديعة.
التراب (1) السوسى
هو من شعراء عصر الطوائف ومن أهل سوسة. الثغر المعروف على المتوسط إلى الجنوب
(1) انظر فى
التراب السوسى
الخريدة 1/ 130 والحلل السندسية 2/ 310.
الشرقى من تونس ومثلها مثل قابس دخلت فى حوزة العرب الهلالية بعد زحفتهم إلى الإقليم التونسى. وما زال يتوالى أمراء من عرب الهلالية منذ عهد تميم بن المعز، انتزعوها من أيدى الدولة الصنهاجية، وتملكها أخيرا جبارة بن كامل بن سرحان الهلالى الذى اشتهر بجوده، فأقبل عليه الشعراء يقدمون إليه مدائحهم وفى مقدمتهم شاعره التراب السوسى، وهو سوسى المولد والمربى والحياة والوفاة، وله فيه قصائد بديعة طوال إمارته لسوسه إلى أن استولى عليها روجار صاحب صقلية حين أخذ المهدية من يد الحسن بن على بن يحيى بن تميم الصنهاجى سنة 543 واستولى معها على بقية بلاد الساحل التونسى إلى أن خلص عبد المؤمن سوسة والمهدية وبلاد الساحل جميعا من أيدى النورمان النصارى سنة 555 ودخل جبارة فى طاعته. وللتراب السوسى قصيدة بديعة فى جبارة على نهج قصيدة مهيار الديلمى:(بكر العارض تحدوه النعامى) ومقدمتها لا تقل عنها وجدا واضطرام الحبّ شوقا وغراما، كما لا تقل عنها نسقا موسيقيا بديعا، وفى مديحه لجبارة يقول:
مقبل القلب على سبل الهدى
…
معرض عن كلّ ما جرّ الأثاما
ليس يدرى ما المزامير ولا
…
يسمع الصّنج ولا ذاق المداما (1)
وإذا استصرخته فى حادث
…
فعلى الحادث جرّدت حساما
بيته كعبة بشر نصبت
…
تفصم الغمّ عن الناس انفصاما
لذوى الحاج زحام حولها
…
زحمة الحجاج قد زاروا المقاما (2)
وجبارة، -فى الأبيات-يقبل على طرق الهدى ويعرض عن كل ما يجر إثما، كما يعرض عن كل لهو من مزامير وخمر وضرب للصنج، وإنه ليغيثك غوث السيف القاطع فى أى حادث يعتريك. وما يلبث التراب السوسى أن ينفذ إلى صورة بديعة، فبيت جبارة كأنه كعبة تفصم الغم عن قاصديه من ذوى الحاجات. ويتخيل أنهم يزدحمون حول منزله ازدحام الحجاج حول الكعبة، وله فى جبارة قصيدة ثانية وقف فيها طويلا عند أطلال صاحبته وتحدث عن أيامها الخوالى ومن كان بها من الغانيات الفاتنات وأطال فى وصفهن، وخرج إلى مديح جبارة بمثل قوله:
جبارة ابن كامل
…
كهف النّدى والكرم
العارض الذى إذا
…
أخلف صوب الدّيم
سرت سحاب جوده
…
من غيثه المنسجم
وأمطرت من الحيا
…
نهرا لكل معدم (3)
(1) المدام: الخمر.
(2)
المقام: مقام إبراهيم فى الكعبة.
(3)
الحيا: الغيث.