المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ باب في القدر - تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم - جـ ٣

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب العتاق

- ‌ في المكاتَب يؤدِّي بعض كتابته فيعجِز أو يموت

- ‌ باب فيمن أعتق نصيبًا له من مملوك

- ‌ باب من ذكر السعاية في هذا الحديث

- ‌ باب فيمن روى أنه لا يُستَسعى

- ‌ باب فيمن ملك ذا رحم مَحْرَم منه

- ‌ باب عتق أمهات الأولاد

- ‌ باب فيمن أعتق عبدًا له مال

- ‌ باب أي الرقاب أفضل

- ‌كتاب الحمّام

- ‌ باب التعرِّي

- ‌كتاب اللباس

- ‌ ما جاء في الأقبية

- ‌ باب في الحُمرة

- ‌ باب ما جاء في إسبال الإزار

- ‌ باب من روى أن لا يُنتفع من الميتة بإهاب

- ‌كتاب الترجّل

- ‌ باب في إصلاح الشعر

- ‌ باب ما جاء في خضاب السواد

- ‌كتاب الخاتم

- ‌ باب ما جاء في ترك الخاتم

- ‌ باب في الذهب للنساء

- ‌كتاب الفتن

- ‌ ذكر الفتن ودلائلها

- ‌كتاب المهدي

- ‌كتاب الحدود

- ‌ باب في المحاربة

- ‌ باب في الحد يُشفَع فيه

- ‌ باب إذا سرق مرارًا

- ‌ باب الرجم

- ‌ باب في المرأة التي أُمِر برجمها من جُهَينة

- ‌ باب الرجل يزني بمحارمه

- ‌كتاب الديات

- ‌ باب ترك القَوَد بالقسامة

- ‌قاعدة الشرع: أن اليمين تكون في جَنْبةِ أقوى المتداعِيَين

- ‌ باب لا يُقاد المسلم بالكافر

- ‌ باب القصاص من اللطمة

- ‌ باب عفو النساء

- ‌ باب الدية كم هي

- ‌ باب في دية الذمي

- ‌ باب لا يُقتصَّ من الجرح قبل الاندمال

- ‌ باب من اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم

- ‌كتاب السنة

- ‌ باب افتراق الأمة بعد نبيها

- ‌ باب النهي عن الجدال

- ‌ باب في الخلفاء

- ‌ باب في فضل الصحابة

- ‌ باب في التخيير بين الأنبياء

- ‌ باب في رد الإرجاء

- ‌ باب في القدَر

- ‌ باب في ذَراريِّ المشركين

- ‌ باب في الرد على الجهمية

- ‌ باب في الرؤية

- ‌ باب في القرآن

- ‌ باب في الشفاعة

- ‌ باب الحوض

- ‌ باب في المسألة وعذاب القبر

- ‌ باب الميزان

- ‌ باب في قتال الخوارج

- ‌كتاب الأدب

- ‌ باب في الحلم وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ باب في حسن الخلق

- ‌ باب في الرجل يقوم للرجل عن مجلسه

- ‌ باب الهدي في الكلام

- ‌ باب في تنزيل الناس منازلهم

- ‌ باب كفارة المجلس

- ‌ باب الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى

- ‌ باب مَن ردّ عن مسلم غيبة

- ‌ باب النهي عن سب الموتى

- ‌ باب الحسد

- ‌ باب اللعن

- ‌ باب في تغيير الأسماء

- ‌ باب في حفظ المنطق

- ‌ باب صلاة العَتَمة

- ‌ باب من الرخصة في ذلك

- ‌ باب في المزاح

- ‌ باب ما جاء في الشِّعر

- ‌ باب الرؤيا

- ‌ باب ما جاء في تشميت العاطس

- ‌ بابٌ كم يشمَّت العاطس

- ‌ باب فيمن عطس ولم يحمد الله

- ‌ باب ما يقول إذا أصبح وأمسى

- ‌ باب في الصبي يولد فيؤذَّن في أذنه

- ‌ في الوسوسة

- ‌ في التفاخر بالأحساب

- ‌ باب إخبار الرجل بمحبته

- ‌ باب في برّ الوالدين

- ‌ باب فضل من عال يتيمًا وحق الجار

- ‌ باب في حق المملوك

- ‌ باب في إفشاء السلام

- ‌ باب السلام على أهل الذمة

- ‌ باب في المصافحة

- ‌ باب ما جاء في القيام

- ‌ في قُبلة [اليد]

- ‌ باب جعلني الله فداك

- ‌ في الرجل يقوم للرجل

- ‌ باب في قتل الأوزاغ

الفصل: ‌ باب في القدر

7 -

‌ باب في القدَر

554/ 4526 - عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«القدرية مجوس هذه الأمة: إنْ مَرِضُوا فلا تَعُودوهم، وإن مَاتوا فلا تَشهَدوهم»

(1)

.

هذا منقطع، أبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر. وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس فيها شيء يثبت

(2)

.

555/ 4527 - وعن عُمَر مولى غُفْرَةَ، عن رجل من الأنصار، عن حُذيفة ــ وهو ابن اليَمان رضي الله عنه ــ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكلِّ أمةٍ مجوسٌ، ومجوسُ هذه الأمةِ: الذين يقولون لا قَدَرَ، مَن مات منهم فلا تَشهدوا جنازته، ومَن مرض منهم فلا تَعودوهم، وهُم شِيعةُ الدَّجَّال، وحَقٌّ على الله أن يُلحِقهم بالدَّجال»

(3)

.

فيه مجهول، وعمر هذا لا يُحتجّ به

(4)

.

قال ابن القيم رحمه الله: هذا المعنى قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، وحذيفة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ورافع بن خديج.

(1)

«سنن أبي داود» (4691).

(2)

أي مرفوعًا، وإلا فقد صحّ عن ابن عمر موقوفًا. أخرجه عبد الله في «السنة» (935)، واللالكائي (1292)، والبيهقي في «القضاء والقدر» (410) وصحّحه. وانظر:«العلل» للدارقطني (2983) و «العلل المتناهية» (1/ 144 - 146).

(3)

«سنن أبي داود» (4692).

(4)

انظر: «مسند البزار» (2937)، و «العلل المتناهية» (1/ 151).

ص: 186

فأما حديث ابن عمر وحذيفة، فلهما طرق وقد ضُعِّفَت.

وأما حديث ابن عباس، فرواه الترمذي

(1)

من حديث القاسم

(2)

بن حبيب وعلي بن نزار، عن نزار، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: القدرية والمرجئة» . قال هذا حديث غريب.

ورواه

(3)

من حديث محمد بن بشر: حدثنا سلَّام بن أبي عمرة

(4)

، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما حديث جابر، فرواه ابن ماجه في «سننه»

(5)

عن محمد بن

(1)

برقم (2149)، وأخرجه ابن ماجه (62)، وابن عدي في «الكامل» (5/ 194)، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 152) وقال:«هذا حديث لا يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ونزار، وعلي بن نزار، والقاسم بن حبيب، وسلَّام= كلهم ليس بشيء» .

(2)

في الأصل و (هـ): «الحسن» خطأ، والتصويب من مصادر التخريج.

(3)

أي الترمذي عقب الإسناد السابق. وأخرجه أيضًا ابن حبان في «المجروحين» (1/ 433)، وابن عدي في «الكامل» (3/ 309)، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 152).

إسناده واهٍ؛ سلام بن أبي عمرة قال ابن معين: حديثه ليس بشيء، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره.

(4)

في الأصل و (هـ): «عمرو» ، تصحيف.

(5)

برقم (92)، وأخرجه أيضًا الطبراني في «المعجم الصغير» (615)، وقال:«لم يروه عن الأوزاعي إلا بقية، تفرد به ابن مصفّى» . وقد عدّ الذهبي هذا الحديث من مناكير بقية في «الميزان» (1/ 336)، على أن ابن المصفّى أيضًا متكلّم فيه، وقد حدّث ببعض المناكير، واتّهمه أبو زرعة الدمشقي بأنه يدلّس تدليس التسوية.

ص: 187

المُصفَّى: حدثنا بقية، عن الأوزاعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر يرفعه، نحو حديث ابن عمر. فلو قال بقية:«حدثنا الأوزاعي» مشى حال الحديث، ولكن عنعنه مع كثرة تدليسه.

وأما حديث أبي هريرة: فرواه

(1)

عبد الأعلى بن حماد: حدثنا معتمر بن سليمان: سمعتُ أبي يحدث عن مكحول، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره.

رواه عن عبد الأعلى جماعة

(2)

. وله علتان:

إحداهما: أن المعتمر بن سليمان رواه عن أبي الحُرّ

(3)

: حدثني جعفر بن الحارث، عن يزيد بن ميسرة، عن عطاء الخراساني، عن مكحول، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

(4)

.

(1)

الأصل: «فروى» ، والمثبت من (هـ).

(2)

رواه عن عبد الأعلى الفِريابيُّ في «القدر» (233)، ثم عنه الآجري (2/ 806).

(3)

هكذا في الأصل، وهو كذلك في مخطوطة «السنة» لابن أبي عاصم، و «القدر» للفريابي، وفي موضع من «الإبانة الكبرى». وفي الموضع الثاني وبقية المصادر:«أبو الحسن» . ثم إنه قد سمِّي في بعض الروايات «زيادًا» ، وفي بعضها «عليًّا» ، ووصف في بعضها بأنه رجل من أهل واسط، فاستظهر الطبراني أنه علي بن عاصم الواسطي، وأغرب ابن عدي فرأى أنه يزيد بن هارون الواسطي وأن معتمرًا أخطأ في كنيته، فإنها «أبو خالد» .

(4)

أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (351)، والفارابي في «القدر» (235) ــ وعنه الآجري (2/ 807) ــ، والطبراني في «مسند الشاميين» (2438، 3464)، وابن عدي في «الكامل» (2/ 137)، وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (1631، 1633)، من طرق عن المعتمر به.

والإسناد ضعيف لضعف جعفر بن الحارث الواسطي، ولجهالة الراوي عنه، مع الانقطاع بين مكحول وأبي هريرة.

ص: 188

والعلة الثانية: أن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة

(1)

.

وأما حديث عبد الله بن عمرو، فيرويه عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز، عن يحيى بن القاسم، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرٍو يرفعه:«ما هلكتْ أمة قط إلا بالشرك بالله عز وجل، وما أشركت قط إلا كان بَدْءُ إشراكها التكذيب بالقدر»

(2)

. وهذا الإسناد لا يحتج به.

وأجود ما في الباب حديث حيوة بن شريح: أخبرني أبو

(3)

صخر، حدثني نافع، أن ابن عمر جاءه رجل فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام، فقال: إنه قد بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تُقرِئْه مني السلام، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«يكون في هذه الأمة ــ أو أمتي (الشك منه) ــ خسف، ومسخ أو قذف في أهل القدر»

(4)

. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.

(1)

انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 212)، و «علل الدارقطني» (1576). على أنه قد روي الحديث متصلًا من طريق مكحول عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة، أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (566)، وابن عدي في «الكامل» (6/ 316)، ولكنه واهٍ، في إسناده مسلمة بن علي الخُشني، متروك منكر الحديث.

(2)

أخرجه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (1/ 252)، وابن أبي عاصم في «السنة» (331)، والآجري (2/ 809)، واللالكائي (1114)، كلهم من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن عمر بن يزيد النَّصْري، عن عمرو بن مهاجر به. إسناده ضعيف، عمر بن يزيد النَّصْري متكلم فيه، وقد أُنكر عليه هذا الحديث، ثم إن يحيى بن القاسم وأباه مجهولان. انظر:«ميزان الاعتدال» (3/ 232)، و «الضعيفة» (3398).

(3)

في الأصل: «ابن» ، والتصحيح من «جامع الترمذي» وكتب الرجال.

(4)

أخرجه الترمذي (2152) وصححه، وابن ماجه (4061)، والبزار (5953).

في إسناده أبو صخر حميد بن زياد المدني، مختلف فيه، وقد تفرّد به عن نافع، وليس يُحتَمل مِن مثله التفرّد بمثل هذا، ولذا عدّه ابن عدي ممّا أُنكِر عليه مع حديث آخر، ثم قال: وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيمًا.

تنبيه: الكلام إنما هو على القَدْر المرفوع، وأما براءة ابن عمر من أهل القدر فثابتة من غير وجه، وسيأتي في حديث جبريل الآتي.

ص: 189

والذي صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ذمهم من طوائف أهل البدع: الخوارج، فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح، لأن مقالتهم حدثت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكلَّمَه رئيسُهم

(1)

.

وأما الإرجاء، والرفض، والقدر، والتجهم، والحلول، وغيرها من البدع، فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة

(2)

.

وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة فأنكرها من كان منهم حيًّا، كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأمثالهما

(3)

. وأكثر ما يجيء من ذمهم فإنما هو موقوف على الصحابة قولهم فيه.

ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار

(1)

هو ذو الخويصرة التميمي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم مالًا: اتَّقِ الله واعدِلْ! أخرجه البخاري (3344، 3610، 4351، 6163) ومسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(2)

كذا، ولعله سبق قلم، والصواب:«عصر النبي صلى الله عليه وسلم» ، إذ سيأتي أن بدعة القدر أدركت عصر الصحابة.

(3)

أخرجه عن ابن عباس وابن عمر: عبد الله في «السنة» (898 - 903)، وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (1720 - 1762) من وجوه صحاح وحسان، وأما عن غيرهما فأخرجه ابن بطة (1763 - 1769) عن عبد الله بن عمرو، وشداد بن أوس، وأبي سعيد الخدري، وفي أسانيدها مقال.

ص: 190

التابعين الذين أدركوها كما حكيناه عنهم.

ثم حدثت بدعة التجهُّم بعد انقراض عصر التابعين، واستفحل أمرها، واستطار شَرارها في زمن الأئمة كالإمام أحمد وذويه.

ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول، وظهر أمرها في زمن الحلّاج

(1)

.

وكلما ظهرت

(2)

بدعة من هذه البدع وغيرها أقام الله لها مِن حزبه وجنده من يردها ويُحذِّر المسلمين منها نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله [ق 237] ولأهل الإسلام، وجعله ميزانًا ومحكًّا يعرف به حزب رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي سُنّته مِن حزب البدعة وناصرها. وقد جاء في أثر لا يحضرني إسناده:«إن لله عند كل بدعة يُكاد بها الإسلام وليًّا ينطق بعلاماته، فاغتنموا تلك المجالس، وتوكلوا على الله، فإن الرحمة تنزل عليهم»

(3)

.

(1)

وذلك في المائة الرابعة، فإن الحسين بن منصور الحلّاج قُتِل على الزندقة سنة 309. انظر:«تاريخ بغداد» (8/ 688 - 720)، و «السِّيَر» (14/ 313 - 354)، و «لسان الميزان» (3/ 211 - 212).

(2)

ط. الفقي: «أظهر الشيطان» خلافًا للأصل.

(3)

أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (4/ 32)، وأبو نعيم في «الحلية» (10/ 400)، والهروي في «ذم الكلام» (675)، كلهم من طريق أبي الصلت عبد السلام بن صالح، عن عباد بن العوام، عن عبد الغفّار المدني، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، عبد السلام بن صالح ضعيف له مناكير، وعبد الغفّار المدني مجهول إلا إذا كان هو ابن القاسم الأنصاري المتّهم بالوضع. انظر:«ميزان الاعتدال» (2/ 640)، و «الضعيفة» (869).

وأخرجه ابن وضاح القرطبي في «البدع والنهي عنها» (ص 4) عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وإسناده منقطع معضل.

ص: 191

نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يُلحِقنا بهم، وأن يجعلنا لهم خلفًا، كما جعلهم لنا سلفًا، بمنه وكرمه.

556/ 4530 - وعن يحيى بن يَعْمَر قال: كان أولَ من تكلَّم في القدر بالبصرة مَعبدٌ الجُهَنيُّ، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري حاجَّيْن أو مُعْتَمرين، فقلنا: لو لَقِينا أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناهُ عَمَّا يقول هؤلاء في القدر؟ فوفَّقَ الله لنا عبد الله بن عمر داخلًا في المسجد، فاكْتَنَفْتُه أنا وصاحبي، فظننتُ أنَّ صاحبي سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظَهَر قِبَلَنا ناسٌ يقرأون القرآن ويتقَفَّرون العلم

(1)

، يزعمون أن لا قَدَر والأمرَ أنُفٌ، فقال: إذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أنِّي بَريءٌ منهم، وهم بُرآءُ مِنِّي، والذي يَحْلِف به عبد الله بن عمر لو أنَّ لأحَدِهم مثلَ أحُدٍ ذهبًا فأنفقه ما قَبِلَهُ الله منه حتى يُؤمن بالقدَرِ، ثم قال: حَدَّثني عمر بن الخطاب، قال: بَيْنا نحنُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طَلَع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثيابِ شديدُ سوادِ الشَّعَر، لا يُرَى عليه أثَرُ السَّفر ولا يَعرفُه منا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسْنَدَ رُكبتيه إلى رُكبتيه ووضع كَفّيه على فَخِذَيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الإسلام: أن تشهدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضان، وتَحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلًا» .

قال: صدقتَ، قال: فَعجِبنا له يسألُه ويُصَدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمنَ بالله وملائكته

(1)

«يتقفّرون» هكذا في مطبوعة «المختصر» ومخطوطته بتقديم القاف، أي يطلبون العلم ويتتبعونه، يقال:«قفر الأثر، واقتفره، وتقفّره» إذا اقتفاه وتتبّعه. وفي بعض نسخ «السنن» و «صحيح مسلم» : «يتفقّرون» بتقديم الفاء، أي يتعمّقون فيه ويستخرجون غامضه، مِن قولهم:«فَقَر البئرَ» إذا حفرها لاستخراج مائها، و «الفُقرة»: الحفرة في الأرض. انظر: «شرح مسلم» للنووي (1/ 155)، و «عون المعبود» (12/ 301)، و «تاج العروس» (قفر، فقر).

ص: 192

وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر خيرِه وشَرِّه». قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تراه فإنه يراك» . قال: فأخبرني عن الساعة، قال:«ما المسؤول عنها بأعلَمَ من السائل» . قال: فأخبرني عن أمارَتها، قال:«أن تلدَ الأمةُ رَبَّتَها، وأن تَرَى الحُفاةَ العُراة العالةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتطاوَلُون في البنيان» . قال: ثم انطلقَ، فلَبِثْتُ مَليًّا، ثم قال:«يا عمر، تَدري مَن السائلُ؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال:«فإنه جبريلُ أتاكم يُعَلِّمُكم دينَكم» .

وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه

(1)

.

557/ 4531 - وعن يحيى بن يَعْمَر وحُميد بن عبد الرحمن، قالا: لقينا عبد الله بن عمر فذكرنا له القَدَر، وما يقولون فيه ــ فذكر نحوه، زاد ــ قال: وسأله رجلٌ من مُزَينة أو جُهَينة، فقال: يا رسول الله، فيما نعملُ: أفي شيء قد خلا أو مضَى، أو شيءٍ يُستأنف الآن؟ قال:«في شيء قد خلا ومضَى» ، فقال الرجل أو بعضُ القوم: ففيمَ العمل؟ قال: «إنَّ أهلَ الجنةِ يُيَسَّرون لعملِ أهلِ الجنة، وإنَّ أهل النار يُيَسَّرون لعمل أهل النار»

(2)

.

558/ 4532 - وعن ابن يعمر بهذا الحديث يزيد وينقص، قال:«فما الإسلام؟ قال: إقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحَجُّ البيتِ، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة» .

قال أبو داود: علقمة مُرْجِئ. هذا آخر كلامه.

(1)

أبو داود (4695)، ومسلم (8)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990)، وابن ماجه (63).

(2)

«سنن أبي داود» (4696). وأخرجه أيضًا الفريابي في «القدر» (212)، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 383 - 384) وصححه، والضياء في «المختارة» (1/ 328 - 329).

ص: 193

وعلقمة هذا هو راوي هذا الحديث، وهو علقمة بن مَرثَد الحضرمي الكوفي. وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه.

قال ابن القيم رحمه الله: ورواه أبو جعفر العقيلي

(1)

من طريقه، وقال فيه: فما شرائع الإسلام؟ قال: «تقيم الصلاة

» الحديث. وتابعه على هذا اللفظ مرجئ آخر، وهو جراح بن الضحاك، قاله العقيلي

(2)

. وهذه زيادة مرجئ تفرد بها عن الثقات الأئمة فلا تقبل.

ورواه ابن حبان في «صحيحه»

(3)

من حديث سليمان التيمي، عن

(1)

في «الضعفاء» (3/ 460) من طريق عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن علقمة بن مرثد به.

(2)

هذا الاختصار من المؤلف يوهم أن جرّاح بن الضحاك تابع علقمة بن مرثد، وليس كذلك، وإنما اختُلف على علقمة في هذا الحديث، فرواه سفيان الثوري عنه بلفظ:«فما الإسلام؟» كما سبق في حديث الباب، وخالفه ابن أبي رَوَّاد وجرّاح ــ وهو مرجئ ــ فرواه عن علقمة بلفظ:«فما شرائع الإسلام؟» ، وهذا اللفظ أوفق لاعتقاد المرجئة حيث لم يُذكر فيه الشهادتين وجُعلت المباني شرائعَ للإسلام، لا أنها هي الإسلام نفسه فينتفي بانتفائها.

وأخرج العقيلي هذا الحديث في ترجمة ابن أبي روَّاد بعد أن ذكر طعن الأئمة فيه بالإرجاء، ثم قال:«وتابعه على هذه اللفظة أبو حنيفة وجرّاح بن الضحّاك، وهؤلاء مرجئة» . وذكر مسلم في «التمييز» (ص 156) راويًا رابعًا ــ وهو سعيد بن سنان الكوفي ــ تابع هؤلاء المرجئة على زيادة هذه اللفظة، وطعَن مسلم في رواية جميعهم لمخالفتها رواية سفيان الثوري وعطاء بن السائب عن علقمة بلفظ:«ما الإسلام؟» . ولكن ظاهر كلام أبي داود الذي تقدّم: «وعلقمة مرجئ» يقتضي أنه جعل الحمل على علقمة نفسه في هذا الاختلاف عنه، فلعله رواه مرة بذكر الشرائع ومرة دونها، وهو الأشبه، فإنه يَبعد أن يكون توارَد كلُّ هؤلاء المرجئة ــ وأكثرهم صدوق ــ على زيادة نفس اللفظة دون أن يكونوا سمعوها من علقمة. والله أعلم.

(3)

برقم (173)، عن شيخه ابن خزيمة، وهو أول حديث في «صحيحه» . وقد أخرجه مسلم (8/ 4) في المتابعات من هذا الطريق، ولكن لم يسُق لفظه بل اكتفى بقوله:«بنحو حديثهم» .

ص: 194

يحيى بن يعمر، فذكر فيه ألفاظًا لم يذكرها غيره، فقال في الإسلام: «وتحج، وتعتمر وتغتسل من

(1)

الجنابة وأن تتم الوضوء»، وقال فيه: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: «نعم» وقال في الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان

» وذكر البعث والقدر، ثم قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: «نعم» ، وقال في الإحسان: وإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: «نعم» ، وقال في آخره:«هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه» .

قال أبو حاتم: تفرد سليمان التيمي بهذه الألفاظ.

559/ 4544 - وعن عبد الله بن مسعود، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ وهو الصادق المصدوق ــ: «إنَّ خلق أحدِكم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغَةً مثل ذلك، ثم يُبعَث إليه مَلَكٌ فيؤمَر بأربع كلمات: فيَكتب رزقَه وأجله وعمله، ثم يكتب شَقِيٌ أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإنَّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ــ أو قِيدُ ذراع ــ فيَسبِقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخلُها، وإنَّ أحدَكم ليعملُ بعمل أهلِ النار حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراع ــ أو قِيدُ ذراعٍ ــ فيسبق عليه الكتاب فيعملُ بعملِ أهل الجنة فيدخلها» .

وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه

(2)

.

(1)

في الأصل: «عن» ، تصحيف.

(2)

أبو داود (4708)، والبخاري (3332)، ومسلم (2643)، والترمذي (2137)، وابن ماجه (76).

ص: 195

560/ 4545 - وعن عمران بن حُصين قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أَعُلِمَ أهلُ الجنة من أهلِ النار؟ قال:«نعم» ، قال: ففيمَ يعملُ العاملون؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له» .

وأخرجاه

(1)

.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى مسلم في «صحيحه»

(2)

عن حذيفة بن أُسَيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الملَكُ على النطفة بعد ما تستقرُّ في الرحم بأربعين ــ أو خمس وأربعين ــ ليلةً فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟ فَيُكتَبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيُكتَبان، ويُكتَب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تُطْوى

(3)

الصحف، فلا يُزاد فيها ولا يُنقَص».

وفي «الصحيحين»

(4)

عن أنس بن مالك ــ ورفع الحديث ــ قال: «إن الله قد وكَّل بالرحِم ملَكًا، فيقول: أَيْ ربِّ نطفة، أَيْ رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال الملك: أي ربِّ ذكر أو

(5)

أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه».

وهذا مثل حديث ابن مسعود أن كتابة الأجل والشقاوة والسعادة والرزق في الطَّور الرابع. وحديث حذيفة بن أسيد يدل على أن الكتابة في

(1)

أبو داود (4709)، والبخاري (7551)، ومسلم (2649).

(2)

برقم (2644).

(3)

ط. الفقي: «تكتب» ، خطأ.

(4)

البخاري (6595) ومسلم (2646).

(5)

الأصل: «أم» ، والمثبت من (هـ) موافق للفظ مسلم.

ص: 196

الطور الأول. وقد روي حديث حذيفة بلفظ آخرَ يتبين المراد منه وأن

(1)

الحديثين واحد، وأنهما متصادقان لا متعارضان. فروى مسلم في «صحيحه»

(2)

عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره» ، فأتى رجلًا

(3)

من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن

(4)

أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال: وكيف يشقى بغير عمل؟ فقال الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملَك، ثم يقول: يا رب، أجله؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملَك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أُمِر ولا يَنقص» .

وفي لفظ آخر عنه

(5)

: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُذُنَيَّ هاتين يقول: «إن النطفة تقع في الرَّحِم أربعين ليلة، ثم يَتَصوَّر عليها الملك ــ قال زهير بن معاوية: حسبته قال: الذي يُخلِّقُها ــ فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب، أسوِيٌّ أو غير سوِيّ؟ فيجعله الله سوِيًّا، أو غير

(1)

(هـ): «بيَّن المراد منه بأن» .

(2)

برقم (2645/ 3).

(3)

في الطبعتين: «رجلٌ» ، خطأ.

(4)

الأصل: «بن أبي» ، خطأ.

(5)

عند مسلم (2645/ 4) أيضًا.

ص: 197

سوِيّ، ثم يقول: يا رب، ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله [اللهُ] شقيًا أو سعيدًا».

وفي لفظ آخر

(1)

: «أن ملكًا موكلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلُقَ شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة» ثم ذكر نحوه.

فدل حديث حذيفة على أن الكتابة المذكورة وقت تصويره وخَلْقِ جلده ولحمه وعظمه، وهذا مطابق لحديث ابن مسعود، فإن هذا التخليق هو في الطور الرابع، وفيه وقعت الكتابة.

فإن قيل: فما تصنع بالتوقيت فيه بأربعين ليلة؟

قلت: التوقيت فيه بيان أنها قبل ذلك لا يتعرّض لها، ولا يتعلّق بها تخليق ولا كتابة، فإذا بلغت الوقت المحدود وجاوزت الأربعين وقعت في أطوار التخليق طبقًا بعد طبق، ووقع حينئذ التقدير والكتابة، وحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد كونه مضغةً بعد الأربعين الثالثة، وحديث حذيفة فيه أن ذلك بعد الأربعين، ولم يُوقِّت البَعْديّة بل أطلقها، ووقّتها في حديث ابن مسعود. وقد ذكرنا أن حديث حذيفة دال أيضًا على ذلك.

ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن تكون الأربعون المذكورة في حديث [ق 238] حذيفة هي الأربعين الثالثة، وسمّي الحملُ فيها نطفة، إذ هي مبدؤه الأول. وفيه بعد، وألفاظ الحديث تأباه.

ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن التقدير والكتابة تقديران وكتابتان، فالأول منهما عند ابتداء تعلق التحويل والتخليق في النطفة وهو إذا مضى عليها

(1)

بالرقم السابق.

ص: 198

أربعون، ودخلت في طور العَلَقة، وهذا أول تخليقه. والتقدير الثاني والكتابة الثانية: إذا كَمُل تصويره وتخليقه، وتقدير أعضائه، وكونه ذكرًا أو أنثى في الخارج، فيُكتَب مع ذلك عَمَلُه ورزقه وأجله، وشقاوته وسعادته.

فلا تنافي بين الحديثين، والحمد لله رب العالمين، ويكون التقدير الأول تقديرًا لما يكون للنطفة بعد الأربعين، فيقدر معه السعادة والشقاوة، والرزق والعمل، والتقدير الثاني تقديرٌ

(1)

لما يكون للجنين بعد تصويره، فيقدّر معه ذلك ويكتب أيضًا، وهذا التقدير أخص من الأول

(2)

.

ونظير هذا: أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم يقدر ليلة القدر ما يكون من العام لمثله، وهذا أخص من التقدير العام، كما أن تقدير أمر النطفة وشأنِها يقع بعد تعلقها بالرحم، وقد قدّر أمرها قبل خلق السموات والأرض.

ونظير هذا: رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى، فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه:«شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»

(3)

، ويُعرَض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك في «صحيح مسلم»

(4)

، وعمل اليوم يُرفَع في آخره

(1)

كذا في الأصل، وفي الطبعتين بالنصب.

(2)

ذكر المؤلف هذا المعنى أيضًا في «طريق الهجرتين» (1/ 156 - 158)، و «شفاء العليل» (1/ 262 - 263) ط. الصميعي.

(3)

أخرجه أحمد (21753)، والنسائي (2357)، وابن أبي شيبة (9858) من حديث أسامة بن زيد. حسَّن إسناده البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (3/ 84)، واختاره الضياء (4/ 108 - 109).

(4)

برقم (2565/ 36) من حديث أبي هريرة.

ص: 199

قبل الليل، وعمل الليل في آخره قبل النهار

(1)

. فهذا الرفع في اليوم والليلة أخص من الرفع في العام، وإذا انقضى الأجل رفع عمل العمر كله، وطويت صحيفة العمل.

وهذه المسائل من أسرار مسائل القضاء والقدر. فصلوات الله وسلامه على هادي الأمة، وكاشفِ الغمة؛ الذي أوضح به المحجة، وأقام به الحجة؛ وأنار

(2)

به السبيل، وأوضح به الدليل. ولله درُّ القائل

(3)

:

أحيا القلوبَ محمدٌ لما أتى

ومضى فنابت بعده أنباؤه

(4)

كالوَرد رَاقَك ريحُه وشَمِيمُه

وإذا تولى ناب عندك ماؤه

(5)

وقد روى مسلم في «صحيحه»

(6)

عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» .

وفي «صحيحه»

(7)

أيضًا عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قلوب

(1)

كما ثبت من حديث أبي موسى عند مسلم (179).

(2)

(هـ): «أبان» .

(3)

«در» من (هـ). ولم أهتد إلى قائله.

(4)

«فنابت» في الطبعتين: «فناءت» خلافًا لرسم الأصل، وهو يعكس المراد. «أنباؤه» في ط. الفقي:«أمناؤه» خلافًا للأصل.

(5)

«وشميمه» في ط. الفقي: «فشممته» ، وط. المعارف:«وشممته» خلافًا للأصل. «عندك» في الأصل والطبعتين: «عنه» ، والمثبت يستقيم به الوزن.

(6)

برقم (2653).

(7)

برقم (2654).

ص: 200

بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يُصرِّفُه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللهم مصرِّفَ القلوب صرِّف قلوبَنا على طاعتك» .

وفي «صحيحه»

(1)

أيضًا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقَدَرٍ حتى العجزُ والكَيْس ــ أو الكيس والعجز ــ» .

وفي «الصحيحين»

(2)

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب على ابن آدم حظَّه مِن الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمنَّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يكذبه» .

وفي «صحيح البخاري»

(3)

عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما استخلف الله خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله» .

وفي «صحيح مسلم»

(4)

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القويّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرِص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تَعْجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن «لو» تفتح عملَ الشيطان».

(1)

برقم (2655).

(2)

البخاري (6243)، ومسلم (2657).

(3)

برقم (6611).

(4)

برقم (2664).

ص: 201

وفي «صحيحه»

(1)

أيضًا عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة: «اللهم متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية» ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يُعجَّل منها شيء قبل حِلِّه، ولا يؤخَّر منها شيء بعد حله، ولو سألتِ الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر كان خيرًا لك» .

وفي «سنن ابن ماجه»

(2)

من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن الشعبي قال: لما قدم عدي بن حاتم الكوفة أتيناه في نفر من فقهاء أهل الكوفة فقلنا له: حدِّثْنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عدي بن حاتم أسلِمْ تسلَم» ، قلت: وما الإسلام؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها، خيرِها وشرها، وحُلْوِها ومرها» .

وفي «سننه»

(3)

أيضًا من حديث مجاهد عن سُراقة بن جُعْشُم قال: قلت: يا رسول الله، أنعمل فيما جفَّ به القلم وجرت به المقادير، أم في أمر مستقبل؟ قال:«بل فيما جف به القلم وجرت به [ق 239] المقادير، وكلٌّ مُيسَّر لما خلق له» .

(1)

برقم (2663/ 33).

(2)

برقم (87)، وإسناده ضعيف جدًّا، فيه عبد الأعلى بن أبي المساور متروك منكر الحديث.

(3)

برقم (91)، وفي إسناده ضعف، ولكن صحّ عند مسلم (2648) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله

إلخ بنحوه.

ص: 202

وفي «صحيح البخاري»

(1)

عن الحسن قال: حدثنا عمرو بن تَغلِب قال: أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم مالٌ، فأعطى قومًا ومنع آخرين، فبلغه أنهم عَتَبوا، فقال:«إني أعطي الرجل وأَدَعُ الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي؛ أعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب» ، فقال عمرو: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حُمْرَ النعم.

وفي «الصحيحين»

(2)

حديث عمران بن حصين قال: إني عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: «اقبَلوا البشرى يا بني تميم» ، قالوا: بشَّرتَنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال:«اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم» ، قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقّه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبلَه، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذِّكْر كلَّ شيء

» الحديث.

وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشجِّ عبد القيس: «إن فيك لخَلَّتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأناة» ، قال: يا رسول الله، خلَّتين تخلّقتُ بهما، أم جُبِلت عليهما؟ قال:«بل جُبلتَ عليهما» . قال: الحمد لله الذي جبلني على خلَّتين يحبهما الله

(3)

.

(1)

برقم (923، 3145، 7535).

(2)

البخاري (7418)، ولم يُخرجه مسلم.

(3)

أخرجه مسلم (17/ 25) من حديث ابن عباس مختصرًا. وأخرجه أحمد (24009/ 54) وأبو داود (5225) بأتم منه بنحو اللفظ المذكور من حديث أم أبان هند بنت الوازع بن زارع عن أبيها ــ أو عن جدّها ــ وكان في وفد عبد القيس. وأخرجه ابن حبان (7203) من حديث الأشجّ نفسه. وكلا الإسنادين حسن في المتابعات.

ص: 203

وقال أبو هريرة: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «جفَّ القلم بما أنت لاقٍ» . رواه البخاري تعليقًا

(1)

.

وفي «صحيح مسلم»

(2)

عن طاوس قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقَدَر، حتى العجزُ والكيس، ــ أو الكيس والعجز ــ» .

وذكر البخاري

(3)

عن ابن عباس في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61]، قال:«سَبَقت لهم السعادة» .

وفي «الصحيحين»

(4)

عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يأتي ابنَ آدم النذرُ بشيءٍ لم يكن قد قدَّرْتُه، ولكن يُلقيه القَدَر، وقد قدرتُه له، أستخرجُ به من البخيل» .

(1)

في كتاب القدر، بابٌ: جفّ القلم على علم الله. وقد وصله البخاري في النكاح (5076) بأطول منه. وانظر: «تغليق التعليق» (4/ 396).

(2)

برقم (2655)، وقد تقدّم قريبًا.

(3)

في كتاب القدر، باب: جفّ القلم على علم الله، ووصله الطبري (17/ 72) من رواية علي بن أبي طلحة عنه.

(4)

البخاري (6609). ولم يخرجه مسلم من رواية همام بن منبّه، وإنما أخرجه (1640) من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، ومن رواية الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 204

وفي لفظ للبخاري

(1)

: «لا يأتي ابنَ آدم النذرُ بشيء لم يكن قُدِّر له، ولكن يلقيه النذر إلى القَدَر قد قُدِّر له

(2)

، فيَستخرِج الله به من البخيل، فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتي عليه من قبل».

وفي لفظ في «الصحيحين»

(3)

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «النذر لا يُقرِّب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيُخرَج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيلُ يريد أن يُخرج» .

هذه الأحاديث في النذر والقدر أدخلها البخاري في كتاب القدر، وهي إنما تدل على القَدَر الذي لا يتعلق بقدرة العبد ومشيئته، والكلام فيه إنما هو مع

(4)

غلاة القدرية المنكرين لتقدُّم العلم والكتاب.

وأما القدرية المنكرون لخلق الأفعال، فلا يُحتَجُّ عليهم بذلك، والله أعلم.

وقد نظرتُ في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية فإذا هي تقارب خمسمائة دليل، وإن قدر الله تعالى أفردت لها مصنّفًا مستقلًّا

(5)

، وبالله عز وجل التوفيق.

(1)

(6694) من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.

(2)

في الأصل: «قد قدرته» ، تصحيف.

(3)

حديث ابن عمر أخرجه البخاري (6608، 6692، 6693) ومسلم (1639)، ولكن اللفظ المذكور هو لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم (1640/ 7).

(4)

ط. الفقي: «من» خلافًا للأصل.

(5)

لعله كتاب «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل» ، فإن أدلة إثبات القدر منتشرة في مباحثه.

ص: 205