الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[1784] باب هل الدعاء قدح في الإيمان بالقدر
؟
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها لنا وبارك لنا، في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» .
[قال الإمام]:
[الجحفة]: موضع بينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل
…
قال الخطابي وغيره: «كان ساكنو الجحفة يهوداً في ذلك الوقت، ففيه دليل للدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والهلاك. وفيه الدعاء للمسلمين بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها، وكشف الضر والشدائد عنهم، وهذا مذهب العلماء كافة.
قال القاضي عياض: وهذا خلاف قول بعض المتصوفة أن الدعاء قدح في التوكل والرضا، وأنه ينبغي تركه! وخلاف قول المعتزلة أنه لا فائدة في الدعاء مع سبق القدر. ومذهب العلماء كافة أن الدعاء عبادة مستقلة، ولا يستجاب منه إلا ما سبق به القدر، والله أعلم.
"التعليق على الترغيب والترهيب"(2/ 513).
[1785] باب هل فُضَّل آدم على الملائكة بأنه حر مختار
؟
سؤال: [يقول بعضهم] إن الله أسجد الملائكة لآدم بما فضله الله عليهم بأنه حر مختار، فهل هذا القول صحيح؟
الشيخ: ليس بصحيح، ليس هناك تعليل لمثل هذا الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام أنه كان ذلك لأن الله خلق آدم مختاراً بشراً مختاراً،
ولا يجوز للمسلم أن يعلل حكماً شرعياً تعليلاً عقلياً ليس له على ذلك برهان من الله ورسوله.
والعلماء يقسمون الأوامر والعبادات الشرعية أو الأحكام الشرعية إلى قسمين اثنين:
القسم الأول: أنها أمور تعبدية محضة، ويكنون عنها بقولهم: إنها غير معقولة المعنى، وكثير من الأحكام الدينية والعبادات الشرعية تعبدية غير معقولة المعنى.
والقسم الآخر: يعبرون عنه: بأنها معقولة المعنى.
والبحث في هذا يتحمل الطول والبسط والشرح، ولعلنا تكلمنا في بعض مجالسنا عن ذلك بشيء من البيان والتفصيل.
والآن أقول: أمر الله عز وجل الملائكة بأن يسجدوا لآدم، ليس عندنا علة منصوصة في الشرع لماذا، جواب: لماذا أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم؟ لكن لا شك أن السجود من شخص إلى آخر يدل على فضيلة المسجود له، فيمكن أن يقال: بأن الأمر للملائكة بالسجود لآدم هو لبيان أن هذا الإنسان الذي خلق بشراً من طين يستحق أن يقدر وأن يعظم بتطبيق الأمر الإلهي في السجود له، فإذاً: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان كما يقال، أن السجود لشيء ما يدل على تعظيمه، هذا أمر لا خلاف فيه.
فبإمكاننا أن نعلل أمر الله للملائكة بالسجود: إنما هو تعظيم لآدم عليه السلام؛ لأنه أبو البشر، ولأن الملائكة لا تعرف هذا الجنس من البشر، وبخاصة أن الله عز وجل حكى عنهم حينما أمرهم بالسجود: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا
تَعْلَمُونَ} (البقرة:30)، ذكر المفسرون: بأن الله عز وجل كان خلق خلقاً آخر غير الإنس قبل خلق آدم وهم جن، ففسدوا في الأرض، فخشيت الملائكة أن يكون هذا الخلق الجديد من ذلك النوع القديم الذي أفسد في الأرض.
فالله عز وجل أمرهم ليسجدوا ليعرفوا أن هذا الإنسان الذي هو أبو البشر فيما سيأتي من الزمان يستحق مثل هذا التكريم الإلهي.
وقلت آنفاً: إن السجود لشيء ما يدل على التعظيم، وأن هذه حقيقة لا شك ولا ريب فيها، فبإمكاننا أن نعلل الأمر الإلهي بما لا شك فيه، أما أن نأتي بتعليل لا برهان لنا عليه أنه خلقه مختاراً، فهذا يحتاج إلى [دليل] وإن كان فعلاً البشر مختار؛ ولذلك قال تعالى:{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف:29)، ولكن هذا لا يعني أن الملائكة ليسوا مختارين، وإنما يعني: أن الملائكة مفطورون على طاعة الله عز وجل، كما قال تبارك وتعالى:{لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم:6).
فكون السجود للشيء يدل على إكرامه وتعظيمه، لدينا أشياء كثيرة وكثيرة جداً، منها: سجود إخوة ليوسف ويوسف لأبيه، كما جاء في سورة يوسف عليه السلام، ومنها: أن هذا السجود الذي بدئ بتشريعه في قصة الأمر من الله للملائكة بالسجود لآدم واستمر هذا الحكم يمشي حتى كان السجود يعتبر إكراماً في الشرائع السابقة، ومنها سجود إخوة يوسف عليه السلام، لكن هذا الإكرام الذي استمر إلى عهد الرسول عليه السلام نهى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عنه؛ لما فيه أولاً: من المبالغة في إكرام المسجود له، وثانياً: من باب سد الذريعة والإخلاص لله تعالى في عبادته.