الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما إذا تركها مؤمناً بها معترفاً بفرضيتها، ولكنه خالف أمر الله بها، كما خالف كثيرون من العصاة أوامر الله تبارك وتعالى، مثل الذين يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة، أو دون ذلك، والسارقون، والزُناة .. ونحو ذلك.
كل هؤلاء مخالفون لأوامر الله عز وجل، مع ذلك فالمسلمون لا يُكَفِّرونهم إلا إذا جحدوا شرعية ما هم مخالفون فيه.
فإذا كان تارك الصلاة جحد الصلاة، فهو كافرا بإجماع المسلمين.
أما إذا آمن بشرعيتها فهو مؤمن ولا يكفر، إلا في حالة واحدة، إذا عُرِض تارك الصلاة على النطع -أي: على السيف- وقال له الحاكم المسلم: إما أن تصلي وإلا قُتِلْتَ، فآثر القتل على الصلاة، في هذه الحالة يقتل ردة، ولا يدفن في مقابر المسلمين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
«الهدى والنور / 93/ 3.: 12: .. »
كلمة عمَّا يشترط للأخذ بالآثار تضمنت الكلام على حكم تارك الصلاة
مداخلة: بالنسبة للآثار الموقوفة على الصحابة، هل يُشْتَرط فيها ما يشترط للأحاديث المرفوعة مثلاً؛ حتى تتحقق صحتها؟ فقد قرأنا للبعض أنه يقول: إذا نُسِبت الأقوال إلى الصحابة وتداولها الفقهاء، فيكفي هذا عن دراسة إسنادها؟
الشيخ: هذا كلام لا يستقيم إطلاقاً، يكفي هذا عن دراسة الإسناد هل المقصود بأن ذلك يعني الصحة، أم المقصود بأنه ليس من الضروري أن نعرف ثبوت هذه الآثار، على طريقة معرفتنا لثبوت الأحاديث؟
فإن كان هذا الأمر الأول أم الأمر الثاني، لا شك أن الأمر لا يتطلب من العلماء علماء المسلمين، أن يعرفوا صِحَّة آثار الصحابة كما يجب ذلك عليهم أن يعرفوا صحة أحاديث الرسول عليه السلام.
ولكن هذا الإيجاز وحده في الحقيقة يُسَلَّم به إجمالاً، أما تفصيلاً فسأقول العكس تماماً.
إذا كان المقصود بالأثر هو الاحتجاج به؛ لنثبت به حكماً شرعياً، اتباعاً منا لذاك الصحابي وهدراً منا لاعتزازنا بعلمنا الشخصي، حينئذٍ لا بد من إثبات ذلك الأثر كما نُثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما إذا لم يكن المقصود إثبات حكم شرعي، فحينئذٍ شأن هذه الآثار شأن الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها، وإنما يُسْتَشْهَد بها ويُسْتَأْنس بها.
فلا يصح أن يقال مطلقاً: إن الآثار الواردة عن الصحابة يكفي أن العلماء ذكروها وساقوها مساق المُسَلَّمات.
فإننا نقول: هذا إن كان من باب الاستئناس والاستشهاد فهو مقبول، أما إذا كان من باب الاستدلال فليس مقبولاً، ولا بد من إثبات الصحة.
مثلاً: كثيراً ما تأتينا بعض المسائل، ما عندنا نص في الشرع، في السنة فضلاً عن الكتاب، لكن يأتينا رأي لبعض الصحابة، فهل يجوز لنا أن نتمسك بهذا الرأي ونتدين به، ولم نعرف أنه صَحَّ عن ذلك الصحابي؟
أظن أن الجواب عُرف مما سبق من التفصيل، لكني أجد نفسي مُلْزَماً بأن أضرب لكم مثلاً ..
معلوم لدى طلاب العلم: أن هناك أحاديث كثيرة وصحيحة، في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشُرْب قائماً، لكن ليس عندنا ولا حديث نهى الرسول عليه السلام عن الأكل قائماً.
فإذا وَرَدَنا سؤال: ما حكم الأكل قائماً، أهو كالشرب قائماً أم لا؟
الأصل فيه الإباحة على أساس الرجوع إلى هذه القاعدة، الأصل براءة الذمة، الأصل عدم التكليف وهكذا ..
فنجد جواباً عن مثل هذا السؤال حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب قائماً، فلما قيل له الأكل؟ قال: شر.
أنا مثلاً أطمئن إلى هذا الجواب من هذا الصحابي، لأسباب أهمها: أنه لا يوجد لدينا ما يُخَالف هذا الجواب من هذا الصحابي في الموقوف فضلاً عن المرفوع، وهذا صحابي عاش مع الرسول عليه السلام وخَدَمه، كما جاء عنه نفسه عشر سنين، فهو أعرف الناس، أو على الأصح تعبيراً: من أعرف الناس بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذاً: أنا أقول بقول أنس، لكن هل يجوز لي أن أقول بقول أنس، إذا لم أعرف ثبوت هذا القول عن أنس؟
الجواب لا، فإذاً في مثل هذه القضية لا بد أن يُعامل الأثر من حيث التَثَبُّت في صحته، كما نعامل الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا باب واسع جداً ومهم جداً، أي معرفة الآثار المروية عن الصحابة؛ هي إذا صَحَّت تُسَاعدنا أن نستقيم على الجادة في فهمنا للأحكام الشرعية، وبذلك نُصَدِّق دعوانا أننا على الكتاب والسنة وعلى ما كان عليه السلف الصالح.
فإذاً: يجب أن نعرف أن الذي كان عليه السلف الصالح في أيِّ شيء مما يُروى عنهم، أن يكون ثابتاً عنهم، وليس مجرد أن يُحْكَى في بعض الكتب.
وهذا نجده كثيراً وكثيراً جداً، حينما تُحكى المذاهب مثلاً في الموضوع الخطير الذي لا يزال بعض إخواننا المشائخ في نجد يُدَنْدِنُون ويُصَرِّحون بتكفير تارك الصلاة كسلاً وليس جحداً؛ لأن تارك الصلاة جحداً مفروغ منه، فهو كافر مرتد عن الدين.
أما تارك الصلاة كَسَلاً مع اعترافه بفرضيتها، فنجد عشرات النقول عن الصحابة والتابعين بأنهم كانوا يقولون إنه كافر، وحينما نجد بعض هذه الآثار على الأقل في كتب الآثار «كمصنف ابن أبي شيبة» و «مصنف عبد الرزاق» و «شرح
السنة للبغوي» ونحو ذلك من الكتب التي لها عناية خاصة برواية الآثار عن الصحابة بالأسانيد.
نجد هذه الآثار لا يصح منها الشيء الكثير، فحينئذ: ما قيمة هذه الآثار، إذا لم تكن صحيحة النسبة إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مثل هذه المسألة الخطيرة والتي نجد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ينافي منافاة تامَّة، تروى عن هؤلاء السلف من القول بأنهم كانوا يقولون: بأن تارك الصلاة كافر.
نحن نعلم من علم أصول الفقه أن النصوص الشرعية المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد تأتي أحياناً عامةً وتكون في واقعها مخصصة، وتأتي أحياناً مطلقة وتكون أحياناً مُقَيَّدة.
إذا كان هذا هو واقع الأحاديث النبوية، تُرَى ألا يجوز مثل ذلك أن يجري على الآثار السلفية، ذلك أولى وأولى.
فإذا لم يثبت شيء من هذه الآثار التي قد نحتاج إلى أن نقول إنها عامة، وبعمومها يمكن الاحتجاج على مثل ما نحن فيه الآن، على تكفير تارك الصلاة كسلاً.
كذلك إذا جاءت مطلقة، فَيُمكن أن يقال: إنها مقيدة، لكن إن لم تصح فقد استرحنا منها ولم نكن بحاجة إلى أن نقول: إنها يا أخي من العام المخصص أو من المطلق المقيد.
فأنا أقول: بأن هناك حديثاً في الصحيحين وغيرهما، أن حديث الشفاعة يوم القيامة يشمل حتى تارك الصلاة.
فإذاً: لا يصح أن نُطلق الآن وفي هذا الزمان الذي لا يفهم أحد من إطلاق كلمة كافر على مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، إلا أنه دخل في عموم قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] إذا كان هناك حديث الشفاعة في الصحيحين، يشمل حتى تارك الصلاة.
فإذاً: إن صح عن أحد من الصحابة القول بأنه كفر، فيجب علينا أن نفسره كما قال ابن عباس رضي الله عنه في تأويله لقوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] قال: «كفر دون كفر» {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ليس كفروا.
كلمة كَفَر ألطف من كافر؛ لأن كفر فعل ماض أي: صدر منه كفر، أما كافر فهو اسم فاعل، فإذا حاكم ما أو أمير ما عدل يوماً ما تقول عنه إنه عادل؛ لكون سائر حياته الظلم، وتستطيع أن تقول عنه إنه عَدَل والعكس بالعكس إذا كان عادلاً، لكنه في حكومة ما في قضية ما ظَلَم فتقول: إنه ظَلَم، فلا يجوز أن تقول عن الأول الظالم، والذي عَدَل مرة إنه عادل، كما أن العكس أيضاً لا يجوز، أي: الذي من عادته الظلم لكنه في حكومة ما .. في قضية ما .. عدل فنقول عنه عادل! لا، نقول بالنسبة لمن كان يعدل لكنه ظلم: ظلم، لا نقول: ظالم؛ لأنه ليس من صفته أنه يظلم، والعكس بالعكس كما تبين لكم.
فإذا كان ترجمان القرآن رضي الله عنه يفسر {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] بأنه كفر دون كفر.
فإذا جاء نص في الكتاب أو في السنة في جنس ما أو في شخص ما بأنه كفر، فيُمكن أن يكون من باب تفسير ابن عباس لقوله تعالى {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] أي: كُفر دون كُفر.
وإذا جاء الحديث، حديث الشفاعة في الصحيحين صريحاً في أن من كان تاركاً للصلاة، بل ومن لم يعمل خيراً قط يخرج من النار، فما ينبغي أن نقول عنه: إنه كافر بالمعنى الذي يتبادر إلى ذهن السامع، أي: إنه مخلد في النار.
هذه هي من شؤم أخذ الآثار التي تُروى عن السلف، دون بحث وتحقيق، وفي قضايا هامة جداً، كمثل تكفير المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله.
وهذه الشهادة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله نفعته
يوماً من دهره» أي: لم يخلد في النار.
وتأكد ذلك بالحديث السابق أن الله عز وجل يخرج بشفاعته عز وجل .. برحمته وهو أرحم الراحمين: «من لم يعمل خيراً قط» .
وقد جاءت هذه العبارة أو جاءت شفاعة رب العالمين، إذا صح هذا التعبير بالنسبة إليه في الصحيحين، كما أشرت آنفاً: بعد أن يُشَفِّع ربنا عز وجل المؤمنين الذين دخلوا الجنة مع السابقين الأولين فقالوا: «يا ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا، ويَحُجُّون معنا، ويُجاهدون معنا لا نراهم معنا .. أدخلتهم النار، فيقول الله عز وجل: أخرجوهم، فيخرجون كل من صار فحماً في النار إلا دائرة الوجه» حيث لا تمس النار وجه المصلي، فيعرفون المصلين من وجوههم.
وفي بعض الأحاديث الأخرى، وهذه مشهورة معروفة لديكم .. يعرفون من آثار السجود، فيُخْرجون خلقاً كثيراً من المصلين والصائمين والمجاهدين ونحوهم، يقولون:«يا ربنا! أخرجنا من أمرتنا، فيقول الله عز وجل: «أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان» فيُخرِجون خلقاً كثيراً، فيقولون: ربنا أَخْرِجنا من أمرتنا بإخراجه، فيقول الله عز وجل:«أخرجوا من كان في قلبه وزن نصف دينار .. » وأخيراً باختصار: «من كان في قلبه ذرة من إيمان» في كل مرة يُخْرِجون خلقاً كثيراً، يقول في الحديث.
الحمد لله، كل هذه الوجبات يخرجهم ربنا عز وجل بواسطة الشفعاء المؤمنين، الوجبة الأولى: المصلين، ترى الوجبة الثانية والثالثة: هؤلاء ليس فيهم المصلين؛ لأن تارك الصلاة لمجرد الترك لا يكفر كُفْراً يخرج به من الملة، ولا يَشْمَله قوله تعالى:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
ويؤكد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام بعد أن يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة، يقول الله:«شفعت الملائكة والأنبياء والمؤمنون، ولم يبق إلا شفاعة أرحم الرحمين» فيقول: «أخرجوا من لم يعمل خيراً قط» .