الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل حديث: «أفلح إن صدق» يستدل به على عدم وجوب أي صلاة سوى الصلوات الخمس
مداخلة: .. الفقهاء المفتين، يعني يستدلون بالحديث «أفلح إن صدق» في تجاوز كثير من الأحاديث التي فيها من الأوامر الشرعية والنبوية ما يوجب التطبيق، لأن الأصل في الأوامر الوجوب، فيستدلون على حديث «أفلح إن صدق» بالمندوبية، أو مندوبية ذلك الفعل، ولا شك أن كثيراً من العلماء من يرد على هذا الأمر بقوله أن هذا الذي أفلح إن صدق وقال له صلى الله عليه وسلم ذلك، إنه ما انتهى إليه من الأوامر، وكذلك بأن الدين قد اكتمل بأوامر أخرى، فيجب على من علمها أن يطبقها وتكون بحكم الواجب وليس بحكم المندوب كما ذهبوا، فماذا تُعلِّقون عليه؟
الشيخ: مثاله؟
مداخلة: مثلاً يا شيخ، السنة تحية المسجد، يقولون تحية المسجد عندما واحد يدخل مندوبة لأنها وإن وردت بصيغة الأمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد قال لهذا القائل الذي أتى بالفرائض المعلومة وهو لم يزد على ذلك .. وهكذا في مسائل أخرى لا أستطيع أن أحصرها الآن.
الشيخ: أنا لا أعتقد أن عالماً يقول ما نقلت آنفاً، من أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك السائل كل ما فرض الله عليه في تلك الجلسة، وحينئذ يبقى الاستدلال بهذا الحديث من أوهى الاستدلالات.
أما لو فرضنا العكس أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ما يجب وجوباً عينياً في حياة المسلم فنقول بالنسبة لهذا المثال بالذات وهو تحية المسجد، فتحية المسجد إنما تجب على من دخل المسجد أولاً، وليس على من دخل المُصَلَّى أو غيره من أمكنة الصلاة أولاً.
وثانياً: إنما تجب التحية ليس على من دخل المسجد فقط، وإنما وجلس فيه، فلو دخل ولم يجلس فليس عليه تحية، دخل وخرج، ليس عليه تحية، بغض النظر أن
الأمر هنا للوجوب وهذا يحتاج إلى بحث، لعلي أتعرض له لأنه في اعتقادي مهم جداً، بغض النظر أن هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب، فإنما هذا الأمر أُمر به من دخل المسجد ويريد الجلوس، أما إذا كان لا يريد الجلوس، فغير وارد عليه هذا الأمر؛ لأن للحديث روايتين اثنتين، الرواية الأولى:«إذا دخل أحدكم المسجد فليُصلِّ ركعتين ثم ليجلس» الرواية الأخرى: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» .
إذاً: إذا كان لا يريد الجلوس لأمر ما كهؤلاء العمال والذين يترددون إلى المسجد لأمر ما، وليس للجلوس فيه، فهؤلاء لا يَنْصَبُّ عليهم الأمر المذكور في الحديث، يؤكد هذا حديث أبي قتادة الأنصاري حينما دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وحوله بعض أصحابه فجلس، فقال له:«يا فلان أصليت ركعتين» ؟ قال: لا، قال:«قم فصَلِّ ركعتين» ثم قال عليه السلام الحديث المذكور آنفاً.
وقصة أبي قتادة هذه هي غير قصة سُلَيْك الغطفاني وقصة سليك التي سنذكرها تؤكد أن الأمر المذكور في حديث صلاة التحية في المسجد يؤكد أنه للوجوب وليس للاستحباب، ذلك لأن حديث سُلَيْك كما في صحيح البخاري ومسلم أنه دخل يوم جمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس، قال له عليه السلام:«يا فلان أصليت قبل أن تجلس» ؟ قال: «قم فصل ركعتين» ، ثم تَوَجَّه إلى عامة الجالسين في المسجد وقال:«إذا دخل أحدكم المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب فليصَلِّ ركعتين وليتجوز فيهما» . «فليصل لله ركعتين وليتجوز فيهما» .
هذا الحديث يؤكد أن تحية المسجد واجبة، ليس أمراً مستحباً فقط.
ووجه الاستدلال لهذا الحديث بأن نتذكر حديثاً آخر ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت» .
وكُل مُتَفَقِّه في الشرع يعلم أن قول القائل لمن يتكلم يوم الجمعة والخطيب يخطب «أنصت» إنما هو أمر بالمعروف، وأيضاً نعلم أن الأمر بالمعروف واجب، فإذا
علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط هذا الواجب وهو الأمر بالمعروف لأن الخطيب يخطب، وعلى العكس من ذلك لم يُسقط وجوب التحية والخطيب يخطب، كان هذا من القرائن القوية والقوية جداً على أن التحية لا تسقط ولا يجوز تركها بدعوى أنها مستحبة، لا، هذا شيء والشيء الآخر وهذا أمر هام أيضاً: أن التحية تُشْرع ويُؤْمر بها في كل الأوقات لا نستثني منها الأوقات المكروهة، ذلك لأن الصلاة المُطْلَقة صلاة النافلة والخطيب يوم الجمعة يخطب منهي عنها، فهو هذا الوقت ينبغي أن يُلْحَق بالأوقات الخمسة التي تفرع وقتان منها من الأوقات الثلاثة.
لكن الفقهاء جروا على أن يجعلوا الأوقات أوقاتاً خمسة بالنسبة لأنها تتعلق بأوقات الصلاة، لكن الحقيقة أنه ينبغي أن يلحق بهذه الأوقات من حيث عدم جواز النفل المطلق فيه ومن حيث جواز بل وجوب صلاة التحية فيه ينبغي أن يلحق والفقيه يخطب يوم الجمعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر كما سمعت في قصة سُليك الغطفاني أن يصلي ركعتين والخطيب يخطب، بينما نهى أن تقول لصاحبك أنصت، فهذا يؤكد أمرين اثنين الأمر الأول أن تحية المسجد واجبة ليست مستحبة فقط، ثم تصلى في الأوقات المكروهة.