الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أو حرام يقول: أفتوني وأرشدوني. فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجوابَ عما سئلوا عنه من العلم. فمَنْ فعل ذلك، كان آثِمًا مستحقًّا للوعيد والعقوبة. وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورةَ بالناس إلى معرفتها". (1)
ومعناه أن كتمانَ العلم المسؤول عنه حرام إذا كان يترتب على السؤال عملٌ فيما يجب اعتقاده أو ما يجب التعبد به، أو في الإقدام على عمل من الأعمال المكلَّف بها السائل. وحاصلُ كلامه تخصيصُ العموم الواقع في لفظ "علم" بالحالة التي يترتب على عدمِ الإجابة فيها إقدامٌ على حرام، بناءً على أن التعليم إنما هو وسيلةٌ للعمل، فلا يكون حكمُه إلا موافقًا لحكم المتوسَّل إليه؛ لأن الوسيلة تعطَى حكمَ المقصد.
هذا دليلُ تخصيصه من جهة النظر، ويدل لهذا التخصيص أيضًا من الأثر روايةُ ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري:"مَنْ كتم علمًا مما ينفع الله بِهِ فِي أمر النَّاس، أمر الدين" إلخ.
[مسائل في فقه الحديث]:
وقد عُرف من هذا كله أمورٌ أخرى:
1 -
منها ما قال فخرُ الدين الرازي في تفسيره: "إظهار العلم فرض على الكفاية لا على التعيين؛ لأنه إذا أظهره البعضُ صار بحيث يتمكن كلُّ أحد من الوصول إليه، فلم يبق مكتومًا، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على البقية إظهارُه مرة أخرى". (2) وقال ابن العربي في الأحكام: "إن كان هناك من يبلغ اكتُفِيَ به، وإن تعين عليه لزمه". (3)
(1) الخطابي البستي، أبو سليمان حمد بن محمد: معالم السنن شرح سنن أبي داود، نشرة بعناية عبد السلام عبد الشافي محمد (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1411/ 1991)، ج 2/ 4، ص 171.
(2)
الرازي: التفسير الكبير، ج 2/ 4، ص 148.
(3)
ابن العربي: أحكام القرآن، ج 1، ص 79.
2 -
ومنها أن يكون السائل أهلًا لاستفادة ما سأل عنه إذا كان المراد بالسؤال التعلم لقول علي رضي الله عنه: "حدثوا الناسَ بما يفهمون، أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسوله؟ "(1) وقد قيل: إن هذا الكلام يرفعه عليّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. (2)
وقال عبد الله بن مسعود: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنة". (3) فإن للمعلومات مراتب: منها ما تستطيع دركَه عقولُ الجميع، ومنها ما لا يفهمه إلا الخاصة.
قال الغزالي في الإحياء: "وسئل بعضُ العلماء عن شيء فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كتم علمًا نافعًا جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار"؟ فقال: اترك اللجام واذهب، فإن جاء مَنْ يفقهه وكلمته فليُلجمني، فقد قال تعالى:{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5]، تنبيهًا على أن حفظَ العلم ممن يفسده ويضره أوْلَى (من حفظ المال)، وليس الظلمُ في إعطاء غير المستحق بأقلَّ من الظلم في منع المستحق، (وأنشد):
أَأَنْثُرُ دُرًّا بَيْنَ سارِحَةِ النَّعَمْ
…
فَأُصبِحُ مَحْزُونًا بِرَاعِيَةِ الْغَنَمْ
لأَنَّهُمْ أَمْسَوْا بِجَهلٍ لِقَدْرِهِ
…
فَلَا أَنَا أُضْحِي أَنْ أُطَوِّقَهُ البُهُمْ
فَإِنْ لَطَفَ اللهُ اللَّطِيفُ بِلُطْفِهِ
…
وَصَادَفْتُ أهْلًا لِلْعُلُومِ وللْحِكَمْ
نَشَرْتُ مُفِيدًا وَاسْتَفَدْتُ مَوَدَّةً
…
وَإِلَّا فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ
(1) صحيح البخاري، "كتاب العلم"، الحديث 127، ص 27.
(2)
قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء للغزالي: "حديث: "كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ "، رواه البخاري موقوفًا على علي، ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم". إحياء علوم الدين، ج 1، ص 58.
(3)
صحيح مسلم، "المقدمة"، الحديث 5، ص 13 (وقد خرجه في "باب النهي عن الحديث بكل ما يسمع").
فَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ
…
وَمَنْ مَنَعَ المُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ". (1)
وهذا يقتضي أن يكون السائل معروفًا عند المسؤول ليتبين له حالُه من الأهلية لتلقِّي المسألة، ومن التنزه عن قصد الفتنة والتشغيب.
3 -
ومنها أن يكون العملُ بالمسؤول عنه متوقِّفًا على جواب المسؤول. فأما إذا فات العملُ أو تعذر التدارك، فلا يجب الجوابُ إذ لم يبق الجوابُ وسيلةً إلى حكم شرعي من وجوب أو تحريم.
ومثالُ ذلك ما وقع من المعتمد بن عباد ملك قرطبة وإشبيلية؛ فإنه أتاه سفير الذفنش ملك الجلالقة، فأغلظ السفير في كلامه مع المعتمد، فضرب المعتمدُ رأسَ السفير بمحبرة كانت بين يديه فقتله، ثم أحضر الفقهاء واستفتاهم في حكم قتل ذلك السفير وكان السفير يهوديًا. (2) فهذا الاستفتاء في غير محله؛ إذ كان عليه أن يستفتيَهم قبل أن يقتله.
4 -
ومنها أن يكون السائل طالبًا معرفةَ عمل يخصه، فأما إذا كان طالبًا معرفةَ عمل غيره فذلك من العلم النافلة الذي أشار إليه الخطابي. ومن الناس مَنْ يسأل عمَّا علِمَه غيرُه ليتطلب بذلك عثراتِه، أو للتشغيب عليه من التجسس المنهيِّ عنه شرعا.
5 -
ومنها أن يكونَ العلمُ المسؤولُ عنه معلومًا للمسؤول مأثورًا عنده، فإن كان المسؤول مجتهدًا فطريق علمه بالمسؤول عننه ظهور أدلته لديه، وإن كان مقلِّدًا فطريقُ علمه به أن يكون له به نقل عن أئمة المذهب الذي قلده، وبدون ذلك لا
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين، ج 1، ص 86. وحديث "من كتم علمًا" إسناده ضعيف، كما قال الحافظ العراقي في تخريجه في هامش الإحياء.
(2)
انظر في هذه الواقعة: الحجي، عبد الرحمن علي: التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة (دمشق: دار القلم، ط 2، 1429/ 2008)، ص 424 - 425.
يجب الجواب. دل على هذا ما ورد في حديث ابن ماجه عن أبي هريرة: "ما مِنْ رجلٍ يحفظ علمًا فيكتمه. . ." إلخ. (1) وقد سئل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة، فأجاب في ست وثلاثين منها: بلا أدري. (2)
وقال القرافي في الفرق الثامن والسبعين: "اعلم أن طالبَ العلم له أحوال: الحالة الأولى: أن يشتغل بمختصر من مختصرات الذهب فيه مطلقاتٌ مقيدة في غيره، وعموماتٌ مخصوصة في غيره. ومتى كان الكتابُ المعين حفظه وفهمه كذلك، أو جوز أن يكون كذلك، حرُم عليه أن يُفتي بما فيه وإن أجاده حفظًا وفهمًا، إلا في مسألة يقطع فيها أنها مستوْعَبةُ التقييد، وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان، وتكون هي عينَ الواقعة المسؤول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل هي حرفًا بحرف؛ لأنه قد يكون هناك فروقٌ تمنع من الإلحاق، أو تخصيص أو تقييد يمنع من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف. الحالة الثانية: أن يتسع تحصيله في المذهب، بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمبسوطات على تقييد المطلقات، وتخصيص العمومات، ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته في فروعه ضبطًا متقَنًا، بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشائخ، فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويحفظه في مذهبه اتباعًا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا. ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حفظه لا يُخَرِّجها على محفوظاته، ولا يقول: هذه تشبه المسألة الفلانية؛ لأن ذلك إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة. . . الحالة الثالثة: أن يصير طالبُ العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة، فهذا يجوز له أن يفتيَ في مذهبه نقلًا
(1) سبق تخريجه.
(2)
أورد القاضي عياض عن الهيثم بن جبيل قال: "شهدت مالكًا سئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين: لا أدري"، كما ذكر عن خالد بن خِراش أنه قال:"قدِمتُ من العراقَ على مالك بأربعين مسألة، فما أجابني إلا في خمس منها". ترتيب المدارك، ج 1، ص 146.
وتخريجًا، ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك". هذا حاصل كلامه، وسلمه له ابن الشاط. (1)
6 -
ومنها أن لا يكون في العلماء من هو أضلع منه بتلك المسألة، وأقدر على الجواب وأتقن، وقد قال أبو موسى الأشعري:"لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الْحَبر بين أظهركم"(يعني عبد الله بن مسعود). (2)
7 -
ومنها أن يكون قصدُ السائل الاستفادة دون إثارة الشغب، ولذلك أمر عمر بضرب صبيغ الذي كان يسأل أهلَ العلم عن متشابهات القرآن. قال القرطبي:"وكذلك لا يجوز تعليمُ المبتدعَ الجدالَ والحجاجَ ليجادل به أهلَ الحق". (3)
8 -
ومنها أن يكون المسؤول واثقًا بمرتبته العلمية، واضعًا نفسَه حيثُ وضعه الله تعالَى، بحيث يشهد له الناسُ بالعلم ويظن بنفسه الإصابةَ فيما يُسأل عنه إلا احتمالًا موجوحًا. قال مالك رحمه الله:"لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلًا لذلك، ويرى هو نفسَه أهلًا لذلك". (4)
(1) القرافي: كتاب الفروق، ج 2، ص 543 - 547.
(2)
الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تحقيق محمد محمد تامر وزميليه (القاهرة: دار الحديث 1426/ 2005)، ج 5، ص 75.
(3)
قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} [البقرة: 159]: "وتحقيق الآية هو أن العالم إذا قصد كتمانَ العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما مَنْ سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث. أما إنه لا يجوز تعليمُ الكافر القرآن والإسلام حتى يسلم، وكذلك لا يجوز تعليمُ المبتدعِ الجدالَ والحجاجَ ليُجادل به أهلَ الحق، ولا يعلم الخصمَ على خصمه حجةً يقطع بها ماله، ولا السلطانَ تأويلًا يتطرق به إلى مكاره الرعية، ولا ينشر الرخصَ في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقًا إلى ارتكاب المعاصي وترك الواجبات، ونحو ذلك". الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 481.
(4)
"قال ابن سحنون: قال ابن القاسم: كره مالك أن يفتيَ الرجلُ حتى يستبحر في العلم، وقال: لا يُفتي حتى يراه الناسُ أهلًا للفتيا. قال سحنون: يريد أهلَ النظر والمشورة والمعرفة. قال مالك: قال ابن هرمز: حتى يراه الناسُ أهلًا للفتيا، ويرى هو نفسه أهلًا لذلك". النوادر والزيادات، =
9 -
ومنها أن لا يكون الجوابُ عن المسألة يثير فتنةً لِقصورِ الناس عن إدراك أمثالها، ولم يزل الأئمة يجتنبون الخوضَ في دقائق العلم بين العامة. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال:"لو رأيت رجلًا أتى عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لأبايعن فلانًا، فما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت. فغضب عمر، ثم قال: إنِّي لقائم إن شاء الله العشية في الناس فمحذرهم، فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاعَ الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس. وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة فيطيروها عنك كلَّ مطير، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها. فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دارُ السنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيعي أهلُ العلم مقالتك، ويضعوها على مواضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أولَ مقام أقومه بالمدينة". (1)
= "الجزء الأول من كتاب القضاء"، ج 8، ص 12. وانظر في معناه ابن رشد: البيان والتحصيل، "كتاب الجامع الثاني"، ج 18، ص 300 - 301. وقد أورده القرافي منسوبًا لمالك، وعلق عليه بكلام نفيس يجدر سوقُه هنا تنبيهًا وعظةً لأقوام يتقحمون الإفتاء ويتجاسرون على أحكام الشريعة ومسائل العلم وقضايا الفكر عامة بدون تأهل لذلك فيُهلِكون ويَهلَكون. قال عليه رحمة الله: "يريد (يعني مالكًا): تثبت أهليتُه عند العلماء، ويكون هو بيقين مطَّلِعًا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية؛ لأنه قد يظهر من الإنسان أمرٌ على خلاف ما هو عليه، فإذا كان مطلعًا على ما وصفه به الناسُ حصل اليقينُ في ذلك. وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محَنَّكًا". ثم قال: "وهذأ هو شأنُ الفتيا في الزمن القديم، وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج، وسهُل على الناس أمرُ دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح، وعسُر عليهم اعترافُهم بجهلهم وأن يقول أحدُهم: لا أدري. فلا جرم آل حالُ الناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال". كتاب الفروق، ج 2، ص 546 - 547.
(1)
صحيح البخاري، "كتاب الحدود"، الحديث 6830، ص 1176 - 1177. وقد ساق المصنف الحديث بتصرف. وانظره كذلك في: البزار: البحر الزخار، الحديث 194، ج 1، ص 299 - 302 (مسند عمر بن الخطاب).
وقد حدثت في خلافة المأمون فتنةُ الخوض في أن القرآن مخلوق، وأُلقيت الأسئلةُ على كثير من أهل العلم، فكان منهم من أبَى الجواب. ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل، وقد ضُرب ليجيب فأبَى الجواب. وما كان ذلك جهلًا منه بالفضل بين الموصوف بالمخلوق والموصوف بالقديم، ولكنه علم أن المقصود الفتنة ليتخذوا كلامَه وسيلة لتأييد البدعة.
ولَمَّا دخل محمد بن إسماعيل البخاري لنيسابور سألوه عن رأيه في القرآن: أهو مخلوق؟ فأبَى أن يجيبَ ثلاثًا، وقال: الامتحانُ بدعة. ثم لَمَّا ألَحُّوا عليه أجاب بكلام موجَّه. (1) فإبايتُه الجوابَ ابتداءً لا تُعَدُّ مِنْ كَتْم العلم المنهي عنه؛ لأنه علم أن المقصود الفتنة والتشغيب. وقد جاء رجلٌ يسأل مالك بن أنس رحمه الله عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]، فقال له: السؤال عن هذا بدعة، ولا أراك إلا صاحب بدعة. وأمر بإخراجه من مجلسه فأخرجوه معنفًا. (2)
وفي البخاري سأل الحجاجُ أنسَ بن مالك عن أشد عقوبةٍ عاقبها النبي صلى الله عليه وسلم، فحدَّث أنس بحديث العرنيين الذين ارتدوا وقتلوا راعي إبل النبي صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديَهم وأرجلَهم وسمل أعينهم. فبلغ ذلك الحسن البصري، فقال الحسن:"وددت أنه لم يحدثه"، أي بهذا الحديث. (3)
هذا ما لاح في الإعلام بمعنى هذا الحديث، وبه يتميز السمينُ من الغثيث.
(1) انظر تفاصيل ما عرف بمحنة البخاري في مسألة خلق القرآن في العسقلاني: فتح الباري، ج 1 (المقدمة)، ص 252 - 253.
(2)
سبق توثيق خبر هذه الواقعة في مقال "الرحمن على العرش استوى" من القسم الأول.
(3)
ونصه: "عن أنس أن ناسًا كان بهم سقم، قالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحُّوا، قالوا: إن المدينة وخمة، فأنزلهم الحرَّة في ذَوْد له، فقال: "اشربوا ألبانها". فلما صحُّوا، قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا ذَوْده، فبعث في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت. قال سلام: فبلغني أن الحجَّاج قال لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقبه النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثه بهذا، فبلغ الحسن فقال: وددت أنه لم يحدثه بهذا". صحيح البخاري، "كتاب الطب"، الحديث 5685، ص 1006.