الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاحتمال الثاني أن يكون "رهبانية" معطوفًا على رأفة ورحمة، وتُجعل جملةُ "ابتدعوها" صفةً لرهبانية. وهذا وإن ذكره بعضُ المفسرين، فقد انتقده محققوهم بأنه يقتضي أن الله جعل الرهبانيةَ في قلوب الذين اتبعوا عيسى عليه السلام، كما جعل فيها الرأفةَ والرحمة، مع أن الرهبانية من الأعمال الجسدية فعلًا وتركًا فلا تكون في القلب، إلا إذا تُؤُوِّل ذلك بتقديرٍ يدل على معنى يصلح أن يكون من عقائد القلب، أي: جعلنا محبة رهبانية في قلوب الذين اتبعوه.
معنى الرهبانية:
الرهبانية بفتح الراء على الأشهر، ويجوز ضمُّ الراء. قال في النهاية:"هي من رهبنة النصارى، [وأصلها من الرهبة: الخوف]، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذِّها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعمُّد مشاقِّها، [حتى إن منهم مَنْ كان يخصي نفسه، ويضع السلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب]، فنفاها النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ونهى المسلمين عنها". (1)
وفي الفائق: "والرهبانية فعل الرهبان: من مواصلة الصوم، ولبس المسُوح، (2) وترك أكل اللحم، وغير ذلك. وأصلها من الرهبة أي الخوف؛ لأنهم يفعلون ذلك خوفًا من الله أن يقعوا في فعل المحرمات أو تلهيهم أمور الدنيا عن العبادة". (3)
وإن اقتران لفظ الرهبانية بهاء التأنيث مُؤْذِنٌ بأنها صفةٌ أو حالة، وإن مجيئها بصيغة النسب دليلٌ على أنها نُسبت إلى لفظ راهب على غير قياس، بحذف الألف
(1) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 2، ص 255.
(2)
المسوح بضم الميم، جمع مِسْح (بكسر الميم وسكون السين)، وهو ثوب غليظ من صوف يلبسه أهلُ الزهد من النصارى. - المصنف.
(3)
الزمخشري: الفائق في غريب الحديث، ج 2، ص 122.
التي في لفظ راهب، وذلك من تغييرات النسب. وزيادة النون في النسب تدل على تمكن النسبة، كقولهم شعرانِيٌّ لكثير الشعر، ولحيانِيٌّ لعظيم اللحية. فدل اللفظُ بمادته وصيغته زيادة على صفة من صفات الراهب مختصة به، إذ لم يكن مثلُ ذلك معروفًا في دين اليهودية، فانفرد به طائفةٌ من أهل المسيحية.
فنفيُ الرهبانية هو الامتناعُ عن التزوج بنية القربة إلى الله، ويومئ إلى ذلك ذكرُها في الحديث في عداد أمور مما كان يُفعل بقصد التقرب إلى رضا الله تعالى.
واتفق المفسرون وأصحابُ معاني الحديث على تفسير الرهبانية بهذا المعنى، وهو من تفسير معنى لفظ لغوي، فمرجعه إلى الوضع والرواية ولا مجال للرأي فيه، وحمله على غير معناه توهُّم ووضع جديد.
والرهبانية من قبيل النذور؛ لأن فاعلها يوجبها على نفسه تقربًا من رضا الله تعالى. واتفق المفسرون على أن حقيقة الرهبانية أفعال من العباد يريدون بها التقرب إلى الله طلبًا لرضوانه، وهي التي تقدم بيانها في عبارة "الفائق" للزمخشري و"النهاية" لابن الأثير. وتلك الأفعال معدودة من فضائل الأعمال في الدين المسيحي وليست من الواجبات فيه، ولهذا قال الله تعالى:{مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27]، أي ما فرضناها، ثم قال:{إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27]، وهذا استثناء منقطع، أي ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.
ويدل لذلك قوله تعالى: "ابتدعوها"؛ فإن الابتداع يكون في الأعمال. وأما علم الكتاب وفهمه فليس بابتداع، بل هو مما أمر الله به أهل الكتاب، قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما تأويل هذا الخبر، فقد تسلسلت فيه أخطاء لكثير من الناس تولد بعضها عن بعض، ومنشؤها فيما أظن هو النظر في أعمال الرهبان مع توهم أن ما عليه رهبان المسيحيين من الأحوال والأعمال كله داخل في مدلول لفظ الرهبانية.
وهذا وهم نشأ من إعمال الاشتقاق من لفظ الراهب. فابتدروا بأخذ ما رسمه الرهبان للمسيحيين من أن العبد لا أهلية له لدعاء الله ومناجاته إلا بواسطة الراهب، فجعلوا تصدي الرهبان لفهم الإنجيل وتحجيرهم على من لم يكن منهم الاشتغال بذلك، مما شمله معنى الرهبانية، فتوهموا نفيَ مثله في الإسلام.
وليس كل ما هو من شؤون الرهبان التي تعمهم وغيرهم ولا التي تخصهم بداخل في مسمى الرهبانية سوى ما ذكر آنفًا؛ لأن مدلولات الألفاظ اللغوية موقوفة على ما وضعت له في اللغة وليس من الصواب القياس عليها. ثم تولد من هذا الأصل المخطئ أصل ثان، فتوهموا أن هذا لما كان من أوهام الرهبان وأن الحديث لما نفى الرهبانية فنفي الوساطة بين العبد وربه مشمول لنفس الرهبانية. وهذا خطأ؛ لأن الاسم الملاحظ بصفة خاصة لا تكون جميع أحواله داخلة في تلك الصفة، بل للصفات مدلولات معروفة بالوضع والاصطلاح، ولما عداها أدلة أخرى من الكتاب والسنة.
وولَّد بعضُهم من هذا الأصل أصلًا ثالثًا، وهو استنتاجُ أن نفيَ الواسطة يقتضي نفيَ احتياج المسلمين إلى مَن يعلمهم دينهم، ولا حاجة إلى معرفة مذاهب الأئمة المجتهدين (الذين شهدت لهم الأمة بإصابة الفقه في الدين). وهذا خطأ؛ قال تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 43]، وقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، واتفق سلف الأمة وخلفها على أن علماء الدين من أولِي الأمر.
وارتقَوْا من ذلك إلى توهم أن لكل أحد أن يجتهد في الدين بما يراه، وتغافلوا عن شروط الأهلية لذلك، وعن حقيقة الاجتهاد، وصفات الأهلية له - وهي مقررة في أصول الفقه. فكان ذلك ذريعة إلى محاولة كل واحد أن يفهم الدين كما تمليه عليه أمياله، وخولوا لأنفسهم الاجتهاد في الدين مع العرُوِّ عن مؤهلات الاجتهاد وهي كثيرة وعسيرة، فليرجع إلى تفصيلها من كتب الأصول.
فالاجتهاد منه فرض كفاية، وهو وجود طائفة من علماء المسلمين المتأهلين للتفقه في الدين لينظروا في تحصيل الأحكام الشرعية للمسلمين بالتأييد والتنقيح لما مضى من آراء علمائهم، والاستنباط لما يجد من الحوادث بأن يكون في كل صقع من أصقاع الإسلام (في الأبعاد التي يتيسر اتصال أهلها بعضهم ببعض) واحد أو عدة من العلماء بالشريعة المطلعين على نصوصها وعلى نظائر مدلولات تلك النصوص وعلى مقاصد الشريعة وعلى أحوال كل المسلمين على اختلاف الأصقاع والحاجات بتعيين أحكام لها لا تخالف نصوص الشريعة ولا ظواهرها المتكاثرة الدالة على معنى واحد يقرب من القطع ولا تخرج عن مقاصها المستقرأة من تصرفاتها المختلفة.
وهذا مقام صعب يضطلع به المنقطع إليه الخبير بمعانيه، ذو الفطنة الذهنية والكفاءة العلمية.
ومن الاجتهاد فرضُ عين، وهو على كل عالم بلغ في علوم الشريعة وفهم الكتاب والسنة مبلغًا يأنس فيه من نفسه الصلاحية لاستنباط الأحكام الشرعية وأقوال أئمة الدين، وترجيح بعض أقوالهم على بعض. فإذا بلغ هذا المبلغ ثبتت استطاعته للاجتهاد، فوجب عليه لقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
وأما تحقق أهلية العالم للاجتهاد فيحصل للناس باشتهار العالم بعلم الشريعة وعدالته وشهادة أهل العلم له بتلك الأهلية. وتحصل هذه المعرفة للخاصة بيقين أو غلبة ظن، وتحصل للعامة بغلبة الظن الحاصل من قصد المتحرين في الدين أحدًا لاستفتائه في الدين.