الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم يُنقل عن سلف عياض مثلُ هذا القول، إلا ما نُسِب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (دون استدلال). وأما ما نُقل عن الشهرستاني مما يماثل قولَ الأستاذ، فذلك قد كان في عصر عياض؛ لأنه معاصرٌ للشهرستاني، وعياض أسبق ولادة ووفاة بمدة قليلة فيهما (توُفِّيَ الشهرستاني سنة 548، وتوُفِّيَ عياض سنة 542). فلعل اتفاقَهما من توارد الآراء، إن لم يكن الشهرستاني تَبع عياضًا في قوله. وقال تاج الدين السبكي في منظومته في المسائل التي وقع اختلافٌ فيها بين الأشعري والماتريدي:
قَالُوا: وَتَمْتَنِعُ الصَّغَائِرُ مِنْ نَبِـ
…
ـيٍّ لِلإِلَهِ وَعِنْدَنَا قَوْلَانِ (1)
وَالمَنْعُ مَرْوِيٌّ عَنِ الأُسْتَاذِ (2) وَالْـ
…
ـقَاضِي عِيَاضٍ وَهْوَ ذُو رُجْحَانِ
وَبِهِ أَقُولُ وَكَانَ رَأْيُ أَبِي (3) كَذَا
…
صَوْنًا لِرُتْبَتِهِمْ عَنِ النُّقْصَانِ (4)
[الخلاصة]:
فَيُستخلص من هذا المبحث أن حالَ الأنبياء عليهم السلام قبل النبوة يجب أن تكون حالةَ عصمة عن النقائص المتعَيَّر بها في عرف أهل العقول السليمة، مثل السرقة والكذب والخيانة. وما عدا ذلك مِمَّا يُعدُّ ذنوبًا كبائر أو صغائر إن كان ذلك النبِيُّ متبِعًا شريعةً سابقة كان معصومًا من ارتكاب ما يعد كبيرة في الشريعة التي هو
(1) وقوله: "قالوا"، أي: قال الماتريدية تمتنع الصغائر إلخ، وقوله:"عندنا"، يعني نفسه وغيره من الأشعرية.- المصنف.
(2)
أبو إسحاق الإسفراييني. - المصنف.
(3)
علي بن عبد الكافي السُّبكي (بضم السين وسكون الباء الموحدة) المصري، ولد سنة 638 هـ وتوفي سنة 756 هـ بمصر. - المصنف.
(4)
السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي: طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناحي (القاهرة: مطبعة عيسى الحلبي وشركاه، ط 1، 1383/ 1964)، ج 3، ص 387.
مُتَّبِعُها، ولذلك قال إخوةُ يوسف في مصر:{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73)} [يوسف: 73]، وأقر الله كلامهم فلم يعقبه بنقضه كما عقب كلام يوسف بقوله تعالى:{كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [يوسف: 76].
وأما ما هو صغائرُ في تلك الشريعة، فلا يَمتنِع وقوعُها قبل النبوة. وأما بعد أن يصير نبيًّا، فهو محل البحث؛ إذ بعد نبوته يكون له شرعٌ إما سابقٌ أُمِر باتباعه مثل أنبياء بني إسرائيل - ولذلك لم يسكت يوسف لَمَّا قال إخوتُه في شأن أخيهم بنيامين:{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ} ؛ لأنهم اتهموه بما هو معصومٌ منه فقال لهم: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)} [يوسف: 77]، فإجراءُ حاله على حسب ذلك الشرع. وإما أن يُوحى إليه بشرع يخصه مثل لقمان، أو يدعو إليه، فذلك النبي حينئذ رسول. وأيًّا ما كان فَلْيَجْرِ البحثُ في أفعاله على حسب ما أُمر باتباعه أو بالدعاء إليه.
واختلفوا في صدور بعض المعاصي منهم على التفصيل. والجمهور على وجوب عصمتهم عما ينافِي مقتضى المعجزة من حيث دلالتها على قول الله تعالى: "صدق عبدي فيما أخبر به عني"، لا عمدًا ولا سهوًا. وجوَّز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوعَ ذلك سهوًا، ولم يرتضه الجمهور.
والمذهب عند جمهور الأشاعرة منعُ صدور الكبائر منهم بعد البعثة وقبلها، وأما الصغائر فلا تصدر منهم بعد البعثة عمدًا، ويجوز صدورُها منهم سهوًا لكن لا يصرون عليها ولا يقرون. (1)
(1) وقد لخص القاضي عياض المذاهب المختلفة في مسألة عصمة الأنبياء بكلام من المناسب سوقُه هنا، قال: "ثم اختُلِف في المعاصي، فلا خلافَ أن كل كبيرة من الذنوب لا تجوز عليهم. . . =
وذهب إمامُ الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا. ويظهر أنهم أرادوا بالتجويز عدمَ الاستحالة، ولم يدعوا وقوعَ ذلك. وقد تقدم أن عياضًا أبطل الأدلةَ التي استدل بها مدَّعُو وقوع ذلك منهم، وكفى بذلك. (1)
= وكذلك اتفقوا على أن كلَّ ما طريقُه البلاغ في القول فإنهم معصومون فيه على كل حال. . .، وكذلك لا خلافَ أنهم معصومون من الصغائر التي تزري بفاعلها. وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر". اليحصبي، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى: شرح القاضي عياض لصحيح مسلم المسمى إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق يحيى إسماعيل (المنصورة/ مصر: دار الوفاء للطباعة والنشر، ط 1، 1418/ 1998)، ج 1، ص 573 - 574؛ وانظر كذلك الشفا، ص 446 - 347. هذا وينبغي التنبيه إلى أن أصل ما ذكره عياض هو ما سبق إلى تقريره الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه ورسائله. انظر عرض ذلك في: ابن فورك، أبو بكر محمد بن الحسن: مجرد مقالات الأشعري، تحقيق دانيال جيماريه (بيروت: دار المشرق، 1987)، ص 158 - 159 و 175 - 176؛ ابن العربي: المسالك، ج 6، ص 214 - 215.
(1)
تقدم للمصنف بسطُ ما جاء في هذا الخلاصة، وقد ألفينا في الكلام شيئًا من اضطراب فأصلحناه قدرَ الإمكان. وقارن ما قرره المصنف في مسألة العصمة بما جاء في: الطباطبائي: الجواهر النورانية، ص 151 - 171.