المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[أنواع الآثار المروية في المهدي]: - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ١

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌إهداء

- ‌فَاتِحَةُ الكِتَاب

- ‌بين يدي مقالات ابن عاشور ورسائله

- ‌تمهيد: أنا وتراث ابن عاشور:

- ‌محاولات سابقة لجمع مقالات ابن عاشور، ولكن

- ‌منهجنا في هذه الجمهرة جمعا وترتيبا:

- ‌شكر وعرفان ودعاء

- ‌ضميمة

- ‌المِحْوَرُ الأَوَّلفِي العَقِيْدَةِوَالتَفْسِيْر وَالفِكرِ وَالحِكمَةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلالعَقيْدَة والتّفسِيْر

- ‌تنبيه ونصيحة

- ‌الرحمن على العرش استوى

- ‌[مقدمة]

- ‌[موقع الآية من المتشابه]

- ‌[طريقة السلف إزاء المتشابه]

- ‌[الخلف وتأويل المتشابه]

- ‌[رأي المصنف]

- ‌تكليم الله لموسى عليه السلام

- ‌وجهُ تسمية يوم القيامة بيوم التغابن

- ‌عصمة الأنبياء

- ‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:

- ‌قول عياض:

- ‌[الخلاصة]:

- ‌شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌معنى الشفاعة:

- ‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها:

- ‌مراجعة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

- ‌المهدي المنتظر

- ‌[مقدمة]:

- ‌[مكانة حديث المهدي من تعاليم الإسلام]:

- ‌[مذاهب العلماء في المهدي]:

- ‌كيف نشأ القولُ بالمهدي المنتظر

- ‌[أنواع الآثار المروية في المهدي]:

- ‌الآثار المروية في المهدي:

- ‌الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث:

- ‌الرأى فيها من جهة النظر:

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيالفكْر وَالحكْمَة

- ‌من يجدد لهذه الأمة أمر دينها

- ‌[تمهيد]:

- ‌دعائم الإسلام:

- ‌معنى التجديد

- ‌مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد:

- ‌كيف يكون مبدأ تعيين المائة السنة

- ‌رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه:

- ‌رأي مجد الدين ابن الأثير في تعيين المجددين

- ‌التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده:

- ‌التوسم في تعيين المجددين بحسب أدلة الحق المبين:

- ‌[المائة الأولى]:

- ‌[المائة الثانية]:

- ‌[المائة الثالثة]:

- ‌[المائة الرابعة]:

- ‌[المائة الخامسة]:

- ‌[المائة السادسة]:

- ‌[المائة السابعة]:

- ‌[المائة الثامنة]:

- ‌[المائة التاسعة]:

- ‌[المائة العاشرة]:

- ‌[المائة الحادية عشرة]:

- ‌[انحلال الجامعة الإسلامية وتزايد الفتن]:

- ‌[المائة الثانية عشرة]:

- ‌التقوى وحسن الخلق

- ‌شرف الكعبة

- ‌اللذة مع الحكمة

- ‌احترام الأفكار

- ‌العلم عند الله

- ‌تحصيله:

- ‌المقدم منه والمتعين:

- ‌خطته:

- ‌نعيمه والغاية القصوى منه:

- ‌مسألة خفية من مباحث الفلسفة الإسلامية: وحدة الوجود

- ‌ابن سينا والحكمة المشرقية

- ‌[تمهيد]:

- ‌أصل الحكمة اليونانية المنقولة إلى العربية:

- ‌طريقة الشيخ ابن سيناء في الحكمة:

- ‌الحكمة المشرقية:

- ‌الكتاب المعنون "منطق المشرقيين

- ‌الإنسان على الأرض

- ‌عمر الإنسان: ماذا أردت

- ‌أصول التقدم والمدنية في الإسلام

- ‌[مقدمة]

- ‌ما هو الإسلام

- ‌[التأسيسات الأصلية]

- ‌[وحدة النوع الإنساني: ]

- ‌ظهور الإسلام

- ‌واجب المسلمين أن يقتنعوا بهداية الإسلام

- ‌واجب المسلمين: النصيحة

- ‌ما هو النصح والنصيحة

- ‌اضطلاع الناصح بحق النصيحة:

- ‌قبول المنصوح للنصيحة:

- ‌الرفق بالحيوان في الإسلام

- ‌تحرير مسألة في علم الهيئة

- ‌المحْوَر الثّانِيفِي فِقْهِ السُّنَّةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلفِقْه الحَدِيْث

- ‌التعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ونشأة علم الحديث

- ‌[تمهيد]:

- ‌الاهتمام بتدوين ما صحت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الغرض من تأليف الموطأ

- ‌ما المراد بالحديث الصحيح

- ‌[نسخ الموطإ]

- ‌اسم كتاب "الموطأ

- ‌تحقيق مسمى الحديث القدسي

- ‌[تقديم]:

- ‌ تعريف الحديث القدسي

- ‌صيغة رواية الحديث القدسي:

- ‌الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وبينه وبين غيره من الأحاديث النبوية:

- ‌مراجعة ما تضمنه كتاب "فتح الملك العلي

- ‌المراجعة الإجمالية:

- ‌المراجعة التفصيلية:

- ‌درس في موطأ الإمام مالك رضي الله عنه: "جامع القضاء وكراهيته

- ‌[تمهيد: القضاء بين الترغيب والترهيب]:

- ‌[العدل أساسُ صلاح العمران]:

- ‌[شرح الحديث]:

- ‌الأسانيد المريضة الرواية: "حديث طلب العلم فريضة

- ‌أقوال الحفاظ في رجال سنده:

- ‌آراء الحفاظ في حالته:

- ‌[روايات الحديث]:

- ‌التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس

- ‌خلق النور المحمدي

- ‌متن هذا الحديث:

- ‌مرتبة هذا الحديث من الصحة:

- ‌نقده من جهة اللفظ:

- ‌نقده من جهة المعنى:

- ‌دفع إشكال في حديث نبوي: "سألتُ ربي

- ‌سند هذا الحديث:

- ‌[معنى الحديث]:

- ‌حديث: من سُئل عن علمٍ فكتمه

- ‌[سند الحديث]:

- ‌معنى الحديث:

- ‌[مسائل في فقه الحديث]:

- ‌حديث: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم

- ‌سند الحديث واختلاف ألفاظه

- ‌معنى الحديث:

- ‌تحقيق الخبر المأثور: "لا رهبانية في الإسلام

- ‌معنى الرهبانية:

- ‌لا صفر

- ‌شهر رجب

- ‌شهر شعبان

- ‌لا عزاء بعد ثلاث

- ‌تحقيق معنى لفظ العزاء

الفصل: ‌[أنواع الآثار المروية في المهدي]:

فيحصل بذلك أثران في مؤثر واحد. ومن شأنهم فيما يصنعونه من الأخبار أن يدُسُّوا فيها ذكرَ أمارات تناسب زمانَهم، أو حالَهم، أو أنسابَهم، أو مواطنَهم، أو اسمَ أحل من أئمتهم، ليتبين كونُهم المقصودَ من ذلك الخبر، فإن أعوزهم ذلك لقَّبوا بعضَ دعاتهم بألقاب تواطئ ما سبق من الأخبار.

[أنواع الآثار المروية في المهدي]:

ولقد تصفحنا أنواعَ ما يعدونه لهذا الغرض، فإذا هي ثلاثة أنواع:

النوع الأول: آثارٌ مروية يرجعونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

النوع الثاني: أخبارٌ غيبية يكتبونها بأيديهم، ويَعْزُونَها لِمَنْ يُنسب إليه الكشفُ أو التنبؤ بالغيب، ثم يثبتونها في العامة ويعبرون عنها بالأجفار؛ لأنها تُكتب في رق جفر - وهو الصغير من أولاد المعز.

النوع الثالث: أخبار اضطهاد فيها مبالغاتٌ أو مختلقةٌ من أصلها، من شأنها أن ترقِّقَ قلوبَ سامعيها على الجانب المضهود، علمًا بأن النفوس تميل إلى الضعيف وإن ابتدأ بالظلم، وأن النفوس تتأثر بالشيء المشاهد، ولا تلتفت إلى ما غاب عنها بتعاهد.

فإن تحققت أمانيهم من هذه الثلاثة فذاك، وإن خابت اختلقوا أخبارًا يحيون بها لأنصارهم الأملَ ويدفعون بها عنهم الفشل حتى يعود نهوضُهم بعد دهشة الانهزام، وحتى لا تنقطع آمالُهم في مستقبل الأيام. لما سُقِط في أيدي شيعة الهاشميين كما قلنا، جعلوا الأمرَ لِمَنْ بقي من أبناء أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه، وهو السيد محمد الملقب بابن الحنفيَّة، (1) وزعم غلاتُهم أنه لم يمت ولا يموت حتى ينصر

(1) هو أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي، من آل البيت. أمه خولة بنت جعفر الحنفية، وينسب إليها تمييزًا له عن أخويه الحسن والحسين، ويكنى أبا القاسم، حيث أذن النبي صلى الله عليه وسلم لولد من علي بن أبي طالب أن يسمى باسمه ويكنى بكنيته. ولد في خلافة عمر بن الخطاب سنة إحدى وعشرين للهجرة، كان ورعًا، واسع العلم، ثقة. له عدة أحاديث في =

ص: 109

ينصر دين الله، ولأنه مختفٍ بغار في جبال رضوى، ولقبوه بالمهدي. وقد قال في ذلك شاعرُ الشيعة إسماعيل الحميري:(1)

أَلَا إِنَّ الأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ

وُلَاةَ الْحَقِّ أَرْبَعَةٌ سَوَاءُ

عَلِيٌّ وَالثَّلَاثَةُ مِنْ بَنِيهِ

هُمُ الأَسْبَاطُ لَيْسَ بِهِمْ خَفَاءُ

فَسِبْطٌ سِبْطُ إِيمَانٍ وحِلْمٍ (2)

وَسِبْطٌ غَيَّبَتْهُ كَرْبَلَاءُ (3)

وَسِبْطٌ لَا يَذُوقُ المَوْتَ حَتَّى

يَقُودَ الْخَيْلَ يَقْدُمُهَا اللّوَاءُ (4)

تَغَيَّبَ لَا يُرَى فِينَا زَمَانًا

بِرَضْوَى عِنْدَهُ عَسَلٌ وَمَاءُ (5)

= الصحيحين. شارك في معارك الجمل وصفين على الرغم من صغر سنه. توُفِّيَ في المدينة في المحرم سنة 81 هـ عن عمر يناهز الستين سنة، وصلَّى عليه أبان بن عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع.

(1)

هو شاعر من شعراء العصر العباسي، اسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد الحميري. كان أبواه إباضيين، ثم صار هو شيعيًا وله ديوان شعر في فضائل علي وآله مملوء بالأوهام. - المصنف. وُلد السيد الحميري سنة 10 هـ، ويُروى أنّ أبويه كانا إباضيّين. انتقل منذ صباه إلى مذهب الكيسانيّة، وهم أصحاب المختار بن أبي عبيد الذين يدّعون إمامة محمّد ابن الحنفية، أخي الإمامين الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ثمّ انتقل إلى مذهب الإمامية على يد الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر. كان الحميري شاعرًا مطبوعًا، وظف شعره في الدعاية لآل البيت. مدح آل هاشم عامّة، ومدح الإمام عليّ بن أبي طالب وأبناءه خاصّة. قال أبو الفرج بعد أن ذكر أن السيد الحميري كان "شاعرًا متقدمًا مطبوعًا" وأنه من أكثر الناس شعرًا:"وإنما مات ذكره وهجر الناس شعره لما كان يُفرط فيه من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه في شعره ويستعمله من قذفهم والطعن عليهم". وقال عنه بشّار بن برد: "لولا أنّ هذا الرجل شُغل بمدح بني هاشم لشَغَلَنا، ولو شاركنا في مذهبنا لأَتْعَبَنا"، يعني في فنون الشعر الأخرى بمنافستهم فيها. الأغاني، ج 3/ 7، ص 168 و 173.

(2)

يعني سيدنا الحسن. - المصنف.

(3)

يعني سيدنا الحسين. - المصنف.

(4)

يعني السيد محمد ابن الحنفية. - المصنف.

(5)

رَضْوَى (بفتح الراء) جبل جهينة قرب ينبع، وهو كثير الشعاب صعب المسالك. - المصنف. الأصفهاني: الأغاني، ج 3/ 7، ص 178 - 179. ذكرها الأصفهاني في أخبار السيد الحميري وقال:"وهذه الأبيات بعينها تُروَى لكُثَيِّر عزة، ذكر ذلك ابن أبي سعيد". هذا والبيت الأخير ليس من =

ص: 110

وله في استبطاء خروج المهدي المختفي أبياتٌ منها:

أَلَا قُلْ لِلْوَصِيِّ فَدَتْك نَفْسِي

أَطَلْتَ بِذَلِكَ الْجَبَلِ المُقَامَا (1)

وقال جمهورُ الشيعة الإمامية: إن للسيد الحسن العسكري ولدًا اسمه محمد، وإنه اختفى صغيرًا، وإنه لا يموت، وإنه المهدي المنتظر، وإنه سيخرج فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. وفي اعتقادهم أنه لا يصلح جميعُ الناس حتى يخرج المهدي، وأنه لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورًا.

= ضمن المقطوعة التي أثبتها في كتابه. وقد ساق ابن قتيبة هذه الأبيات مع اختلاف في بعض ألفاظها ونسبها إلى كُثَيِّر عزة. الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: كتاب عيون الأخبار، تحقيق لجنة بدار الكتب المصرية (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، ط 1، 1996)، ج 2، ص 144 - 145. وكذلك نسبها لكثَيِّر الإمام أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين، ص 22؛ والبغدادي، عبد القاهر: الفرق بين الفرق، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 1416/ 1995)، ص 41، ومن الراجح أنه في ذلك تبع للأشعري. وتابعهما ابن كثير. الدمشقي، إسماعيل بن عمر ابن كثير: البداية والنهاية، تحقيق عبد الله التركي (الرياض: دار عالم الكتب، 1424/ 2003)، ج 12، ص 313 - 314. وذكر ابن خلدون الأبيات دون أن ينسبها. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد: مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي (صيدا/ بيروت: المكتبة العصريّة، 1415/ 1995)، ص 185. وأثبت القصيدةَ كاملة (ثلاثة عشر بيتًا) الدكتور إحسان عباس ضمن الأبيات المنحولة لكثير. ديوان كُثَيِّر عزَّة، تحقيق إحسان عباس (بيروت: دار الثقافة، 1391/ 1971)، ص 521. وانظر تعليقه عليها وعلى خمسة أبيات أخرى (ص 522). وأضرب عن ذكرها عدنان زكي درويش في تحقيقه لديوان كثير الصادرة طبعته سنة 1994 عن دار صادر ببيروت.

(1)

هذا البيت من مقطوعة من ثمانية أبيات ذكرها الأصفهاني في أخبار كثير عزة ونسبها للحميري، وساق بعدها الأبيات الخمسة التي ذكرها المصنف من قبل ناسبًا إياها إلى كُثَيِّر. الأغاني، / 9، ص 522 - 523. وأورده البغدادي ضمن ستة أبيات منسوبة لكثير، الفرق بين الفرق، ص 42 - 43. وذكرها ابن قتيبة دون نسبة، ثم قال:"وقال بعض شعراء الرافضة في محمد ابن الحنفية". عيون الأخبار، ج 2، ص 144. كما نسب ابن كثير المقطوعة للسيد الحميري. البداية والنهاية، ج 12، ص 315. وهي في ديوان السيد الحميري، تحقيق نواف الجراح (بيروت: دار صادر، 1999)، ص 379.

ص: 111

واتفق جمهورُ علماء الأنساب على أن السيد الحسن العسكري ليس له ولد. ومن اللطائف في هذا المقام، الجارية مجرى الإفحام، ما وقع لأبي الفتح المقدسي الشافعي (1) مع أحد رؤساء الشيعة الإمامية؛ فإن الشيعي أخذ يشكو فسادَ الخلق وأن الأمر لا يصلح إلا بخروج المهدي المنتظر. فقال له المقدسي: هل لخروجه ميقات معلوم؟ قال الشيعي: نعم، له ميقات معلوم. قال المقدسي: متى يكون؟ قال الشيعي: إذا فسد الخلق كلُّهم. قال المقدسي: فلماذا تكونون سببًا في حرمان الأمة من خروجه، قد فسد جميعُ الناس إلا إياكم، فلو فسدتم واتبعتم مذهبَنا لخرج المهديُّ للناس. فلماذا لا تطلقوه من سجنه؟ فأُفْحِم الشيعي. (2)

تلقف السامعون قصةَ الإمام المنتظر، فرام كلُّ قائمٍ بدولة أن يدخل تحت مظلتها، ويجعل أخبارَها مطابقة لنزعته. فإن هو روج ذلك بين طوائف من الناس، قلب تلك المظلةَ راية، مبرزًا للناس نحلته، ومؤيدًا رأيه. وقد قلت آنفًا: إن من شأن الذين يصنعون أخبار المهدي أن يدسُّوا فيها ذكرَ أماراتٍ تناسب حالَهم، أو صفاتِهم، أو أسماءهم، أو مواطنَهم.

وربما ارتقوا إلى التصريح بأسماء بعض دعاتهم، فإن أعوزهم ذلك جعلوا للداعي لقبًا يناسب انطباقَ ما سبق من مرويِّ الأخبار إن كانت الأخبارُ سابقةً لوقت ظهورهم. فقد صنع أصحابُ الدعوة الهاشمية في خراسان حديثًا عن ابن مسعود قال: "بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله، إذ أقبل فتيةٌ من بني هاشم، فلما رآهم رسولُ الله ذرفت عيناه وتغير لونُه. قال: فقلت: ما لنا نرى في وجهك شيئًا نكرهه؟ فقال: إنا أهلَ البيت اختار الله لنا الآخرةَ على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون

(1) هو نصر بن إبراهيم النابلسي المقدسي، إمام الشافعية في عصره، وصاحب التصانيف القيمة. توفِّيَ سنة 490 هـ. - المصنف.

(2)

أورد هذه الحكاية الشاطبي، ولم أجدها فيما اطلعت عليه من مصنفات ابن العربي، بما في ذلك أحكام القرآن، وقانون التأويل، والعواصم من القواصم. فانظرها في الشاطبي: الاعتصام، ج 1، ص 107.

ص: 112

بعدي بلاءً وتشريدًا، حتى يأتِيَ قومٌ من قبل المشرق معهم راياتٌ سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون وينصرون" إلخ. (1)

انظر إلى كلمة "تشريد" المنطبقة على المستعصين من بني هاشم بخراسان، وإلى كلمة "من المشرق"؛ فإن بلادَ فارس شرق بلاد العرب، وإلى "الرايات السود"، فإنها شعارُ أصحاب الدعوة الهاشمية المتمحضة بعد في العباسية.

وقريبٌ من هذا جميعُ الآثارِ المروية في أن المهدي من أبناء العباس، وأن الحقَّ معه، ومع أصحاب الرايات السود، ومع الخارجين من المشرق أو من بلادٍ مصرَّحٍ بأسمائها من بلدان فارس. فقد كان محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى (2) بالمدينة يتطلع إلى الخلافة، ويُزعم أن أبا جعفر المنصور بايعه بها في مكة في آخر مدة مروان

(1) ولفظ الحديث بتمامه: "إنا أهلُ بيتٍ اختار الله لنا الآخرةَ على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون من بعدي بلاءً وتشريدًا وتطريدًا، حتى يأتِيَ قومٌ من قبل المشرق معهم راياتٌ سود، فيسألون الحقَّ فلا يُعطَوْنه، فيقاتلون فينصرون فيعطَوْن ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، يواطئ اسْمُه اسْمِي واسمُ أبيه اسمَ أبي، فيملك الأرضَ فيملؤها قسطًا وعدلًا كما ملؤوها جورًا وظلمًا. فمن أدرك ذلك منكم أو من أعقابكم فلْيَأْتِهِمْ ولو حبوًا على الثلج؛ فإنها راياتُ هدى". البرهان فوري، علاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، نشرة بعناية بكري حيَّاني وصفوة السقا (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 5، 1405/ 1985)، "كتاب القيامة من قسم الأقوال"، الحديث 38677، ج 14، ص 267 - 268.

استدراك: وأخرج الحديث ابن ماجه (4082)، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: حديث منكر ويشبه أن يكون موضوعًا. انظر تمام تخريجه وتنقيده "السنن" لابن ماجه: 5/ 209 - 210، طبعة الرسالة العالمية - الناشر.

(2)

هو عبد الله الكامل (68/ 687 - 143/ 762) بن الحسن المثنى، تابعي من آل البيت، ومن رواة الحديث، وهو حفيد السبطين الحسن والحسين من الأب والأم. ويروى أنه كان يقول في ذلك ما معناه: ولدني رسول الله مرتين، فأبوه هو الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت الرسول عليه السلام، فهو شريف من الأب والأم.

ص: 113

ابن محمد الأموي، (1) وأنه هو الرضي من آل البيت. ولمَّا حج المنصور بالناس في خلافة أخيه السفاح طلب محمد بن عبد الله بن الحسن في المدينة فاختفى محمد، ثم في خلافة المنصور لم يزل محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى مختفيًا في شعاب جبل رضوى من بلاد جهينة. فمن ذلك دخل ذكر جبال رضوى في قصة المهدي المنتظر، واختلطت القصةُ من عدة حوادث. (2)

وأيضًا نرى أبا جعفر المنصور، وقد لقب ابنه محمدًا بالمهدي، وأخذ له العهدَ بالخلافة. وساعده أنه سَمِيُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أباه سَمِيُّ أبي رسول الله عليه السلام إذ كان من روايات حديث المهدي الرواية القائلة:"يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي"، كما سيأتي. فالمهدي العباسي أولُ مَنْ تلقب بالمهدي، وتطلع إلى أن يكون هو المعنيَّ من الأخبار المروية في شأن القائم المنتظر. وقد كان لصنيعه ذلك فائدتُه المطلوبة؛ إذ قد انقطعت عند بيعته مطامع العلويين المزاحمين للعباسيين في الخلافة من أواخر مدة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.

ثم انتحل هذا اللقبَ أناسٌ من الثائرين والناجمين في الممالك والأمم، مثل المهدي الذي قام بالدعوة العبيدية في إفريقية ودبر الثورةَ على الدولة الأغلبية، ومثل المهدي ابن تومرت الذي قام بدعوة الدولة الموحدة بإفريقية، ومثل الحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر الذي انقطع خبرُه وزعم أصحابه أنه اختفى فلا يظهر إلا في زمن مرقوب.

(1) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير: تاريخ الرسل والملوك المعروف بـ "تاريخ الطبري"، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار المعارف بمصر، ط 2، 1968)، ج 7، ص 517.

(2)

راجع في ذلك: الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك: كتاب الوافي بالوفيات، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط 1، 1420/ 2000)، ج 3، ص 242 - 244.

ص: 114