الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكلُّ ذلك يوقنك بأن ما سلكه تاجُ الدين السبكي في تعيين المجددين للدين، وضبطه ذلك بموافقة وفاة من نَحَلَهُمْ صفةَ المجدد مبادئَ مرور المئين من السنين ابتداءً من يوم الهجرة، قد أخطأ فيه من وجهين عظيمين وإن كانا خفيين:
أحدهما إناطةُ ذلك بوقت وفاة مَنْ تُوُسِّم فيه صفةُ المجدد، مع أن مقتضى الحديث أن يكون عملُ المجدد منوطًا بوقت ظهوره أو انتشار أمره، وقوة عمله في تجديد الدين، كما يُفْصِحُ عنه لفظُ "يبعث" الواقعُ في الحديث الذي هو بمعنى يقيم الله، ولفظ "يجدد" المقتضي أن يكون معظمُ حياةِ المجدد في رأس القرن؛ إذ العمل من أثر الحياة لا من مقارنة الممات.
الوجه الثاني أنه جعل ابتداء عد رأس القرن من يوم الهجرة، وشأن العدِّ أن يكون من يوم الوعد بذلك؛ فإن اعتبارَ سنة الهجرة مبدأً للقرون الإسلامية أمرٌ اصطلح عليه المسلمون بعد وفاة رسول الله في خلافة عمر؛ فكيف يفسر به كلامٌ واقع قبل ذلك بسنين؟
رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه:
قال تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي في كتاب طبقات الشافعية في مقدمته المسهبة وذكر حديث أبي هريرة في المجدد والحديث الذي فيه زيادة "من أهل بيتي"، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال:"نظرت في سنة مائة فإذا هو رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر بن عبد العزيز، ونظرت في رأس المائة الثانية، فإذا هو رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم: محمد بن إدريس الشافعي". ثم قال ابن السبكي:
"ولأجل ما في هذه الرواية الثانية من الزيادة (أي زيادة من أهل بيتي) لا أستطيع أن أتكلم في المئين بعد الثانية؛ فإنه لم يُذْكَر فيها أحد من آل النبي عليه السلام، ولكن هنا دقيقة ننبهك عليها، فنقول: لَمَّا لم نجد بعد المائة الثانية من أهل البيت مَنْ هو بهذه المثابة، ووجدنا جميع مَنْ قيل إنه المبعوث في رأس كل مائة سنة مِمَّنْ تمذهب بمذهب الشافعي وانقاد له، علمنا أنه (أي: الشافعي) الإمامُ المبعوث الذي استقر
أمرُ الناس على قوله، وبُعث بعده في رأس كل سنة مَنْ يقرر مذهبه. وبهذا تعين عندي تقديمُ ابن سريج في الثالثة على الأشعري؛ فإن الأشعري - وإن كان أيضًا شافعيَّ المذهب (1) - إلا أنه رجل متكلِّم، كان قيامُه للذَّبِّ عن أصول العقائد دون فروعها، (2) وكان ابنُ سريج رجلًا فقيهًا، فكان ابن سريج أولَى بهذه المنزلة، لا سيما
(1) كذا ادعى السبكي، وقد عد عياضٌ في "المدارك" أبا الحسن الأشعري في عداد المالكية من أهل الطبقة الرابعة. وحقق عن موسى بن عمران وعن رافع الحمال من أئمة الشافعية أن الأشعري كان مالكيًّا، واستظهر على ذلك أن مذهب مالك في عصره كان هو الغالب على العراق. وعياض في ضبطه وتحقيقه لا يُنازَع. - المصنف. يجدر التنبيه هنا إلى أن ترجمة القاضي عياض لأبي الحسن الأشعري لا توجد في ثنتين من نشرات كتاب "ترتيب المدارك" التي أمكنني مراجعتها هما نشرة أحمد بكير محمود الصادرة سنة 1967 عن دار مكتبة الحياة ومكتبة الفكر ببيروت، ونشرة محمد سالم هاشم الصادرة سنة 1418/ 1998 عن دار الكتب العلمية ببيروت، وهو أمر لا يكاد المرء يجد له تفسيرًا أمام ادعاء صاحبي النشرتين المذكورتين التحقيقَ العلمي! ألا رحم الله زمانًا كان الناس يقدرون هذه العبارة حقَّ قدرها، ويتهيبون التحلي بها وانتحاها! هذا وانظر في شأن ما ذكره المصنف من تحقيق عياض في مالكية الأشعري: ترتيب المدارك، تحقيق علي عمر (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، ط 1، 1430/ 2009)، ج 2، ص 524 - 430. والواقع أن تجاذب المذاهب الفقهية لأبي الحسن الأشعري أمر قديم، فالحنفي يقول: إنه كان على مذهب أبي حنيفة، والمالكي يقرر أنه من أتباع مالك، والشافعية ينسبونه إلى مذهب الشافعي، وهكذا. انظر في ذلك: ابن عساكر الدمشقي، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله: تبيين كذب المفتري فيما نسب الإمام أبي الحسن الأشعري، نشرة بعناية حسام الدين القدسي وتقديم محمد زاهد الكوثري (دمشق: مطبعة التوفيق، 1347)، ص 117؛ ابن أبي الوفاء القرشي الحنفي، محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم: الجواهر المضية في طبقات الحنفية، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو (الجيزة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ط 2، 1413/ 1993)، ج 2، ص 544 - 545 وج 4، ص 33. وإنما حصل هذا التجاذبُ بينهم - كما يعلل الشيخ الكوثري - لكونه "كان ينظر في فقه المذاهب، ولا يتحزب لبعضها على بعض، بل يُنسب إليه القولُ بتصويب المجتهدين في الفروع، وهذا مما سهل عليه جمعَ كلمة أهل السنة حول دعوته الحقة"، فقد "سعى لجمع كلمتهم بكل حكمة". تبيين كذب المفتري، ص 117 - 118 (الحاشية رقم 1).
(2)
كلام باطل؛ فإن الذب عن العقائد أهم وأجل، وليس في الحديث تخصيص التجديد بالفروع. - المصنف.
ووفاة الأشعري تأخرت عن رأس القرن إلى بعد العشرين (1). . . وعندي لا يبعد أن يكون كلٌّ منهما مبعوثًا، هذا في فروع الدين وهذا في أصوله، وكلاهما شافعي. وأما المائة الرابعة فقد قيل: إن الشيخ أبا حامد الإسفراييني هو المبعوث فيها، وقيل: بل الأستاذ سهل [بن أبي سهل] الصعلوكي، وكلاهما من أئمة الشافعيين. قلت: والخامس الغزالي، والسادس فخر الدين الرازي، ويحتمل أن يكون الرافعي؛ لأن وفاته تأخرت إلى بعد العشرين وستمائة، والسابع الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد". (2)
فهذا حاصلُ كلام ابن السبكي بعد تجريده من التطويل، وقد قَفَّى جلالُ الدين السيوطي على أثر تاج الدين ابن السبكي، ورجا لنفسه أن يكون هو مجددَ المائة التاسعة. (3) وكلاهما حجَّر واسعًا من نعمة الله، فاحتكراها لعلماء الشافعية. ولا أعجبَ من إصرار السبكي في مطاوي ذلك أن يومئ إلى أن الدينَ عنده هو مذهبُ الشافعي إذ يقول:"ووجدنا جميعَ مَنْ قيل إنه المبعوثُ في رأس كل مائة مِمَّنْ تَمَذْهَبَ بمذهب الشافعي؛ فعلمنا أنه (أي الشافعي) الإمامُ المبعوث الذي استقر أمرُ الناس على قوله، وبعث بعده في رأس كل مائة سنة من يقرِّر مذهبه"، (4) وإذ يقول في منظومةٍ له نظمَ فيها المجددين على حسب اختياره:
(1) هذا غلط أعظم؛ فإن اعتبار البعث بوقت الوفاة عبث. - المصنف.
(2)
السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج 1، ص 200 - 292. وقول السبكي إنه لا يبعد أن يكون كل من ابن سريج والأشعري مبعوثين على رأس المائة الثالثة، هذا في أصول الدين وذاك في الفقه، إنما هو قول شيخه الذهبي كما ذكر هو نفسه. المرجع نفسه، ج 3، ص 26.
(3)
قال المناوي في شرح مقدمة الجامع الصغير للسيوطي: "وأومأ المصنفُ هنا وصرح في عدة [من] تآليفه بأنه المجددُ على رأس المائة التاسعة. قال في بعضها: قد أقامنا الله في منصب الاجتهاد لنبين للناس ما أدى إليه اجتهادُنا تجديدًا للدين، هذه عبارة. وقال في موضع آخر: ما جاء بعد السبكي مثلي، وفي آخر: الناس يدعون اجتهادًا واحدًا، وأنا أدعي ثلاثًا، إلى غير ذلك. وقد قامت عليه في زمنه بذلك القيامة، ولم تسلم له في عصره هامة، وطلبوا أن يناظروه فامتنع، وقال: لا أُناظَرُ إلا من مجتهدٍ مثلي، وليس في العصر مجتهد إلا أنا، كما حكى هو عن نفسه". فيض القدير، ج 1، ص 11.
(4)
السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج 1، ص 200.