المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها: - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ١

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌إهداء

- ‌فَاتِحَةُ الكِتَاب

- ‌بين يدي مقالات ابن عاشور ورسائله

- ‌تمهيد: أنا وتراث ابن عاشور:

- ‌محاولات سابقة لجمع مقالات ابن عاشور، ولكن

- ‌منهجنا في هذه الجمهرة جمعا وترتيبا:

- ‌شكر وعرفان ودعاء

- ‌ضميمة

- ‌المِحْوَرُ الأَوَّلفِي العَقِيْدَةِوَالتَفْسِيْر وَالفِكرِ وَالحِكمَةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلالعَقيْدَة والتّفسِيْر

- ‌تنبيه ونصيحة

- ‌الرحمن على العرش استوى

- ‌[مقدمة]

- ‌[موقع الآية من المتشابه]

- ‌[طريقة السلف إزاء المتشابه]

- ‌[الخلف وتأويل المتشابه]

- ‌[رأي المصنف]

- ‌تكليم الله لموسى عليه السلام

- ‌وجهُ تسمية يوم القيامة بيوم التغابن

- ‌عصمة الأنبياء

- ‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:

- ‌قول عياض:

- ‌[الخلاصة]:

- ‌شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌معنى الشفاعة:

- ‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها:

- ‌مراجعة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

- ‌المهدي المنتظر

- ‌[مقدمة]:

- ‌[مكانة حديث المهدي من تعاليم الإسلام]:

- ‌[مذاهب العلماء في المهدي]:

- ‌كيف نشأ القولُ بالمهدي المنتظر

- ‌[أنواع الآثار المروية في المهدي]:

- ‌الآثار المروية في المهدي:

- ‌الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث:

- ‌الرأى فيها من جهة النظر:

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيالفكْر وَالحكْمَة

- ‌من يجدد لهذه الأمة أمر دينها

- ‌[تمهيد]:

- ‌دعائم الإسلام:

- ‌معنى التجديد

- ‌مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد:

- ‌كيف يكون مبدأ تعيين المائة السنة

- ‌رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه:

- ‌رأي مجد الدين ابن الأثير في تعيين المجددين

- ‌التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده:

- ‌التوسم في تعيين المجددين بحسب أدلة الحق المبين:

- ‌[المائة الأولى]:

- ‌[المائة الثانية]:

- ‌[المائة الثالثة]:

- ‌[المائة الرابعة]:

- ‌[المائة الخامسة]:

- ‌[المائة السادسة]:

- ‌[المائة السابعة]:

- ‌[المائة الثامنة]:

- ‌[المائة التاسعة]:

- ‌[المائة العاشرة]:

- ‌[المائة الحادية عشرة]:

- ‌[انحلال الجامعة الإسلامية وتزايد الفتن]:

- ‌[المائة الثانية عشرة]:

- ‌التقوى وحسن الخلق

- ‌شرف الكعبة

- ‌اللذة مع الحكمة

- ‌احترام الأفكار

- ‌العلم عند الله

- ‌تحصيله:

- ‌المقدم منه والمتعين:

- ‌خطته:

- ‌نعيمه والغاية القصوى منه:

- ‌مسألة خفية من مباحث الفلسفة الإسلامية: وحدة الوجود

- ‌ابن سينا والحكمة المشرقية

- ‌[تمهيد]:

- ‌أصل الحكمة اليونانية المنقولة إلى العربية:

- ‌طريقة الشيخ ابن سيناء في الحكمة:

- ‌الحكمة المشرقية:

- ‌الكتاب المعنون "منطق المشرقيين

- ‌الإنسان على الأرض

- ‌عمر الإنسان: ماذا أردت

- ‌أصول التقدم والمدنية في الإسلام

- ‌[مقدمة]

- ‌ما هو الإسلام

- ‌[التأسيسات الأصلية]

- ‌[وحدة النوع الإنساني: ]

- ‌ظهور الإسلام

- ‌واجب المسلمين أن يقتنعوا بهداية الإسلام

- ‌واجب المسلمين: النصيحة

- ‌ما هو النصح والنصيحة

- ‌اضطلاع الناصح بحق النصيحة:

- ‌قبول المنصوح للنصيحة:

- ‌الرفق بالحيوان في الإسلام

- ‌تحرير مسألة في علم الهيئة

- ‌المحْوَر الثّانِيفِي فِقْهِ السُّنَّةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلفِقْه الحَدِيْث

- ‌التعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ونشأة علم الحديث

- ‌[تمهيد]:

- ‌الاهتمام بتدوين ما صحت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الغرض من تأليف الموطأ

- ‌ما المراد بالحديث الصحيح

- ‌[نسخ الموطإ]

- ‌اسم كتاب "الموطأ

- ‌تحقيق مسمى الحديث القدسي

- ‌[تقديم]:

- ‌ تعريف الحديث القدسي

- ‌صيغة رواية الحديث القدسي:

- ‌الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وبينه وبين غيره من الأحاديث النبوية:

- ‌مراجعة ما تضمنه كتاب "فتح الملك العلي

- ‌المراجعة الإجمالية:

- ‌المراجعة التفصيلية:

- ‌درس في موطأ الإمام مالك رضي الله عنه: "جامع القضاء وكراهيته

- ‌[تمهيد: القضاء بين الترغيب والترهيب]:

- ‌[العدل أساسُ صلاح العمران]:

- ‌[شرح الحديث]:

- ‌الأسانيد المريضة الرواية: "حديث طلب العلم فريضة

- ‌أقوال الحفاظ في رجال سنده:

- ‌آراء الحفاظ في حالته:

- ‌[روايات الحديث]:

- ‌التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس

- ‌خلق النور المحمدي

- ‌متن هذا الحديث:

- ‌مرتبة هذا الحديث من الصحة:

- ‌نقده من جهة اللفظ:

- ‌نقده من جهة المعنى:

- ‌دفع إشكال في حديث نبوي: "سألتُ ربي

- ‌سند هذا الحديث:

- ‌[معنى الحديث]:

- ‌حديث: من سُئل عن علمٍ فكتمه

- ‌[سند الحديث]:

- ‌معنى الحديث:

- ‌[مسائل في فقه الحديث]:

- ‌حديث: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم

- ‌سند الحديث واختلاف ألفاظه

- ‌معنى الحديث:

- ‌تحقيق الخبر المأثور: "لا رهبانية في الإسلام

- ‌معنى الرهبانية:

- ‌لا صفر

- ‌شهر رجب

- ‌شهر شعبان

- ‌لا عزاء بعد ثلاث

- ‌تحقيق معنى لفظ العزاء

الفصل: ‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها:

صحيح مسلم عن أنس: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس يشفع في الجنة"". (1) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة"، (2) يريد بشفاعة محمد؛ لأن التعريف للعهد. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل بأسانيدهم عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، قال الترمذي: هو "حديث حسن صحيح غريب". (3) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن مقام محمد المحمود هو الذي يخرج الله به من يخرج من النار. (4)

فشفاعةُ رسول الله يوم القيامة أمرٌ ثابت على الجملة بأدلة القرآن، قال الله تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وقال تعالى:{وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]، وثبوتها للنبي صلى الله عليه وسلم بأدلة من القرآن، قال تعالَى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} [الإسراء: 79]، وبما ثبت في الصحيح ورويناه آنفًا.

‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها:

والشفاعات على ما حققه أئمتنا خمسة أقسام:

الأول: الشفاعةُ إلى الله في إراحة الأمم من هول الموقف بأن يُعَجِّل حسابَهم. وتُسمى بالشفاعة العظمى؛ لأنَّها أعمُّ أقسام الشفاعات، وهي من خصائص محمد

(1) صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 196، ص 98.

(2)

صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 191، ص 92.

(3)

قال الترمذي في تعليقه على رواية أنس (2435): "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن جابر". وقال تعليقًا على رواية جابر بن عبد الله (2436) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: "هذا حديث غريب من هذا الوجه يُستغرب من حديث جعفر بن محمد". سنن الترمذي، "أبواب صفة القيامة"، ص 579، سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب السنة" الحديث 4739، ص 746؛ سنن ابن ماجه، "كتاب الزهد"، الحديث 3410، ص 629.

(4)

صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 320، ص 93 - 94. وسيأتِي ذكر الحديث الذي ورد فيه هذا التفسير بعد قليل.

ص: 90

- صلى الله عليه وسلم بصريح حديث البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان.

الثاني: الشفاعة لإدخال قوم من المؤمنين الجنة بغير حساب. وهذه أيضًا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم.

الثالث: الشفاعة في قوم استوجبوا النار، فيعتقهم الله منها.

الرابع: الشفاعة لإخراج المؤمنين من النار بعد أن يعذبوا، على ما اقتضاه حديثُ أنس وأبي هريرة وحذيفة في الصحيحين.

الخامس: الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة. (1)

وإطلاقُ اسم الشفاعة على القسم الأخير مجازٌ وتسامح، وإنما هي وساطةٌ ووسيلة لزيادة النفع. وفي كلام عياض ما يدل على أن هذا القسم ليس من خصائص محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ ورد في صحيح الآثار ما ظاهرُه أن الأنبياء والملائكة يشفعون هذه الشفاعة، وبذلك جزم عياض في إكمال مسلم. (2)

وأما بقية الأقسام، فاختصاصُ رسول الله بالقسم الأول - الذي هو الشفاعة العظمى - وبالقسم الثاني وبالقسم الثالث ثبت بصحيح البخاري التي لا معارضَ لها من مثلها. وأما القسم الرابع، فقد ورد في بعض صحيح الآثار أن الملائكة والأنبياء يشفعون. وبه جزم عياض في الإكمال أيضًا. (3) ولم يجب عياض عما تضمنه حديثُ الموطأ والصحيحين من اختصاص رسول الله بالشفاعة على الإطلاق.

وأرى أن يكونَ الجوابُ على مجاراة ما جزم به عياض رحمه الله، أن يكون محملُ حديث الموطأ والصحيحين:"أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي. . ."، فذكر

(1) راجع في هذه المعاني: اليحصبي: إكمال المعلم، ج 1، ص 566. وقارن بما ذكره في كتاب الشفا، ص 136.

(2)

اليحصبي: إكمال المعلم، ج 1، ص 567. هذا وأصل هذا التفصيل لأقسام الشفاعة هو ما قرره الإمام أبو الحسن الأشعري، فانظره في: ابن فورك: مجرد مقالات الأشعري، ص 167 - 170.

(3)

اليحصبي: إكمال المعلم، ج 1، ص 566.

ص: 91

منها: "وأعطيت الشفاعة": إما الشفاعةَ العظمى، فيكون التعريفُ للعهد أو للكمال. وإما على جنس الشفاعة بقيد تحقق إجابة شفاعته، لما ورد في حديث الصحيحين عن جابر وأنس وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لكل نبي دعوةٌ مستجابة، فأردتُ أن أختبئَ دعوتِي لأمتي يوم القيامة". (1)

وأما حديثُ "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، فهو يقتضي تخصيصَ الشفاعة بكونها لأهل الكبائر من المسلمين. فيتعين حملُ هذا الحديث على أن المراد بالشفاعة فيه القسمان الثالث والرابع، وهما اللذان يتحقق فيهما معنى الشفاعة بمعناه اللغوي الأتم؛ لأنها شفاعةٌ تتحقق بها النجاةُ من أثر الجناية نجاةً مستمرة. بخلاف الخامس؛ إذ إطلاقُ الشفاعة عليه مجاز، كما علمته.

والتحقيقُ عندي في شأن هذه الشفاعات أن ما ورد من الآثار مِمَّا ظاهرُه إثباتُ شفاعة النبيين وصالحي المؤمنين والملائكة أنها شفاعةٌ مجازية؛ لأنها إما دعاء، كقول النبيين على الصراط:"اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ"، (2) كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري في الصحيحين.

وإما شهادةٌ وتعريضٌ بالتشفع، كقول المؤمنين الناجين في شأن المؤمنين الذين أُدْخِلوا النار: "ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقول الله لهم: أخرجوا

(1) سبق تخريجه.

(2)

جاءت هذه العبارة في حديث طويل عن أبي هريرة أوله: "أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ "، ثم جاء فيه:"وتبقى هده الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ "، إلى آخر الحديث. صحيح البخاري، "كتاب الأذان"، الحديث 806، ص 130 - 131؛ "كتاب الرقاق"، الحديث 6573، ص 1137 - 1138؛ "كتاب التوحيد"، الحديث 7437، ص 1279 - 1278؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 195، ص 97 - 98. وقد جاءت العبارة محل الشاهد بلفظ:"رب! سلم سلم".

ص: 92

من عرفتُم". (1) فهذا إذنٌ من الله لهم بعد شهادتهم، كما اقتضاه حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم. وإما تلقي إذن من الله تعالى، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الصحيحين. وعليه فما وقع في بعض روايات حديث أبي سعيد في صحيح مسلم: "فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون"، (2) هو من باب المجاز، أي: وُسطت الملائكة، واستجيب دعاءُ النبيين بالسلامة، وقُبلت شهادةُ المؤمنين لأقوامهم بالإيمان والأعمال الصالحة.

وعليه فحملُ حديثِ الموطأ والصحيحين المصرح بأنه أعطي الشفاعة ولم يُعطها أحدٌ قبله، أن يكونَ على ظاهره. ويدل لذلك أن حديثَ الصحيحين المرويَّ عن أنس وأبي هريرة وحذيفة صريحٌ في أن القسم الرابع من الشفاعات من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لتفصِّي أفضل بقية الرسل منها.

وقد أنكر بعضَ أقسام الشفاعة طوائفُ من المبتدعة في الدين، وأولُ مَنْ أنكر الشفاعةَ الخوارجُ في عصر الصحابة. ففي صحيح مسلم عن يزيد الفقير قال:

"كنتُ قد شغفني رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عِصابة ذوي عدد، نريد أن نَحُج ثم نَخْرُجَ على الناس. (3) فمررنا على المدينة، فإذا جابرُ بن عبد الله جالس إلى سارية يحدث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين [أي أهل المعاصي الذين يخرجون من النار فيسميهم أهل الجنة الجهنميين، كما ورد في حديث عمران بن حُصَين وأنس بن مالك]. (4) قال (يزيد): فقلت له: يا صاحبَ رسول

(1) صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 183، ص 89.

(2)

انظر ذلك في الحديث نفسه، ص 90.

(3)

أي لبث دعوتهم ونشر أفكارهم.

(4)

ولفظ الحديث في رواية أنس: "يخرج قوم من النار بعد ما مَسَّهم منها سَفْعٌ فيدخلون الجنة، فيسميهم أهلُ الجنة الجهنميين". صحيح البخاري، "كتاب الرقاق"، الحديث 6559، ص 1135؛ "كتاب التوحيد"، الحديث 7450، ص 1284، ولفظه:"لَيُصيبَنَّ أقوَامًا سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يُدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: الجهنميون". وفي رواية عمران =

ص: 93

الله، ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول:{إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192]، و {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة: 20]. فما هذا الذي تقولون؟ قال [أي زيد]: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعتَ بمقام محمد عليه السلام (يعني الذي يبعثه الله فيه)؟ [يعني قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} [الإسراء: 79]، قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم -المحمود الذي يُخرج به مَنْ يُخرِج. قال: ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه. . ." (1)

وإن إنكار الشفاعة مبنِيٌّ على أصلهم؛ فإنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة مستوجبٌ الخلودَ في النار، إلا أن يتوب. فإن كان قد تاب، فالشفاعةُ محال؛ لأنها لا تفيد المشفوعَ فيه شيئًا لوجوب خلوده في النار. وأدلتُهم في ذلك ظواهرُ من القرآن تقتضي خلودَ مرتكِبِ الكبيرة والإيمان إلى أنه كافر. (2)

وتلك الأدلةُ عندهم أقامت لهم أصلًا قاطعًا من أصول الاعتقاد في نظرهم، واستدلوا على بطلان الشفاعة بالخصوص بقوله تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48]، وقوله:{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254]، فلذلك تأولوا الآيات التي تقتضي وجود الشفاعة لمنافاتها للأصل القاطع.

= ابن الحصين: "يخرج قومٌ من النار بشفاعة محمد، فيدخلون الجنة ويسمون الجهنَّمِيِّين". سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب السنة"، الحديث 4740، ص 746. وانظر كذلك سنن ابن ماجه، "كتاب الزهد"، الحديث 4315، ص 630، ولفظه عنده عن عمران بن الْحُصَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيَخْرُجَنَّ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بشَفَاعَتِي، يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ".

(1)

صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 320، ص 93 - 94. ما بين حاصرتين زيادة من المصنف.

(2)

انظر في ذلك: الأشعري، الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، نشرة بعناية أحمد جاد (القاهرة: دار الحديث، 1430/ 2009)، ص 66 - 78.

ص: 94

وقد كان حديث جابر هذا من أعظم الحجج على بطلان مقالة الخوارج. ولذلك لَمَّا حدَّث به عصابةَ يزيد الفقير التي عزمت على الخروج على الناس تبعًا للخوارج، علمت تلك العصابةُ صدقَ ذلك الصحابي الشيخ. قال يزيد الفقير:"فرجعنا. فلا والله! ما خرج منا غير رجل واحد".

ووافقهم المعتزلةُ على ذلك مع اختلاف الدليل؛ وذلك أن المعتزلة يقولون بخلود مرتكبِ الكبيرة في النار إذا لم يتب، ولا يجوِّزون المغفرةَ له؛ لأن الإحسانَ للمسيء والإساءةَ للمحسن قبيحٌ يستحيل صدورُه من الله تعالى، وتأولوا ما ورد في الشفاعة بأنها شفاعةٌ لرفع الدرجات في الجنة.

ومذهبُنا - معاشرَ أهل السنة - أن الشفاعةَ ثابتة؛ وسبيلُنا في ذلك أنها جائزة، وأنها ليست بقبيح، وأن الصفح عن بعض عقاب المذنب ليس بقبيح. وأدلتُنا السمعيةُ واضحةٌ من الكتاب والسنة، ومحملُ آيات نفي الشفاعة على الكفار بقرينة قوله:{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)} [غافر: 18]؛ لأن اصطلاح القرآن في الظلم أنه الشرك، قال تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)} [لقمان: 13]، وقال:{وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)} [الأنبياء: 29]، ونظائرُ ذلك كثيرة. واعلم أن الشفاعةَ التي ينكرها هؤلاء هي الأقسامُ الثاني والرابع، ولم ينكروا الشفاعةَ للإراحة من هَوْلِ الموقف ولا الشفاعةَ من رفع الدرجات، كما حققه عياض رحمه الله في الإكمال. (1)

(1) اليحصبي: إكمال المعلم، ج 1، ص 426 - 427 و 438. وقارن بما قاله ابن العربي: المسالك، ج 6، ص 302 - 303.

ص: 95