المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل: - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ١

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌إهداء

- ‌فَاتِحَةُ الكِتَاب

- ‌بين يدي مقالات ابن عاشور ورسائله

- ‌تمهيد: أنا وتراث ابن عاشور:

- ‌محاولات سابقة لجمع مقالات ابن عاشور، ولكن

- ‌منهجنا في هذه الجمهرة جمعا وترتيبا:

- ‌شكر وعرفان ودعاء

- ‌ضميمة

- ‌المِحْوَرُ الأَوَّلفِي العَقِيْدَةِوَالتَفْسِيْر وَالفِكرِ وَالحِكمَةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلالعَقيْدَة والتّفسِيْر

- ‌تنبيه ونصيحة

- ‌الرحمن على العرش استوى

- ‌[مقدمة]

- ‌[موقع الآية من المتشابه]

- ‌[طريقة السلف إزاء المتشابه]

- ‌[الخلف وتأويل المتشابه]

- ‌[رأي المصنف]

- ‌تكليم الله لموسى عليه السلام

- ‌وجهُ تسمية يوم القيامة بيوم التغابن

- ‌عصمة الأنبياء

- ‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:

- ‌قول عياض:

- ‌[الخلاصة]:

- ‌شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌معنى الشفاعة:

- ‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها:

- ‌مراجعة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

- ‌المهدي المنتظر

- ‌[مقدمة]:

- ‌[مكانة حديث المهدي من تعاليم الإسلام]:

- ‌[مذاهب العلماء في المهدي]:

- ‌كيف نشأ القولُ بالمهدي المنتظر

- ‌[أنواع الآثار المروية في المهدي]:

- ‌الآثار المروية في المهدي:

- ‌الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث:

- ‌الرأى فيها من جهة النظر:

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيالفكْر وَالحكْمَة

- ‌من يجدد لهذه الأمة أمر دينها

- ‌[تمهيد]:

- ‌دعائم الإسلام:

- ‌معنى التجديد

- ‌مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد:

- ‌كيف يكون مبدأ تعيين المائة السنة

- ‌رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه:

- ‌رأي مجد الدين ابن الأثير في تعيين المجددين

- ‌التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده:

- ‌التوسم في تعيين المجددين بحسب أدلة الحق المبين:

- ‌[المائة الأولى]:

- ‌[المائة الثانية]:

- ‌[المائة الثالثة]:

- ‌[المائة الرابعة]:

- ‌[المائة الخامسة]:

- ‌[المائة السادسة]:

- ‌[المائة السابعة]:

- ‌[المائة الثامنة]:

- ‌[المائة التاسعة]:

- ‌[المائة العاشرة]:

- ‌[المائة الحادية عشرة]:

- ‌[انحلال الجامعة الإسلامية وتزايد الفتن]:

- ‌[المائة الثانية عشرة]:

- ‌التقوى وحسن الخلق

- ‌شرف الكعبة

- ‌اللذة مع الحكمة

- ‌احترام الأفكار

- ‌العلم عند الله

- ‌تحصيله:

- ‌المقدم منه والمتعين:

- ‌خطته:

- ‌نعيمه والغاية القصوى منه:

- ‌مسألة خفية من مباحث الفلسفة الإسلامية: وحدة الوجود

- ‌ابن سينا والحكمة المشرقية

- ‌[تمهيد]:

- ‌أصل الحكمة اليونانية المنقولة إلى العربية:

- ‌طريقة الشيخ ابن سيناء في الحكمة:

- ‌الحكمة المشرقية:

- ‌الكتاب المعنون "منطق المشرقيين

- ‌الإنسان على الأرض

- ‌عمر الإنسان: ماذا أردت

- ‌أصول التقدم والمدنية في الإسلام

- ‌[مقدمة]

- ‌ما هو الإسلام

- ‌[التأسيسات الأصلية]

- ‌[وحدة النوع الإنساني: ]

- ‌ظهور الإسلام

- ‌واجب المسلمين أن يقتنعوا بهداية الإسلام

- ‌واجب المسلمين: النصيحة

- ‌ما هو النصح والنصيحة

- ‌اضطلاع الناصح بحق النصيحة:

- ‌قبول المنصوح للنصيحة:

- ‌الرفق بالحيوان في الإسلام

- ‌تحرير مسألة في علم الهيئة

- ‌المحْوَر الثّانِيفِي فِقْهِ السُّنَّةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلفِقْه الحَدِيْث

- ‌التعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ونشأة علم الحديث

- ‌[تمهيد]:

- ‌الاهتمام بتدوين ما صحت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الغرض من تأليف الموطأ

- ‌ما المراد بالحديث الصحيح

- ‌[نسخ الموطإ]

- ‌اسم كتاب "الموطأ

- ‌تحقيق مسمى الحديث القدسي

- ‌[تقديم]:

- ‌ تعريف الحديث القدسي

- ‌صيغة رواية الحديث القدسي:

- ‌الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وبينه وبين غيره من الأحاديث النبوية:

- ‌مراجعة ما تضمنه كتاب "فتح الملك العلي

- ‌المراجعة الإجمالية:

- ‌المراجعة التفصيلية:

- ‌درس في موطأ الإمام مالك رضي الله عنه: "جامع القضاء وكراهيته

- ‌[تمهيد: القضاء بين الترغيب والترهيب]:

- ‌[العدل أساسُ صلاح العمران]:

- ‌[شرح الحديث]:

- ‌الأسانيد المريضة الرواية: "حديث طلب العلم فريضة

- ‌أقوال الحفاظ في رجال سنده:

- ‌آراء الحفاظ في حالته:

- ‌[روايات الحديث]:

- ‌التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس

- ‌خلق النور المحمدي

- ‌متن هذا الحديث:

- ‌مرتبة هذا الحديث من الصحة:

- ‌نقده من جهة اللفظ:

- ‌نقده من جهة المعنى:

- ‌دفع إشكال في حديث نبوي: "سألتُ ربي

- ‌سند هذا الحديث:

- ‌[معنى الحديث]:

- ‌حديث: من سُئل عن علمٍ فكتمه

- ‌[سند الحديث]:

- ‌معنى الحديث:

- ‌[مسائل في فقه الحديث]:

- ‌حديث: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم

- ‌سند الحديث واختلاف ألفاظه

- ‌معنى الحديث:

- ‌تحقيق الخبر المأثور: "لا رهبانية في الإسلام

- ‌معنى الرهبانية:

- ‌لا صفر

- ‌شهر رجب

- ‌شهر شعبان

- ‌لا عزاء بعد ثلاث

- ‌تحقيق معنى لفظ العزاء

الفصل: ‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:

‌عصمة الأنبياء

(1)

‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:

العصمةُ اسمٌ اصطلح أئمةُ علم الكلام على وصف الأنبياء بها، وبعضُهم يعبِّر عنها بالأمانة. واسم العصمة مأخوذٌ من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري في صحيحه عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانةٌ تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم مَنْ عصم الله تعالَى". (2)

والعصمة: المنعُ أو الحفظ، على خلاف في أنها منعٌ من المعصية جعله الله في ذات النبي، أو هي حفظٌ من الله للنبي من إتيان المعصية عند إرادتها. وعرف السيد الجرجاني العصمةَ فقال:"العصمةُ ملكةُ اجتنابِ المعاصي مع التمكُّن منها". (3)

(1) لَمْ نتمكن من الحصول على أصل هذه المقالة ولا معرفة المصدر الذي نشرت فيه أول مرة من المجلات التي اعتاد الشيخ أن ينشر فيها، وإنما نقلنا نصَّها كما هو في كتاب "تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة". وقد ألفينا في النص اضطرابًا في بعض المواضع لَم يتسن لنا تبين الوجه في تقويم بعضه، وعسى أن نتدارك ذلك في المستقبل.

(2)

صحيح البخاري، "كتاب الأحكام"، الحديث 1898، ص 1240.

(3)

الجرجاني، علي بن محمد الشريف: كتاب التعريفات، تحقيق مع زيادات بعناية محمد عبد الرحمن المرعشلي (بيروت: دار النفائس، 1424/ 2003)، ص 228. وعرف الراغب الأصفهاني العصمةَ بأنها "فضلٌ إلهي يقوى به الانسان على تحري الخير وتجنب الشر، حتى يصير كمانع له من باطنه، وإن لم يكن منعًا مَحْسوسًا، وإياه عُنِيَ بقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] ". الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل: الذريعة إلى مكارم الشريعة، تحقيق أبي اليزيد العجَمي (القاهرة: دار السلام، 1428/ 2007)، ص 120.

ص: 74

والقائلون بالعصمة منهم مَنْ يقول: المعصوم هو الذي لا يُمكنُه الإتيانُ بالمعاصي. ومنهم مَنْ يقول: لا يأتي بها بتوفيق الله تعالى له، وتهيئة ما يتوقف عليه الامتناعُ منها، لقوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110]، مع قوله:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74)} [الإسراء: 74]. وأيضًا لو كان المعصومُ مسلوبَ الاختيار لمَا استحقَّ على عصمته مدحًا، ولبطل الأمرُ والنهيُ والثوابُ والعقاب.

وعُدَّت أسبابُ العصمة أربعة: أحدها: العدالة، والثاني: حصولُ العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، والثالثُ: تأكدُ ذلك بالوحي الإلهي، والرابعُ: خوفُ المؤاخذة على ترك الأولى والنسيان. فإذا حصلت هذه الأمور، صارت النفسُ معصومة. وقال أبو منصور الماتريدي:"العصمةُ لا تُزيل المحنة، يعني لا تجبر المعصومَ على الطاعة ولا تجيره من المعصية، بل هي لُطفٌ من الله يحمله على فعل الخير ويزجره عن الشر، مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء والاختبار". (1)

والمرادُ بالعصمة العصمةُ من ارتكاب الذنوب، أي المعاصي والذنوب، وهي تنقسم عند الجمهور إلى كبائر وصغائر. وذهب جمعٌ قليل إلى أن الذنوبَ والمعاصي ليس منها صغائر، ونُسب إلى ابن عباس. وهو قولُ القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي (2) من المالكية، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (3) والشيخ تقي الدين السبكي من

(1) انظر في ذلك القاري، الملا علي بن سلطان: شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة النعمان، تحقيق مروان محمد الشعار (بيروت: دار النفائس، 1417/ 1997)، ص 132. وعبارة "يعني لا تجبر المعصوم على الطاعة ولا تجيره من المعصية" من كلام الشارح الملا علي القاري، وليست من كلام الماتريدي.

(2)

هو أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي، أحد الأعلام. سمع من عمر بن سنبك وجماعة، وتفقه على ابن القصّار وابن الجلاب، ورأى أبا بكر الأبهري. انتهت إليه رئاسةُ المذهب المالكي في العراق. توُفِّيَ بمصر سنة 422 هـ. من مؤلفاته كتاب "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، وكتاب "المعونة في نصرة مذهب عالم المدينة"، و"شرح الرسالة"(لابن أبي زيد القيرواني)، وغيرها.

(3)

هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الإسفراييني، عالم بالفقه والأصول، كان يلقب بركن الدين، وهو أول مَنْ لُقِّب به من الفقهاء. نشأ في إسفرايين (بين نيسابور وجرجان)، =

ص: 75

الشافعية. (1) ونسبه ابنُ عطية إلى القاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين. (2) والذي في جمع الجوامع أن إمام الحرمين قائلٌ بتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وهو صريحُ كلامه في كتاب الإرشاد. (3) وأحسن ما حُدِّدت به الكبيرةُ ما قاله إمامُ الحرمين في الإرشاد:"إنها كلُّ جريرة تُؤْذِنُ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة"، (4) وعدوا ثمانٍ وثلاثين معصيةً كبائر. (5)

= ثم خرج إلى نيسابور وبُنيت له مدرسةٌ كبيرة فدرَّس فيها، ورحل إلى خراسان وبعض أنحاء العراق، فاشتهر بين الخاصة والعامة وذاع صيته بين طلبة العلم. ألف في علم الكلام كتابه الكبير، الذي سماه "الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين". تُوفِّيَ الإسفراييني في يوم عاشوراء سنة 410/ 1027 بنيسابور، ثم نقل إلى إسفرايين ودفن بها، وكان قد نيف على الثمانين.

(1)

وفي ذلك يقول السبكي (ت 771 هـ): "الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون، لا يصدر عنهم ذنبٌ ولو صغيرة سهوًا، وفاقًا للأستاذ [يعني أبا إسحاق الإسفراييني] والشهرستاني وعياض والشيخ الإمام [يعني والده علي عبد الكافي المتوفَّى سنة 756 هـ] ". البناني: حاشية العلامة البناني، ج 2، ص 145.

(2)

ابن عطية: المحرر الوجيز، ج 2، ص 43 - 44.

(3)

وفي ذلك يقول الجويني: "فإن قيل: بَيِّنوا لنا عصمةَ الأنبياء وما يجب لهم، قلنا: تجب عصمتُهم عما يناقض مدلولَ العجزة، وهذا مما نعلمه عقلًا، ومدلولُ المعجزة صدقُهم فيما يبلغون. فإن قيل: هل تجب عصمتُهم عن المعاصي؟ قلنا: أما الفواحشُ المؤذنة بالسقوط وقلة الديانة، فتجب عصمةُ الأنبياء عنها إجماعًا. ولا يشهد لذلك العقل، وإنما يشهد العقلُ لوجوب العصمة عما يناقض مدلولَ المعجزة. وأما الذنوبُ المعدودة من الصغائر، على تفصيل سيأتي الشرح عليه، فلا تنفيها العقول". الجويني: كتاب الإرشاد، ص 298.

(4)

الجويني: كتاب الإرشاد، ص 329. وبقية كلام الجويني:"فهي [أي الكبيرة] التي تحط العدالة، وكل جريرة لا تؤذن بذلك بل تبقي حسنَ الظن ظاهرًا لصاحبه، فهي التي لا تحط العدالة؛ وهذا ما يتميز به أحد الضربين [أي الكبيرة والصغيرة] عن الآخر".

(5)

وقد أوصلها الذهبي إلى ست وسبعين. انظر: الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز: كتاب الكبائر وتبيين المحارم، تحقيق محيي الدين مستو (دمشق/ بيروت: دار ابن كثير، بدون تاريخ). ولعل مرجع الاختلاف في عد الكبائر وحصرها هو عدم الاتفاق على ضوابط محددة في ذلك.

ص: 76

وفي الفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة: "الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الكبائر". (1) فأما أصحاب الأشعري فمنعوا الكبائر مطلقًا، وجوزوا الصغائرَ سهوًا. وذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في "الإيجاز" أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم معصومٌ فيما يؤديه عن الله تعالى، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (2)

قال التفتازاني في المقاصد: واختلفوا في صدور بعض المعاصي من الأنبياء على التفصيل، والجمهور على وجوبِ عصمتهم عما ينافِي مقتضى المعجزة - وهو دلالتُها على قول الله تعالى:"صدق عبدي فيما أخبر به عني". (3) - لا عمدًا ولا سهوًا، وجوَّز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوعَ ذلك سهوًا، ولم يرتضه الجمهور. والمذهبُ عند جمهور الأشاعرة منعُ صدور الكبائر بعد البعثة وقبلها. (4) وأما الصغائرُ فلا تصدر

(1) القاري: شرح الفقه الأكبر، وعبارة الكلام المنسوب إلى أبي حنيفة قولُه:"والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم منزهون من الصغائر والكبائر والكفر والقبائح"، ص 126.

(2)

ليس للقاضي أبي بكر الباقلاني كتابٌ بعنوان "الإيجاز" فيما أعلم، ولم أعثر في كتبه التي اطلعت عليها على كلام يشبه ما نسبه له المصنف هنا. وهذا الكلام أورده بحرفه أبو عذبة ونسبه للقاضي أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري المالكي (280 - 364 هـ)، نقلًا عن كتابه "الإيجاز في الحديث" وهو مصنَّف في جوامع الكلم النبوي مع الشرح. أبو عذبة الحسن بن عبد المحسن: الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية، تحقيق عبد الرحمن عميرة (بيروت: عالم الكتب، 1409/ 1989)، ص 88.

(3)

هذا الكلام المعترض ليس للتفتازاني، وربما أخذه المصنف من القاضي عياض حيث يقول:"إذا قامت المعجزة على صدقه (أي النبي)، وأنه لا يقول إلا حقًّا، ولا يبلغ عن الله إلا صدقًا، وأن المعجزة قائمة مقامَ قول الله له: صدقتَ فيما تذكره عني. . . فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص. فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله واجب برهانًا وإجماعًا، كما قال أبو إسحاق رضي الله عنه". اليحصبي: الشفا، ص 331.

(4)

وهو كذلك مذهب القاضي عبد الجبار من المعتزلة. الأسدآبادي، القاضي أبو الحسين عبد الجبار بن أحمد: المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج 15: النبوات والمعجزات، تحقيق محمود قاسم ومراجعة إبراهيم مدكور (طبعة مصورة عن نشرة القاهرة بدون اسم الناشر ولا مكان النشر ولا تاريخه)، ص 300 - 316.

ص: 77

منهم بعد البعثة عمدًا، ويجوز صدورُها منهم سهوًا، لكن لا يصرون عليها ولا يقرون. (1) وذهب إمامُ الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا. قال إمام الحرمين في الإرشاد:"وأما الذنوب المعدودة من الصغائر، [على تفصيل سيأتي الشرحُ عليه، فلا تنفيها العقول]، ولم يقم عندي قاطعٌ سمعي على نفيها (أي: عدم وقوعها) ولا على إثباتها (أي: جواز وقوعها)؛ إذ القواطع نصوص أو إجماع، ولا إجماعَ، إذ العلماء مختلفون في تجويز وقوع الصغائر على سائر الأنبياء. والنصوص التي تُثبت حصولَها قطعًا، ولا يقبل فحواها التأويلَ، غيرُ موجودة. فإن قيل: إذا كانت المسألة مظنونة فما الأغلب على الظن عندكم؟ قلت: الأغلب جوازها، [وقد شهدت أقاصيصُ الأنبياء في الآي من كتاب الله تعالى على ذلك] ". (2)

واستدل أبو بكر الباقلاني لرأيه بقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]؛ إذ لا يُقالُ لِمَنْ لا ذنبَ له كالطفل والمجنون: قد غفرت لك، ولأن الآية وردت في معرض الامتنان، فلو لم يكن له ذنبٌ لم يكن له وجه، وبقوله:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]، وبقوله:{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)} [طه: 121]، وبقوله:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} [الأعراف: 23]، وبقوله:{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 24]، وبقوله حكايةً عن

(1) ساق المصنف كلامَ التفتازاني بتصرف غير يسير. انظر التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله: شرح المقاصد، نشرة بعناية إبراهيم شمس الدين (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1422/ 2001)، ج 3، ص 309 - 310.

(2)

الجويني: كتاب الإرشاد، ص 298 - 299 (ما بين قوسين شرح من المصنف، وما بين حاصرتين من كلام الجويني لم يورده المصنف وسقناه استكمالًا لمساق المعنى). وانظر له في ذلك أيضًا: البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم الديب (المنصورة/ مصر: دار الوفاء، ط 1، 1412/ 1992)، ج 1، ص 319 - 321.

ص: 78

يونس: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} [الأنبياء: 87] ، وغيرها من الآيات الواردة في نفس هذا المعنى. (1)

وقال الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام: "والأصح أنهم معصومون عن الصغائر عصمتَهم عن الكبائر؛ فإن الصغائر إذا توالت صارت بالاتفاق كبائر، [وما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام]. لكن المجوز عليهم عقلًا وشرعًا مثل ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازًا وجوازًا، وحظرًا وحظرًا. ولكن التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي التشديدَ على غيرهم في كبائر الأمور". (2) وكلامه لا يدل على وجوب العصمة قبل البعثة. ونقل في الفقه الأكبر ما يقارب كلامَ الشهرستاني. (3) ووجه آخر، وهو أن يتركوا الأفضلَ كآدم عليه السلام حين قاسمه إبليس حتى نسي النهي، وظن أنه يحترم اسم الله العظيم وترك الأفضل، وهو غاية الأمر، ولهذا قال الله تعالى في حقه:{فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)} [طه: 115].

فأما ما قبل النبوة أو قبل أن يوحى إليه في فعل بعد النبوة، فالذي عليه الأكثرُ منعُ إنشاء الذنب والإصرار، لئلَّا تزول العصمةُ أصلًا. وجوزوا وقوعَ ذلك على سبيل الندرة، كقصة يوسف وإخوانه - وقد اختلف في كونهم أنبياء. والمرجح أن الأنبياء معصومون بعد النبوة صيانةً لمنصب النبوءة وحماية لأبهة الرسالة، ألا ترى قوله تعالى حكاية عن نبينا صلى الله عليه وسلم:{فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} [يونس: 16]؟ يعني لبثت بين ظهرانيكم أربعين سنة وما رأيتم افتراءً ولا خيانة فإنه صلى الله عليه وسلم كان مشهورًا فيما بينهم بمحمد الأمين صلى الله عليه وسلم. (4)

(1) وقد ساق القاضي عياض تلك الأدلة وناقشها، فانظرها في: الشفا، ص 355 - 368.

(2)

الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم: نهاية الإقدام في علم الكلام، تحقيق أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1425/ 2004)، ص 248.

(3)

القاري: شرح الفقه الأكبر، ص 128.

(4)

انظر تفاصيل المذاهب في مسألة العصمة وما فيها من تقريرات وردود ونقوض في: الآمدي، سيف الدين: أبكار الأفكار في أصول الدين، تحقيق أحمد علي المهدي (القاهرة: مكتبة دار الكتب =

ص: 79