الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم
- (1)
جاءني من الأستاذ السيد حسن قاسم مدير مجلة "هدى الإسلام" كتابٌ يشعرني فيه بالعزم على إصدار عدد ممتاز من المجلة لذكرى مولد الرسول عليه الصلاة والسلام، ورجا مني أن أكتبَ كلمةً في ذلك. ولكن هذا الكتاب بلغني بآخرة من الوقت، في حال تراكم أشغال بين يدي. ولولا أني أغتبطُ بالمشاركة في هذا العمل المبارك، لَلُذْتُ بالاعتذار.
وقد تذكرت أنِّي كنتُ وعدت على صفحات مجلة هدى الإسلام أن سأكتب في حديث: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، (2) إجابةً لسؤال الأستاذ حسن إبراهيم موسى الذي أرجأته منذ مدة. فقلت: هذا واجبُ الوفاء قد أظل زمانُه وأقام، ورأيتُ هذا البحثَ جديرًا بالتحقيق والتحرير لتعلقه بالسيرة وبأصول الدين.
معنى الشفاعة:
الشفاعةُ توسُّطُ سيِّدٍ أو حبيب أو ذي نفوذ لِمن يملك عقوبة أو حقًّا بأن يعدل عن الأخذ به، وقد كانت عند العرب في الغالب من شعار الود. وفي الحديث:"قالوا هذا حرِيٌّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يشَفَّع". (3)
(1) لَم يتيسر لنا الاطلاعُ على عدد مجلة "هدى الإسلام" الذي نُشِرَ فيه هذا المقال، وقد اعتمدنا في ضبط نصه على كتاب "تحقيقات وأنظار".
(2)
سنن الترمذي، "أبواب صفة القيامة"، الحديث 2435 - 2436، ص 579؛ السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث: سُنَنُ أبي دَاوُد، نشرة بعناية محمد عبد العزيز الخالدي (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1420/ 1999)، "كتاب السنة"، الحديث 4739، ص 746.
(3)
جزء من حديث سهل بن سعد الساعدي. صحيح البخاري، "كتاب النكاح"، الحديث 5091، ص 910 - 911؛ وانظر كذلك "كتاب الرقاق"، الحديث 6447، ص 1119؛ سنن ابن ماجه، =
وفي شفاعة الحبيب، قال الشاعر:
وَنُبِّئْتُ لَيْلَى أَرْسَلَتْ بِشَفَاعَةٍ
…
إلَيَّ فَهَلَّا نَفْسُ لَيْلَى شَفِيعُهَا (1)
شفع الشعراء عند الملوك لِمَا للشعر من النفوذ: شفع علقمة الفحل عند الملك عمرو بن هند في أخيه شاس وأسرى من قومه، ولم يتوسل له إلا بكونه نزيلًا في بلاده غريبًا عن قومه، فقال:
فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا مِنْ شَفَاعَةٍ
…
فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ (2)
وقد تُطلق الشفاعةُ مجازًا وتسامُحًا على الوساطة في الخير ورفع الدرجة. ومنه قوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"اشفعوا فلتؤجروا، وليقضِ الله على لسان رسوله ما شاء"، (3) وقول دعبل الخزاعي:(4)
= نشرة بعناية صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ (الرياض: دار السلام، 1420/ 1999)، "كتاب الزهد"، الحديث 4120، ص 601.
(1)
البيت هو الأول من مقطوعة من بيتين في حماسة أبي تمام. المرزوقي: شرح ديوان الحماسة، ج 3، ص 1220 (الحماسية 455). وقد اختلف في نسبته، فقيل هو للصمة بن عبد الله القشيري، وقيل هو لعبد الله بن الدمينة، وقيل هو لغيرهما.
(2)
في رواية الأصمعي للقصيدة (وهي من تسعة وثلاثين بيتًا، آخرها البيت المستشهد به) أن علقمة قالها في مدح الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني، وكان أسر أخاه شاسًا، فرحل إليه يطلب فكه. ديوان علقمة بن عبدة الفحل (بشرح الأعلم الشمنتري) تحقيق لطفي الصقال ودرية الخطيب (حلب: دار الكتاب العربي، ط 1، 1389/ 1969)، ص 48. ويقال إن علقمة أنشد هذه القصيدة جبلةَ بن الأيهم بمحضر النابغة الذبياني وحسان بن ثابت، ويقال أيضًا إن الذي أنشدها عمرو بن الحارث الأعرج.
(3)
صحيح البخاري، "كتاب الأدب"، الحديثان 6027 - 6028، ص 1053؛ صحيح مسلم، "كتاب البر والصلة والآداب"، الحديث 2627، ص 1014؛ سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب الأدب"، الحديث 5131، ص 801. واللفظ للبخاري.
(4)
هو أبو علي محمد بن علي بن رزين بن ربيعة الخزاعي، ولد بالكوفة سنة 148/ 765. لقبته الداية بدِعبل، لدعابة كانت فيه؛ أرادت "ذعبلًا"، فقلبت الذال دالًا. شبّ دِعبل في بيت اختص =
شَفِيعَكَ فَاشْكُرْ فِي الْحَوَائِجِ إِنَّهُ
…
يَصُونُكَ عَنْ مَكْرُوهِهَا وَهُوَ يَخْلُقُ (1)
ومن الشواهد لذلك نكتةٌ تاريخية قلَّ مَنْ يتفطن لها، وهو ما وقع في ظهير الخليفة القادر بالله الذي أصدره للسلطان يمين الدولة محمود الغزنوي بولاية خراسان، فقد جاء فيه:"وليناك كورةَ خراسان، ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد الإسفراييني". (2)
والمرادُ بالشفاعة الثابتة لرسول الله شفاعتُه يومَ القيامة للناس عند الله تعالى لدفع ما يلاقونه من العذاب. وإذ قد أراد الله تعالَى إكمالَ الفضائل لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، كان من جملة ما أعطاه أن أعطاه فضيلةَ الشفاعة وسماها بالمقام المحمود فقال تعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} [الإسراء: 79]، تكميلًا لفضائله في الآخرة، على حسب ما له من السؤدد والقبول عند الله تعالى. فقد أعطى أهلَ السيادة الدنيوية
= بالشعر؛ فجده رزين شاعر، وأبوه علي كان من شعراء عصره، وعمه عبد الله بن رزين أحد الشعراء، وابن عمه محمد بن عبد الله (الملقب بأبي الشيص). شاعر له ديوان، وأخواه علي أبو الحسن ورزين من الشعراء المشهورين. وعن هؤلاء جميعًا أخذ دعبل، ومنهم تعلم؛ فتلقف أبجدية الشعر وأصوله، وفهم معانيه وغاص في بحوره، وحفظ الكثير من الأبيات والقصائد. خرج من الكوفة إلى الحجاز مع أخيه رزين، وإلى الري وخراسان مع أخيه علي. رافق مسلم بن الوليد الشاعر المتصرف في فنون القول ذا الأسلوب الحسن، ليأخذ الأدب عنه ويستقي من فنون الشعر عنده، حيث كان ابن الوليد - كما قيل عنه - أول من قال الشعر المعروف بالبديع، وتبعه فيه أبو تمام وغيره. رحل دعبل إلى بغداد واستقر بها، وكان شاعرًا هَجَّاءً، متشيعًا، غير هياب، حتى إنه هجا الرشيدَ والمأمون والمعتصم والواثق! وكان صديقًا للبحتري، وصنف كتابًا في طبقات الشعراء. توُفِّيَ سنة 246/ 860.
(1)
لهذا البيت قصةٌ في العلاقات الأدبية بين الشعراء رواها هارون بن عبد الله المهلبي، وذكرها الأصفهاني في أخبار أبي تمام، فانظرها في: الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم القرشي الأموي: الأغاني، تحقيق قصي الحسين (بيروت: منشورات دار ومكتبة الهلال، ط 1، 1422/ 2002)، ج 6/ 16، ص 266 - 267.
(2)
تعذر علينا توثيق هذا الظهير، ولعل قارئًا خبيرًا بوثائق التاريخ يهدينا إليه.
استدراك: ورد هذا النص في "شرح المقاصد في علم الكلام" للتفتازاني، ج 2/ ص 239، وأورده ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير 3/ 15 طبعة الدار التونسية.
الزائلة خصلةَ الشفاعة الزائلة، وأعْطى صاحبَ السيادة الحقة الدائمة الشفاعةَ الصادقة في دار الخلود، وخصه بها كما خصه بفضائلَ لم يشاركه فيها أحد.
فقد روى مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأُحِلت لِيَ الغنائم، وأُعطيتُ الشفاعةَ، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خاصة وبُعِثْتُ إلى الناس عامة". (1)
وفي صحيحَيْ البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وأبي هريرة وحذيفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق. فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيهتمون لذلك، فيُلهمون فيقولون: لو استشفعنا إلَى ربنا حتى يريحنا من مكاننا، ثم ذكر أنهم يأتون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى (فكلٌّ يعتذر)، وأن عيسى يقول: ائتوا محمدًا عبدًا قد غُفرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتوني فأستأذن على ربّي فيأذن لي فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، قُلْ تُسمع، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفع رأسي فأحمد ربّي بتحميد يعلمنيه ربّي، ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ساجدًا". (2)
(1) لَم أجده في الموطأ برواياته الثمانية، فيبدو أن الإحالة على مالك والموطأ زلة قلم، أو لعله في نسخة ابن بشكوال من الموطأ التي سيأتِي ذكرُها في مقال المصنف عن الموطأ ونشأة علم الحديث. صحيح البخاري، "كتاب التيمم"، الحديث 335، ص 58؛ "كتاب المساجد"، الحديث 438، ص 76؛ صحيح مسلم، "كتاب المساجد ومواضع الصلاة"، الحديث 521، ص 194.
(2)
أورد المصنف الحديث مختصرًا، فانظره في: صحيح البخاري، "كتاب التفسير"، الحديث 4476، ص 760؛ "كتاب الرقاق"، الحديث 6565، ص 1135 - 1136؛ "كتاب التوحيد"، الحديث 7410، ص 1274 - 1275 والحديث 7510، ص 1293 - 1294؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 193، ص 94 - 95؛ سنن الترمذي، "أبواب صفة القيامة"، الحديث 2434، ص 578 - 579.
ووصف مثل ما وصف في المرة الأولى: "ثم أشفع فيحد لِي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة: قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة: فأقول ما بقي في النار إلا ما حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود". (1) وزاد مسلم عن حذيفة: "ويقوم محمد فيؤذن له، وتُرسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبَتَيْ الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولُكم كالبرق. . . ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرحال، تجري بهم أعمالُهم، ونبيُّكم قائم على الصراط يقول: رب سَلِّمْ سَلِّمْ، حتى تعجِزَ أعمالُ العباد حتى يجيء الرجلُ فلا يستطيع السيرَ إلا زحفًا. . . وفي حافَّتَيْ الصراط كلاليبُ معلقة مأمورة بأخذ من أُمِرت به، فمخدوشٌ ناجٍ ومكدوسٌ في النار". (2)
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك - يزيد بعضُهم على بعض - عن رسول لله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"لكل نبي دعوة مستجابة، فأُريد أن أختبئ دعوتِي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ مَنْ مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا". (3) وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قيل: "يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ " قال رسول الله: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه [أو من نفسه] ". (4) وفي
(1) البخاري ومسلم، الأحاديث نفسها المخرجة في الحاشية السابقة، واللفظ لمسلم.
(2)
صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 195، ص 97 - 98.
(3)
جمع المصنف بين ألفاظ عدة روايات للحديث، وأقربها إلى ما ذكره ما رواه مسلم:"حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو كريب - واللفظ لأبي كريب - قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته. وإني أريد أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ - إن شاء الله - مَنْ مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا". صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 199، ص 99، وانظر رواياتٍ أخر للحديث في الباب نفسه (باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة شفاعته لأمته)؛ صحيح البخاري، "كتاب الدعوات"، الحديثان 6304 - 6305، ص 1096 (بدون: "فتعجل كل نبي دعوته"، وبدون: "فهي نائلةٌ - إن شاء الله - مَنْ مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا").
(4)
صحيح البخاري، "كتاب العلم"، الحديث 99، ص 22؛ وكذلك "كتاب الرقاق"، الحديث 6570، ص 1136 (وفيه:"قلت"، بدل "قيل").