الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ليس مقطوعًا به؛ إذ لم يكن من قبيل النصِّ بل كان من قبيل الظاهر الذي يحتمل معنيين: أحدهما راجح، أو من قبيل المجمل الذي يحتمل معنيين على السواء. وهذا كثير، تجد أمثلتَه فيما اختلف علماء الأمة في المراد منه من آيات القرآن.
وليس بين أيدينا الآن من المتواتر غيرُ القرآن، وما هو معلومٌ من الدين بالضرورة. وأما الأحاديث المتواترة، فقد قال علماؤنا: ليس في السنة متواتر، لتعذر وجود العدد الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع عصور الرواة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما أكثرُ الأحاديث رواةً لا يعدُو أن يكون من المستفيض، كما تقرر في أصول الفقه.
[مذاهب العلماء في المهدي]:
من أجل ذلك لا تجد علماءَ أصول الدين مشتغلين بهذه المسألة، إلا أنك تجد في بعض كتبهم ما يشير إليها في أثناء الكلام على مسائل الإمامة التي ألحقوها بمسائل أصول الدين، وما هي منها كما قال إمام الحرمين في الإرشاد؛ (1) لأن مسائل الإمامة قد اختلفت في معظمها فرقُ المسلمين. وكان خلافُهم فيها سببًا في تفسيق بعضهم بعضًا وتكفير بعضهم بعضًا، فأشبهت الخلافَ في أصل الاعتقاد الموجب لامتشاق الحسام، والتهمة بالخروج عن دائرة الإسلام، كما فعل الحروريةُ والأزارقة في قولهم:"لا حكم إلا لله". وإذا تقصَّيْنا أقوالَ المثبتين للمهدي وجدناها ترجع إلى مذهبين:
أحدهما - وهو الأشهر - مذهبُ الإمامية، يقول بأن المهدي الذي يخرج في آخر الزمان هو موجودٌ من قبل، وهو مختف. وهذا المذهب قد تصدَّى أصحابُنا إلى رده بما لخصه النسفي في عقيدة أهل السنة إذ قال:"ثم ينبغي أن يكون الإمام ظاهرًا، لا مختفيًا ولا منتظرًا". قال التفتازاني في شرحه: "وأنت خبير بأن اختفاء الإمام يساوي عدمَه
(1) الجويني: كتاب الإرشاد، ص 345. قال إمام الحرمين:"الكلام في الباب ليس من أصول الاعتقاد، والخطر على مَنْ يزل فيه يُربي على الخطر على مَنْ يجهل أصلَه".
في عدم حصول الأغراض المطلوبة من وجود الإمام، وأن خوفه من الأعداء لا يوجب الاختفاءَ بحيث لا يوجد منه إلا الاسم. بل غايةُ الأمر أن يوجب اختفاءَ دعوى الإمامة، كما كان آباؤه الذين كانوا ظاهرين في الناس ولا يدعون الإمامة". (1)
المذهب الثاني مذهب القائلين بخروج المهدي آخرَ الزمان، من غير دعوى أنه موجود الآن، ولا أنه مختف. وهذا قد قال به بعضُ أهل السنة وبعض الصوفية استنادًا للآثار المروية دون تمحيص، وذلك مما لصق بهم من أقوال الرافضة والإمامية حين اختلط العلم. وليس اعتقادُهم ذلك بشيء عظيم إذ رضوه لأنفسهم؛ فإن اعتقادَ مجيئه واعتقاد عدم مجيئه سواء.
فإن قال قائل: يترتب على تحقيق أمره عملٌ إسلامي، وهو وجوب اتباعه عند ظهوره. قلت: لهذه النزعة اختلف المختلفون، وهم في غفلة يعمهون. فإن سمات الإمام الذي يجب اتباعُه لا يتوسمها المتوسمون بملامح وجهه ولا باسمه واسم أبيه، ولا بخفق أعلامه ولا بأفق ظهوره، فإن جميعَ ذلك يمكن تلبيسُه وادعاؤه باطلًا، كما وقع غيرَ مرة.
إن الله بين لعلماء الأمة أحكامَ الملة بالقواعد والشروط، فأغنى عن وضع الملامح والرموز. فإمامُ العدل الذي تجب طاعتُه والدخولُ في حزبه وأنصاره، هو الذي استكمل شروطَ الإمامة والقدرة على حماية البيضة في وقت الحاجة إلى ذلك، فتجتمع على أهليته الأمةُ ويأمن الناسُ أن تصيبهم من خروجه فتنة. فإن هو كان كما شرطت الشريعةُ البيضاء النقية، فهو في غِنًى عن الأخبار الملفقة والرموز الجبرية. وإلا فخير له أن يختبئ في جحره كالخنفساء في الشتاء، وأن يستزيد على ما أحضر له من عسل وماء، فلا يزال عاكفًا على مزج واحتساء إلى أن يفعل الله به ما يشاء. (2)
(1) التفتازاني، سعد الدين: شرح العقائد النسفية، تحقيق أحمد حجازي السقا (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1408/ 1988)، ص 98.
(2)
أشرت بهذا إلى الصورة التي يتخيلها القائلون باختفاء المهدي المنتظر، وسيأتي ذكرُها في شعر إسماعيل الحميري. - المصنف.