الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُعمي ويُصِم. وهنالك اختلط الحابلُ بالنابل، والخاثر بالزباد، ولم يزل تفاقمُه في ازدياد، حتى بلغ السيل الزُّبَى، وكادت أن تذهب السُّنَّةُ أيادي سبا.
ولم تزل طائفةٌ من الأمة ظاهرين على الحق، باحثين عن مراتب الخلق، متهمِّمين بانتقاد ما صح عن رسول الله من الآثار، لم يخلُ عن طائفةٍ منهم قطرٌ من الأقطار. إلا أن جمهرة هؤلاء كانت من علماء المدينة، يتلقَّى الخلفُ عن السلف رواية الصحيح؛ إذ كانوا عاكفين على معاهد الرسول وآثاره، سالمين مما تطرق من الابتداع في بعض أقطاره، والإيمان يأرِز إليهم، وسنة الرسول شائعة بين ظهرانيهم.
وانحصر ذلك في فقهاء المدينة ورواتها، وهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، ولحق بهم محمد بن شهاب الزهري؛ فكانوا قدوةَ الرواة.
[المائة الثانية]:
ثم انحصر علمُهم في مالك بن أنس عالم المدينة، فأزبد عنده ذلك المخض، وأفصح عن الخالصِ المحض، فانفرد في زمنه بحمل السنة الصحيحة، وعرض المرويات على محك النقد، وكان اعتماده في النقد من ثلاثة معايير: عمل أهل المدينة، وقواعد الشريعة، وصفات الرواة، ولم تجتمع هذه المعايير لغير مالك. وكان ظهور مالك في أوائل القرن الثاني في حدود سنة 112 هـ؛ لأن مالكًا قد نبغ وهو شاب، وكانت ولادته سنة 93 هـ وقيل 96 هـ، فيكون في حدود سنة 110 هـ قد بلغ الحلم أو تجاوزه. قال شعبة:"دخلت المدينة بعد موت نافع، فإذا لمالك حلقة"، (1) وموت نافع سنة 117 هـ.
(1) أخرج النسائي: "أخبرنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن مالك بن أنس قال: سمعته منه بعد موت نافع بسنة وله يومئذ حلقة، قال: أخبرني عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليها، واليتيمةُ تُستأمر، وإذنُها صُماتُها"". سنن النسائي، "كتاب النكاح"، الحديث 3258، ص 532.
وقد اتفق العلماءُ من أهل عصره على تأويل ما روي عن رسول الله بروايات متقاربة في سنن الترمذي، وكتاب النسائي، ومسند أحمد بن حنبل ومستدرك الحاكم ومسند الشافعي من قوله:"يوشك أن يضرب الناسُ أكبادَ الإبل في طلب العلم، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة"، (1) أنه إشارة إلى مالك بن أنس، قال بذلك سفيان بن عيينة، وابن مهدي، ويحيى بن معين، وابن المديني، وجمع كثير.
ثم إن ما بلغه مالك من توقير خلفاء الدولة العباسية، وبرِّهم إياه، ووقوفِهم عند نصائحه، مع ما كان له من شدةٍ على المتساهلين في الحديث وتلقي السنة، قد أعان على نفاذ أصوله في تحمل الحديث، ومكَّنه من التقريع والتأديب لكل مَنْ يبلغه من المتساهلين والمبتدعين وأهل الأهواء. وحسبُك أن المنصور أبا جعفر قد همَّ همًّا قويًّا بأن يأمرَ الناسَ في أقطار الإسلام باتباع ما في الموطأ دون غيره؛ (2) فانثال الناسُ على الأخذ عن مالك.
وقد اختص بأشياء لم تتأت لغيره: وهي التعمير، وكثرةُ الآخذين عنه، وتفرقُهم في سائر الأمصار، وإعلانُه بطريقته، وتزييفُ الطرائق المخالفة لها، واجتماع إمامة الفقه والحديث فيه. وهذه صفاتٌ لم يشاركه فيها غيرُه ممن كان يدانيه في صحة الرواية مثل يحيى القطان، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن مهدي، مع شدته في متابعة أصوله، لا ينحرف عنها قيد أنملة. ولأجل تخليد عمله، وتخطيط طريقه، ألَّف كتاب الموطأ، وهو أول كتاب أُلِّف في الإسلام.
(1) سنن الترمذي (وشرح العلل)، "أبواب العلم عن رسول صلى الله عليه وسلم"، الحديث 2680، ص 631 (ولفظ الترمذي: يطلبون العلم). قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسن، وهو حديث ابن عيينة. وقد رويَ عن ابن عيينة أنه قال في هذا: سئل مَنْ عالِمُ المدينة؟ فقال: إنه مالك بن أنس. وقال إسحاق بن موسى: سمعت ابنَ عيينة قال: هو العمريُّ الزاهد عبد العزيز بن عبد الله، وسمعت يحيى بن موسى يقول: قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس. والعمريُّ هو عبد العزيز بن عبد الله من ولد عمر بن الخطاب". وانظر كذلك الحاكم النيسابوري: المستدرك، "كتاب العلم"، الحديثان 307 - 308، ج 1، ص 157 - 158.
(2)
انظر قصة ذلك مع تباين في رواياتها في تعيين الخليفة أهو المنصور أم المهدي في: الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج 11، ص 659 - 660، اليحصبي: ترتيب المدارك، ج 1، 192 - 193.