المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌احترام الأفكار (1) يقول المبتدئون والمتوسِّطون من الكتَّاب "بنات الأفكار"، إذا - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ١

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌إهداء

- ‌فَاتِحَةُ الكِتَاب

- ‌بين يدي مقالات ابن عاشور ورسائله

- ‌تمهيد: أنا وتراث ابن عاشور:

- ‌محاولات سابقة لجمع مقالات ابن عاشور، ولكن

- ‌منهجنا في هذه الجمهرة جمعا وترتيبا:

- ‌شكر وعرفان ودعاء

- ‌ضميمة

- ‌المِحْوَرُ الأَوَّلفِي العَقِيْدَةِوَالتَفْسِيْر وَالفِكرِ وَالحِكمَةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلالعَقيْدَة والتّفسِيْر

- ‌تنبيه ونصيحة

- ‌الرحمن على العرش استوى

- ‌[مقدمة]

- ‌[موقع الآية من المتشابه]

- ‌[طريقة السلف إزاء المتشابه]

- ‌[الخلف وتأويل المتشابه]

- ‌[رأي المصنف]

- ‌تكليم الله لموسى عليه السلام

- ‌وجهُ تسمية يوم القيامة بيوم التغابن

- ‌عصمة الأنبياء

- ‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:

- ‌قول عياض:

- ‌[الخلاصة]:

- ‌شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌معنى الشفاعة:

- ‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها:

- ‌مراجعة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

- ‌المهدي المنتظر

- ‌[مقدمة]:

- ‌[مكانة حديث المهدي من تعاليم الإسلام]:

- ‌[مذاهب العلماء في المهدي]:

- ‌كيف نشأ القولُ بالمهدي المنتظر

- ‌[أنواع الآثار المروية في المهدي]:

- ‌الآثار المروية في المهدي:

- ‌الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث:

- ‌الرأى فيها من جهة النظر:

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيالفكْر وَالحكْمَة

- ‌من يجدد لهذه الأمة أمر دينها

- ‌[تمهيد]:

- ‌دعائم الإسلام:

- ‌معنى التجديد

- ‌مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد:

- ‌كيف يكون مبدأ تعيين المائة السنة

- ‌رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه:

- ‌رأي مجد الدين ابن الأثير في تعيين المجددين

- ‌التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده:

- ‌التوسم في تعيين المجددين بحسب أدلة الحق المبين:

- ‌[المائة الأولى]:

- ‌[المائة الثانية]:

- ‌[المائة الثالثة]:

- ‌[المائة الرابعة]:

- ‌[المائة الخامسة]:

- ‌[المائة السادسة]:

- ‌[المائة السابعة]:

- ‌[المائة الثامنة]:

- ‌[المائة التاسعة]:

- ‌[المائة العاشرة]:

- ‌[المائة الحادية عشرة]:

- ‌[انحلال الجامعة الإسلامية وتزايد الفتن]:

- ‌[المائة الثانية عشرة]:

- ‌التقوى وحسن الخلق

- ‌شرف الكعبة

- ‌اللذة مع الحكمة

- ‌احترام الأفكار

- ‌العلم عند الله

- ‌تحصيله:

- ‌المقدم منه والمتعين:

- ‌خطته:

- ‌نعيمه والغاية القصوى منه:

- ‌مسألة خفية من مباحث الفلسفة الإسلامية: وحدة الوجود

- ‌ابن سينا والحكمة المشرقية

- ‌[تمهيد]:

- ‌أصل الحكمة اليونانية المنقولة إلى العربية:

- ‌طريقة الشيخ ابن سيناء في الحكمة:

- ‌الحكمة المشرقية:

- ‌الكتاب المعنون "منطق المشرقيين

- ‌الإنسان على الأرض

- ‌عمر الإنسان: ماذا أردت

- ‌أصول التقدم والمدنية في الإسلام

- ‌[مقدمة]

- ‌ما هو الإسلام

- ‌[التأسيسات الأصلية]

- ‌[وحدة النوع الإنساني: ]

- ‌ظهور الإسلام

- ‌واجب المسلمين أن يقتنعوا بهداية الإسلام

- ‌واجب المسلمين: النصيحة

- ‌ما هو النصح والنصيحة

- ‌اضطلاع الناصح بحق النصيحة:

- ‌قبول المنصوح للنصيحة:

- ‌الرفق بالحيوان في الإسلام

- ‌تحرير مسألة في علم الهيئة

- ‌المحْوَر الثّانِيفِي فِقْهِ السُّنَّةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلفِقْه الحَدِيْث

- ‌التعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ونشأة علم الحديث

- ‌[تمهيد]:

- ‌الاهتمام بتدوين ما صحت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الغرض من تأليف الموطأ

- ‌ما المراد بالحديث الصحيح

- ‌[نسخ الموطإ]

- ‌اسم كتاب "الموطأ

- ‌تحقيق مسمى الحديث القدسي

- ‌[تقديم]:

- ‌ تعريف الحديث القدسي

- ‌صيغة رواية الحديث القدسي:

- ‌الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وبينه وبين غيره من الأحاديث النبوية:

- ‌مراجعة ما تضمنه كتاب "فتح الملك العلي

- ‌المراجعة الإجمالية:

- ‌المراجعة التفصيلية:

- ‌درس في موطأ الإمام مالك رضي الله عنه: "جامع القضاء وكراهيته

- ‌[تمهيد: القضاء بين الترغيب والترهيب]:

- ‌[العدل أساسُ صلاح العمران]:

- ‌[شرح الحديث]:

- ‌الأسانيد المريضة الرواية: "حديث طلب العلم فريضة

- ‌أقوال الحفاظ في رجال سنده:

- ‌آراء الحفاظ في حالته:

- ‌[روايات الحديث]:

- ‌التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس

- ‌خلق النور المحمدي

- ‌متن هذا الحديث:

- ‌مرتبة هذا الحديث من الصحة:

- ‌نقده من جهة اللفظ:

- ‌نقده من جهة المعنى:

- ‌دفع إشكال في حديث نبوي: "سألتُ ربي

- ‌سند هذا الحديث:

- ‌[معنى الحديث]:

- ‌حديث: من سُئل عن علمٍ فكتمه

- ‌[سند الحديث]:

- ‌معنى الحديث:

- ‌[مسائل في فقه الحديث]:

- ‌حديث: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم

- ‌سند الحديث واختلاف ألفاظه

- ‌معنى الحديث:

- ‌تحقيق الخبر المأثور: "لا رهبانية في الإسلام

- ‌معنى الرهبانية:

- ‌لا صفر

- ‌شهر رجب

- ‌شهر شعبان

- ‌لا عزاء بعد ثلاث

- ‌تحقيق معنى لفظ العزاء

الفصل: ‌ ‌احترام الأفكار (1) يقول المبتدئون والمتوسِّطون من الكتَّاب "بنات الأفكار"، إذا

‌احترام الأفكار

(1)

يقول المبتدئون والمتوسِّطون من الكتَّاب "بنات الأفكار"، إذا أرادوا أن يُملِّحوا العبارة، (2) ويدلوا على منزلهم في علم الاستعارة، وهم لا يشعرون - عند لفظ هاته الكلمة من أفواههم - إلا بتلك الاستعارة المطروقة المبذولة، (3) ولا يدركون حدوث ذلك الشيء الذي ذكروه عن ازدواج المقدمات وتمخض الفكر.

(1) السعادة العظمى، المجلد 1، العدد 18، 16 رمضان 1322 هـ (ص 273 - 281).

(2)

قال المصنف عند تفسير قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)} [الإسراء: 97]: "وفي قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} إشكال؛ لأن نار جهنم لا تخبو، وقد قال تعالى: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} [البقرة: 86]، فعن ابن عباس أن الكفرة وقود للنار، قال تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24؛ التحريم: 6]، فإذا أحرقتهم النار زال اللهب الذي كان متصاعدًا من أجسامهم، فلا يلبثون أن يعادوا كما كانوا فيعود الالتهاب لهم. فالخبو وازدياد الاشتعال بالنسبة إلى أجسادهم لا في أصل نار جهنم، ولهذه النكتة سلط فعلَ زدناهم على ضمير المشركين للدلالة على أن ازدياد السعير كان فيهم، فكأنه قيل: كلما خبت فيهم زدناهم سعيرًا، ولم يقل: زدناها سعيرًا. وعندي أن معنى الآية جارٍ على طريق التهكم، وبادئ الإطماع المسفر عن خيبة؛ لأنه جعل ازدياد السعير مقترنًا بكل زمان من أزمنة الخبو، كما تفيده كلمةُ كلما التي هي بمعنى كل زمان، وهذا في ظاهره إطماع بحصول خبو، لورود لفظ الخبر في الظاهر، ولكنه يؤول إلَى يأس منه، إذ يدل على دوام سعيرها في كل الأزمان، لاقتران ازدياد سعيرها بكل أزمان خبوها. فهذا الكلام من قبيل التمليح، وهو من قبيل قوله تعالى: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، وقول إياس القاضي للخصم الذي سأله: على مَنْ قضيت؟ فقال: على ابن أخت خالك". تفسير التحرير والتنوير، ج 7/ 15، ص 217 - 218.

(3)

المبذولة هنا بمعنى الشائعة أو المبتذلة.

ص: 247

وربما كان البعض ذاهلًا أو عاجزًا عن هذا المقدار، فلا عجب أنهم ذهلوا عن شيء أكبر منه أفادته العبارة وما أراده قائلها، وهو تمام التشابه بين الأفكار وبين انتساب البُنُوة من جميع أطرافه، حتى تجد مُبْتَكَرَ فكرك منك بمنزلة ابنك أو بنتك، وكأنهم اختاروا الثاني قصدًا للمبالغة في الحرمة والغيرة. واحترام النسب يقع على وجهين:

1 -

احترامه قبل قوامه، أي أن يُتَوَخَّى كلُّ ما يدفع اختلاطًا أو فسادًا في النسب، وهو الذي سماه علماء الشريعة حفظ الأنساب، وناطوه مع الكليات التي كانت أساسَ قانون الشرع التفصيلي.

2 -

احترامه من الاعتداء عليه بعد وجوده أن لا يُسَبَّ أو يُنْبَذ، أو يقابل بالطعن.

فإذا كانت الأفكار أنسابًا أدبية، فبغير شك يكون الاجتراءُ عليها بواحد من هذين الجرمين (اللذين احترما بالاحترامين) جنايةً عظيمةً في باب الأدب لو سنَّ له أهلُه حدودًا يُخزى بها المعتدون، ويخسأ بها المتكالبون. وإن وضع شيء في غير ما وضعته يد الزمان، (1) وإن تَفَصَّى عن كُلفة التصنع، لا يفارق مفسدةَ الاجتراء على بعثرة نواميس الكون، والاعتداء على نظامه، وإيهام غير الواقع فيه واقعًا.

وفي ذلك من قلب الحقيقة ما أوجب تحريمَ الكذب، وتكريرَ لعن صاحبه، فإذا كان الكذب الذي يذكرونه التمويه اللساني، فهذا التمويه الفعلي الذي يكون أشد متى كان الفعل أوقع من القول: لو عمدت إلى رجل من سوقة الناس، فأسندت إليه مسائل حققتها أو رسائل نَمَّقتها، لكنت توحي إلى الأمة أن تسند إلى هذا الرجل منصب الرئاسة قي علومها، أو أن تكل إليه قلمها الذي به تدافع عن نفسها، وفي هذا ما يجر الفساد لنفسك ولصاحبك وللأمة، أما الثالثة فقد ضرب فيها الفساد منذ صارت بيد مَنْ لا يعرف كيف يدير، وحسبك من هاته الكلمة تشخيصًا لحالها.

(1) لا تبدو هذه العبارة مناسبة هنا.

ص: 248

وأما صاحبك فرجلٌ أُلقي إلى الأمة بذلك الوصف العظيم، فكيف تراه والمشاكل تتقاطر عليه، وعيون الحيرة تعشو إلى ضوء اهتدائه وتنظر إليه؟ ثم لا يبوء لهم أمرهم إلا بضلال مبين، أو سكوت إن كان المسؤول من خلص الجاهلين!

وأما نفسك فأنت إذن بها أعرف، قد قضت سنة الله في الناس أن تخضع نفوسُهم إلى الحق والواقع والثابت. ترى الرجل تُسند إليه الهِنةُ وهو بريء منها، فتصعد إلى دماغه دماء الغضب، ويدافع عن نفسه دفاع البريء المخلص، بلسان فصيح وقلب صحيح. ثم تراه تُسند إليه تلك السيئة إن كان قد اقترفها، فيطأطئ لها رأسًا، ولا يجد منها مناصًا، مهما سترها بأطمار الجحود والمكابرة، حتى تفتضح حالُه عند الفراسة الصادقة، أو يزلق لسانُه عند البحث الشديد.

أليس ذلك آيةً على أن النفس تخضع إلى الحق وإن لم يكن مشتهاها وتبرأ من الباطل وإن كان هواها؟

كذلك الرجل يبلوه الله تعالى بنبات ذرية سوء، فيستسلم إلى ما قدر عليه، فلو كان ذلك الولد دعيَّه لقرع السنَّ من ندم، ورضي أن لو باء من سعيه بالعدم. هكذا حالُ الأفكار ومنشآتها، متى أُسندت إلى غير أصلها قارنتها ندامةٌ واغتباط، وفضيحةٌ تلوح على أخواتها مِنْ تَخالُفِ شكلٍ وانحلال رباط.

لعل في هذا المقدار مقنعًا من إيصال هذا الإحساس الحكمي إلى نفوسكم أيها النقاد، وتعريفًا بوجوب دعائنا الأفكار إلى آبائها لنقوم بالقسط، فلن نكون كذي ذهن عاقر يشوه فضيلته بانتحال أفكار ما كان لينال أمثالها. قد تُغتفر الأمورُ الضرورية والإحساساتُ الفطرية العامة التي تشترك فيها أفراد الأمة متى تقاربت في الشعور، فلا يجب إسنادُها، وربما استحال في البعض ذلك، وإن الذي قالها بالأمس لم يصدر كلامُه حتى قال مثلها أو قاربها اليوم آخر.

أما احترامُ الفكر بالمعنى الثاني، فحق على كل صاحب فكرٍ أن يقابل فكرَ غيره بالاحترام دون السخرية والهزء؛ فإن الاسترسالَ على ذلك يجبن الذين تخلقت

ص: 249

فيهم مبادئُ العقل النظري عن الإعلان بما وُهِبوه، خشيةَ الاستهزاء والاستسخار. ولو كانت قد وصلت إلى التمكن والرسوخ لأمنا عليها، حتى إن تتستر كشمس تحت السحاب، أو كإدبار المتحرف للقتال. أترون ذلك يرزونا المنفعة المقصودة؟ ولكننا لا نخشى عليها إلا أن تموتَ تحت أقفال الأسر في صباها، وما بلغت أَشُدًّا تستطيع به مقاومةَ الزمان، ولَيَّ أيدي المضطهدين.

نحن نوقن أن أفكارًا ساقطة تنشأ في الأمة قد يجب الضغطُ أن لا تشيع؛ فتستهوي أقوامًا غافلين بسطاء، فتصبح وباءً في الأفكار المهزولة. ولكنا لما وازنا بين هاته المصلحة النادرة والمفسدة الكبرى التي كانت ولا زالت تتضاءل من اضطهاد الأفكار السامية، باسم التحقيق آونة وباسم [النقد](1) أخرى؛ لأنها لا توافق الرغبات، ولا تجاري الشهوات، حَكَمْنا للأفكار باحترامها، وجعلنا البحثَ والنقد معيارًا يُمَيَّزُ به خبيثُها من طيبها، ولا يلبث الحقُّ أن يهزم الباطل.

لو كنا نضطهد الأفكارَ لاشتبه الباطل منها بالحق، فيصرخ يستنصر لاهتضامه كما يستصرخ الحق شيعته، وربما وجد من السامعين قلوبًا ترق للمضعوف وإن جار، فيصبح فتنة أشدَّ من أن لو تُرك يتمارض بالنقد الصحيح والحجة الدامغة، حتى يموت حتف أنفه، ثم لا يثأر له أحد.

ليس يحول هذا دون الواجب من تقويم المخطئ، إنا نعني باحترام الفكر أن لا يُتَعرَّض لصاحبه الشخصي بالطعن والاستخفاف. ولكن التقويم يكون بصفة كلية وتعريض بسيط بين سقوط الرأي بوجه برهاني أو خطابي ينفر الغافلين. وليس احترام الأفكار يأبى مناقشتَها والحكم بضعفها، لكن تجب الأناةُ في الحكم على الفكر أن لا يتعرض له بالنقد، ما دام فيه احتمال الصواب.

(1) فراغ في الأصل، وقد رأينا إضافة هذه اللفظة مناسبة ومتممة لسياق الكلام.

ص: 250

أليس في ارتياء مقاصد المتكلمين قبل التسارع إلى تغليطهم ببوادر الظنون أو بشهوات نفس تخب خبب البازل الأمون (1) ما نقتصد به زمانَ المراجعة إلى استئناف شيء جديد ونحفظ به كرامة الاتحاد، وسلامة الضمير، ونسلم به من افتضاح حب التشفِّي والانتقام لإطفاء ثوائر الحسد والغل؟

ما كان التقرير على الخطأ إلا خطأ وتضليلًا، ولكن نظيره في التضليل وأعظم منه فسادًا التسارعُ إلى تغليط الصائبين، لا سيما إن قارنه ما يقارن سفاهةَ الرأي وضيق الصدر، وبالثاني (2) غليل الجهل من تفويق (3) سهام نقد تخطئ الرمية، والأخذ بسلاح العاجزين من الغيبة والشتيمة التي تترجم عن قصد صاحبها من غير غرض ترشقه. اللهم إلا رأي رجل اعتدت منه المكابرة والمسارعة إلى الزج بنفسه فيما لا يدبر منه مخرجًا ولا يجد لمثله فيه مولَجًا، ثم قومته المرة والمرتين، فما زاده تقويمك إلا عنادًا، ولا أكسبه اقتصادُك إلَّا إسرافًا وازديادًا؛ فإنك إن رأيت منه ما يقتضي أن تسلك معه مسلك الخطابة من تقبيح انتحاله، وتشخيص مشوه حاله، فلا ملامَ عليك إن كنت قد صادفت البلاغةَ في فعلك أو قاربت.

قد ترى قومًا أغرقوا في احترام أفكار الناس - وما كل الناس - إلى غور عميق، فغشيهم ظلامٌ طمس على أعينهم حتى تلقَّوْا كلَّ قولٍ بالتأييد، وحكموا في كلا المتناقضَيْنِ بأنه سديد، واتسموا - أكرمك الله - بِسمَةِ البليد. ثم ترى رجلًا يخترق قلوبهم بنصائح تفتح لهم أعينًا عميًا، وقلوبًا غلفًا، وهم في صمم عن تلقيها، أفتعذره إن رأيته يسلك معهم ذلك المسلك؟ أم تعذله إن خالف ما تأصَّل من احترام الأفكار؟ لعلك تشعر ساعتئذٍ بأن أصول التهذيب دواليب تدور، وأنه

(1) خبَّ: عدا وأسرع، والبازل: البعير الذي طلع نابه في السنة الثامنة أو التاسعة، والبازل الأمون: البعير المأمون الذي يُمتطى فلا يعثر ولا يفثر.

(2)

كذا في الأصل ولم يتبين لنا الوجه فيها، ولعلها "وبالتالي"(بالفوقية المثناة لا المثلثة)، والله أعلم.

(3)

فوَّق السهمَ: جعل له فوقًا، والفوق موضعُ الوتَر من السهم.

ص: 251

"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"؟ (1)

سيظن البسطاءُ من الناس أن احترام الأفكار وحريتها يخولها حقَّ الاجتراء بنحو الشتيمة، ولكنه ظنٌّ سريعُ التقشع متى وجدوا لسانًا حكيمًا يبيِّن لهم أن الحرية والاحترام شيءٌ وأن الاجتراء شيء آخر؛ لأن الحرية إنما ينالها المرء بعد شعوره بوجوب مساواته مع غيره فيها، وإلا كانت الاستعباد الذي نفر منه. فإن طلبت أنفسُهم زيادة البيان، فإنا نحيلهم على كلام طويل في معنى الحرية، لو بسطناه لفُصم عنا سلكُ الكلام في مرادنا من هذا المقال. فإذا كانت الأفكار محترمةً كما قلنا، فالاجتراء عليها بما ذكرنا يستأهل عقوبةً على خرق سياج هذا الاحترام حقًّا؛ لأن ذلك يثير العصبيات ويجفي عن الحقيقة التي ما احترمت الأفكار إلا لأجل الوصول إليها.

من أكبر الأسباب في تقدم الأمة بعلومها وقبولها لرتبة التنوير وأهليتها للاختراع في معلوماتها، أن تشب على احترام الآراء على الوجه الذي وصفنا من قبل وعسى أن نصف من بعد. وقد كان للمسلمين من ذلك الحظُّ الذي لم يكن لغيرهم يومئذٍ من التسامح مع الأفكار، شهد بذلك التاريخ وأهله إلا المتعصبين منهم، مع ما كان بين أصناف أهل الآراء من التناظر والجدل. ولكنك لا تجد ذلك محفوفًا بتعصب ولا اضطهاد: كنتَ ترى الأشعري بين يدي المعتزلي لا يستنكف عن تلقِّي فوائده والاعتراف له بحق التعليم، وترى السني يتعلم عن القدري وعن الفيلسوف الشاكّ.

قد كان عمرو بن عبيد (2) - الزاهد الشهير - من خاصة تلاميذ الحسن

(1) انظر تعليقنا على هذه المقولة في حاشية على مقال المصنف "بيان وتأصيل لحكم البدعة والمنكر" في القسم الثالث من هذا الجزء.

(2)

هو أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب، الزاهد المتكلم المشهور، مولى بني عقيل ثم آل عرادة بن يربوع بن مالك. ولد سنة 80 هـ. كان شيخ المعتزلة في عصره. له رسائل وخطب، وكتاب التفسير عن الحسن البصري، وكتاب الرد على القدرية، وكلام كثير في العدل والتوحيد، وغير ذلك. ولما حضرته الوفاة قال لصاحبه:"نزل بي الموت ولم أتأهب له، ثم قال: اللهم إنك تعلم أنه لَم يسنح لِي أمران في أحدهما رضًا لك وفي الآخر هوًى لي، إلا اخترت رضاك على هواي فاغفر لي". توُفِّيَ سنة 144 هـ، وهو راجع من مكة بموضع يقال له مَران.

ص: 252

البصري (1) رحمهما الله، وهو الذي كان مكلَّفًا بكتابة ما يميله الحسن من التفسير الذي يرد به على القدرية والمعتزلة. وما كان يمنعه ذلك من المجاهرة باتباعه مذهبَ المعتزلة، ومن التحاقه بدروس واصل بن عطاء الغزال (2) الذي قال له الحسن لما كثرت مناقشته: اعتزل مجلسنا. فكان عمرو بن عبيد يختلف إلى الدرسين جميعًا، وما كان ذلك يمنع الحسن من تكليفه بإملاء تفسيره. (3) حتى استُخدِم اختلافُ الآراء آلةً للتشيع السياسي، حين آذنت الدولةُ العربية والجامعةُ الإسلامية بالانحلال والافتراق اللذين تركا من الآثار ما نحن نتخبط في مصائبه ولأوائه حتى اليوم.

وكذلك الْحَجْرُ على الرأي يكون منذِرًا بسوء مصير الأمة، ودليلًا على أنها قد أوجست في نفسها خيفةً من خلاف المخالفين وجدل المجادلين. وذلك يكون قرينَ أحد أمرين: إما ضعف في الأفكار وقصور عن إقامة الحق، وإما قيد الاستعباد الذي إذا خالط نفوسَ أمة كان سقوطُها أسرعَ من هُويِّ الحجر الصلد. حكى الجاحظ أنَّ النظَّام دخل على شيخه أبي هذيل العلَّاف، (4) فقال: يا أبا الهذيل لم قررْتُم أن يكون

(1) هو أبو سعيد الحسن بن يسار، ولد قبل سنتين من نهاية خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كان والد الحسن مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، وقد اعتقا قبل زواجهما. كانت أم الحسن منقطعة لخدمة أم سلمة رضي الله عنها فترسلها في حاجتها، فيبكي الحسن وهو طفل فتسكته أم سلمة بثديها، وبذلك تربى في بيت النبوة.

(2)

هو أبو حذيفة واصل بن عطاء الملقب بالغزال، ولد سنة 80/ 700 وتوُفِّيَ سنة 131/ 748 في المدينة المنورة. كان تلميذًا للحسن البصري، وحصل بينه وبين الحسن البصري خلاف فاعتزله وأسس لنفسه مجلسًا يدعو فيه لآرائه، ثم انضم إليه عمرو بن عبيد الذي كانت أخته زوجة لواصل. وهو يعد بذلك مؤسس مدرسة المعتزلة.

(3)

لم أعثر على ذكر لما قاله المصنف بشأن تكليف الحسن البصري عَمْرًا بكتابة ما كان يمليه من التفسير فيما رجعتُ إليه من مصادر ترجمتهما، ولكن جاء في طبقات ابن سعد أن عمرو بن عبيد "كان كثيرَ الحديث عن الحسن وغيره". الزهري، محمد بن سعد بن منيع: كتاب الطبقات الكبير، تحقيق علي محمد عمر (القاهرة: مكتبة الخانجي، ط 1، 1421/ 2001)، ج 9، ص 272.

(4)

هو أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق النَّظَّام البصري، مولى آل الحارث بن عباد الضبعي، المتكلم، شيخ المعتزلة. تكلم في القدر، وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ الذي وثق كثيرًا من آرائه في =

ص: 253

الله تعالى جوهرًا خشيةَ أن يكون جسمًا؟ فهلَّا قرَّرْتُم أن لا يكون جوهرًا مخافةَ أن يكون عرضًا، والجوهرُ أضعف من العرض؟ فبصق أبو الهذيل في وجهه، فقال النظَّام: قبَّحك الله من شيخ! فما أضعفَ حجتك! (1)

وكان الخليفةُ المأمون يقول لأهل ناديه إذا جاروه على كلام: هلَّا سألتمونِي لِماذا؟ فإنَّ العلم على المناظرة أثبتُ منه على المهابة. (2)

دامت على ذلك الأمةُ الإسلامية متمتعةً باحترام الأفكار، جريءٌ كلُّ واحد على أن يبوح برأيه، وجريءٌ كلُّ مستمِعٍ على تقويمه بالحق. وإن وقع في خلال ذلك حادثة خلق القرآن، وحادثةٌ صغيرة وقعت بالقدس بين الباطنية وأهل السنة، إلا أنها لأسباب عالية (3) وغلط فاحش لا يسع ذكرُه اليوم.

ولَمَّا استُخدِمتِ الآراءُ للسياسة، وشاعت المداهنةُ بين الناس، وضعفت الكبراء عن الحجة، يومئذٍ ساد اضطهادُ الأفكار والضغطُ عليها، كي لا تسود على مخالفيها القاصرين الظاهرين في مظاهر العلماء المحققين. نعني بالسياسة ما يقرن سياسة الدول في تصرفاتها وأغراضها بسياسة الأشخاص المسيطرين في هواهم،

= "كتاب الحيوان"، كما رد عليه في بعضها. إليه تُنسب فرقةُ النظامية من المعتزلة. له نظم رائق، وتَرَسُّل فائق، وتصانيف جمَّة، منها: كتاب "الطفرة" وكتاب "الجواهر والأعراض"، وكتاب "حركات أهل الجنة"، وكتاب "الوعيد"، وكتاب "النبوة". توفِّيَ سنة 230 هـ في خلافة الواثق. أما العلاف فهو أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، المتكلم المشهور. ولد سنة 131 وتوفِّي سنة 235 هـ. كان شيخ معتزلة البصرة، ومن أكبر علمائهم، وصاحبَ مقالات في مذهبهم، وكانت له مجالسُ ومناظرات مشهودة.

(1)

لم أجد هذه القصة في كتب الجاحظ، ولم أهتد إلى مصدرها عند غيره.

(2)

لم أهتد إلى المصدر المنقول منه هذا القول. وقد ساق هذا نفسه صديق المصنف الشيخ محمد الخضر حسين في محاضرة بعنوان "الدهاء في السياسة" ألقاها بنادي الجمعية الإسلامية، ونشرت في مجلة الهداية الإسلامية (الجزء السادس من المجلد الخامس، ص 94 - 100) وهي كذلك في كتابه محاضرات إسلامية (ص 94).

(3)

لعلها "عادية".

ص: 254

وربما كان القسمُ الثاني أشدَّ على الأفكار لكثرة دواعيه ووفرة منتحليه. وأنواع وجهتهم في هذا الغرض [أربعة]: (1)

1 -

منهم من يفعل ذلك إبقاءً على منصبه، واستحفاظًا على وجاهته؛ لأنه يخال أن كلَّ مخالفة له في الرأي تُنذِر بثَلِّ عرشه وزلزال أركانِه، والمريضُ كثيرُ الأوهام.

2 -

ومنهم الذي يسخط من مخالفة المعتاد، ويرى العادةَ دينًا أو شبهَ دين، يجب أن لا يتلاعب به الشخص.

3 -

ومنهم الذي يتوهم أن الدينَ يخالف احترام الآراء، وهذا إن شئت أن تجعله فرعًا من سابقه وجدته لك أطوعَ من نعلك.

4 -

ومنهم الحاسدُ العاجز الذي يحب أن يظهر في مظاهر الكمال بكلمات يلفقها، ويحس في ذكر ذلك لذة ما دام منفردًا بها، فإن شاع ذلك بين الناس تميز من الغيظ. كنتُ أعرف رجلًا ينادي بين الناس باسم النقد للحالة والطعن في الأوضاعِ المعتادة، وربما ترقَّى إلى بعض الشتيمة زمانَ كان يقول ذلك وحده، يحب الشهرة وما يلقاها، ويترصد طريقَها وما يقع بمرآها. كان يومئذٍ مستأثرًا بورقات ينقل منها ما يلغط به، فلما امتدت الأيدي، وانبرت العيونُ إليها، واستوى مع غيره في معرفتها، انصاع يُقبِّح ذلك الحال، ويرى خلَفَه ودعاءهم في ضلال.

مِمَّا يُخَصُّ بالوصاية والاحترام أفكارُ المتقدمين الذين وصلوا بنا إلى حيث ابتدأنا من العلم والمدنية، عوضًا أن نكون في متحرَّكِهم الأول نبتدئ سيرًا بطيئًا. وكما يقال: إن الإنسان ابنُ يومه لا ابنُ أمسه، فهو أيضًا ليس بابنٍ لغده، فمقدارُ فضيلة الرجل ومكان شهرته لا يُنظر فيه إلى غير يومه الذي كان فيه.

(1) زيادة اقتضاها السياق.

ص: 255

فلا يغلط لنا كثيرٌ من الناس ينتقصون الأقدمين بمستدرَكاتِ المتأخِّرين، فإنما تُعرف مقاديرُ الرجال بما أوجدوه، لا بما تركوه. (1) ولكن طرق الشهرة لا تختلف، وهي قوة الفكر، ومرتبة العلم، والعمل على تنوير آراء المتعلمين والقارئين، في عقل صحيح، ونية قويمة، ونصح جهير.

وقد استهوى هذا الغلطُ الشيخَ أبا علي ابن سينا رحمه الله حين بالغ في ثنائه على أرسطو حتى قال: "أما أفلاطون الإلهي، فإن كانت بضاعتُه من الحكمة ما وصلنا من كتبه وكلامه، فلقد كانت بضاعتُه من العلم مزجاة". (2) وكأنه نسيَ أنه

(1) أي ما فاتهم فعله ولم يتيسر لهم تحصيله.

(2)

جاء في آخر كتاب السفسطة من منطق الشفاء في فصل "و" المعنون "فصل في خاتمة الكلام في السوفسطائية وعذر المعلم الأول عن تقصير لو وقع" ما يلي: "قال [أرسطو]: وأما صورة القياس، وصورة قياس قياس، فأمر قد كددنا في طلبه مدةً من العمر حتى استنبطناه. فإن عرض في هذا الفن الواحد تقصير، فلنعذر من يشعر به عند التصفح، ولنقبل المنّة بما أفدناه من الصواب، ولنعلم أن إفادة المبدأ واستخراج قاعدة الصناعة أجلُّ موقعًا وأسمى مرتبةً من البناء عليها، خصوصًا إذا كان المستنبط - مع أنه مخترع مبتدئ - محيطًا بكل الصناعة وقوانينها، لا يذر منها إلا [لا] يعتد به. فهذا ما يقوله المعلم الأول. وأما أنا [ابن سينا] فأقول لمعشر المتعلمين والمتأملين للعلوم: تأملوا ما قاله هذا العظيم، ثم اعتبروا أنه هل ورد من بعده إلى هذه الغاية - والمدة قريبة من ألف وثلثمائة وثلاثين سنة - من أخذ عليه أنه قصر، وصدق فيما اعترف به من التقصير، فإنه قصر في كذا؟ وهل نبغ من بعده من زاد عليه في هذا الفن زيادة؟ كلا، بل ما عمله هو التام الكامل والقسمة تقف عليه، وتمنع تعديه إلى غيره. ونحن مع غموض نظرنا - كان أيام انصبابنا على العلم، وانقطاعنا بالكلية إليه، واستعمالنا ذهننا، أذكى وأفرغ لما هو أوجب - قد اعتبرنا، واستقرينا وتصفحنا، فلم نجد للسوفسطائية مذهبًا خارجًا عما أورده. فإن كل شيء تفاصيل لبعض الجمل - التي أخذناها منه - ما نحن نرجو أن نستكثر من الدلالة عليه في "اللواحق" حين نرجو أن نكون أفرغ لما هو أوجب. والذي عمله معلمه [أفلاطون]، وسماه كتاب "سوفسطيقا" حاد فيه عن الواجب، وقصر عن الكفاية. أما الحيد فخلطه المنطق بالطبيعي والإلهي، وهذا لضعف تمييز كان فيهم قبل نبوغ هذا العظيم. وأما التقصير فإنه لم يفهم وجهًا للمغالطة إلا الاسم المشترك. وبالحري أن نصدق ونقول: إنه إن كان ذلك الإنسانُ مبلغُه من العلم ما انتهى إلينا منه، فقد كانت بضاعتُه مزجاة، ولم تنضج الحكمةُ في أوانه نضجًا يجنى. ومن يتكلف له العصبية، وليس في يديه من علمه إلا ما هو منقول إلينا، فذلك إما عن حسد لهذا الرجل [أي المعلم الأول أرسطو]، وإما لعامية فيه ترى أن الأقدم =

ص: 256

لولا أفلاطون بكلماته القليلة خوّل لأرسطو أن يبني عليها كثيرًا، لكان أرسطو هو أفلاطون وبضاعته الوافرة كانت مزجاة. (1)

هذا أيها الناشئون على النقد، الباحثون عن الحكمة، نبراسٌ مبين، أقمناه بين أيديكم ليضيء لكم مستقبلًا نيّرًا. وعسى إن اهتديتم بضيائه، واحتفظتم عليه من عواصف الأهواء والشبهات، أن تَحْمَدوا غِبَّه، وتسلكوا به طريقَ العقلاء فتصبحوا سُمَراءَهم، والله يضيء آراءَكم بالحكمة.

= زمانًا أقدم في الصناعة رتبة، والحق بالعكس". ابن سينا: منطق الشفا، ج 5: السفسطة، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني ومراجعة إبراهيم مدكور (قم: ذوي القربى، 1428/ 2000)، ص 113 - 115.

(1)

وقد علق القطب الشيرازي على كلام ابن سينا في شأن أفلاطون بقوله: "ولو أنصف أبو علي، لعلم أن الأصول التي بسطها أرسطوطاليس مأخوذة عن أفلاطن، وأنه ما كان - والعلم عند الله - عاجزًا عن ذلك، وإنما عاقه [عن] ذلك شُغل القلب بالأمور الكشفية الجليلة والذوقية الجميلة التي هي الحكمة بالحقيقة". شيرازي، قطب الدين: شرح حكمة الإشراق، تحقيق عبد الله نوراني ومهدي محقق (تهران: أنجمن آثار ومفاخر فرهنكَى، 2005)، ص 20.

ص: 257