الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما تسميةُ هذا المجموع وإعطاؤه عنوانًا، فأمر قد ترددت بشأنه، وكنت على وشك أن أجعل العنوان الذي اختاره الأستاذ عبد الملك ابن عاشور لمجموعة المقالات التي نشرها:"تحقيقات وأنظار" عنوانًا له، فهو اختيار موفَّقٌ ومعبِّرٌ عن حقيقة ما كتبه الشيخ وعن النهج الذي سار عليه فيما جمعناه ههنا. ولكن الخشيةَ من أن يشوِّش ذلك على القارئ فيحسب العملين شيئًا واحدًا، واعتبار ما قد ينجم عن تبني هذا العنوان من إشكالات قانونية مع ناشري "تحقيقات وأنظار"، جعلانا نصرف النظر عنه، ونعتاض عنه بغيره. وقد رأيتُ من المناسب أن يكون العنوان عامًّا "محايدًا"، فاخترتُ أن يكون:"جمهرة مقالات ورسائل الإمام محمد الطاهر ابن عاشور"، فعسى أن تكون هذه التسمية وافية بالغرض، على ما في صيغة الإضافة فيها من وجه للاعتراض عليها.
ومهما كان الجهد الذي بُذل في إعداد هذه الجمهرة والحرص على خدمة نصوصها خدمة علمية دقيقة، فلا مجالَ للادعاء أو الشعور بأني بلغت فيها النهاية وأوفيت على الغاية، لا جمعًا واستيعابًا ولا تحقيقًا وتوثيقًا، فلا أحسب إلا أن قد شذت عني منها شوارد، وغابت عني موارد، ولحقت عملي فيها شوائب. فعسى ناقدًا بصيرًا ينبهني، وقارئًا نصوحًا يرشدني، ومعينًا حريصًا يساعدني، فأتدارك النواقص، وأزيل الشوائب، وأصحح الأخطاء. فبذلك وحده تنضج الأعمال وتزكو، وتنصلح الأمور وتصفو، وتتضافر الجهود وتسمو، ويتكامل البناء ويرسو.
شكر وعرفان ودعاء
" من لا يَشكُرِ الناسَ لا يشكُرِ الله"، كذا قال رسول الله عليه السلام (1)، و"لا أحدٌ هو
جزيرةٌ قائمة بذاتها"، هكذا قال الشاعر الإنجليزي جون دونِّي John Donne
(1) وفي رواية: "من لم يَشكُرِ الناسَ لم يشكُرِ الله"، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، مصححًا الرواية الأولى ومحسنًا الثانية. الترمذي، الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى: الجامع الكبير، تحقيق بشار عواد معروف (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1996)، "أبوابُ البرِّ والصلةِ =
(1572 - 1631) في التأمل السابع عشر من تأملاته وابتهالاته الشعرية الماتعة (1). فلولا ما تهيأ لي من تعاون الكثيرين وتضافر جهودهم لما أمكنني أن أبلغ بهذا العمل ما بلغت. والواجبُ في ذلك كله يقتضيني العرفانَ والشكرَ لكل مَنْ أسدى لي عونًا ومدَّ إلي يدًا وشدَّ مني أزرًا، مهما كان مقدارُ تلك المعونة وطولُ تلك اليد وقوةُ ذلك الشد.
ولْنبدأ في ذلك بمنْ رحل عن هذه الدنيا بعد أن أسدى للفقه الإسلامي ولتراث ابن عاشور من الخدمة ما أسدى، أعني الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله تعالى، فقد صوَّر لي ما توافر في مكتبته بجدة من مقالات وخاصة المجموعة التي نشرها الحسيني، وما فتئ يشجعني فيما جرى بيني وبينه من لقاءات ومراسلات على المضيِّ قدمًا في هذا المشروع. كما أشكر الشيخ محمد المختار السلامي - متعه الله بسابغ الصحة والعافية - الذي أرسل إلي نسخة من بحث "الوقف وآثاره في الإسلام" في صورته التي أصدرته بها مطبعة الهداية الإسلامية رسالة مستقلة. والشكرُ موصولٌ للشيخ الدكتور عبد الستار أبي غدة - حفظه الله - الذي زودني بنسخة من مقال "النسب" الذي خصَّ به ابنُ عاشور "الموسوعةَ الفقهية الكويتية" عند تأسيسها. والعرفان الجميل أرفعه إلى كل من الأستاذ خالد عبد المنعم بمعهد الدراسات المعرفية بالقاهرة الذي صور لي بعض ما نشرته مجلة مجمع اللغة العربية من مقالات ابن عاشور، والدكتور عبد الرحمن حللي بجامعة حلب (فرج الله كربها وكربَ الشعب السوري) الذي زودني بصورة لكل ما نُشر لابن عاشور في مجلة المجمع العلمي بدمشق، والدكتور نور الدين الخادمي الذي مدني بصورة لما نشره ابن عاشور في مجلات "السعادة العظمى" و"الهداية" و"جوهر الإسلام" كما زودني بنسخة من رسائل "قصة المولد" و"أصول الإنشاء والخطابة" و"موجز البلاغة".
= عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم"، الحديثان 1954 - 1955، ج 3، ص 505 - 506. وأخرجه باللفظ الأول أبو داود عن أبي هريرة كذلك. السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث: سُنَن أبي دَاوُد، ضبطه محمد عبد العزيز الخالدي (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 4، 2010)، "كتاب الأدب"، الحديث 4811، ص 757.
(1)
Donne، John: Devotions upon Emergent Occasions، edited by John Sparrow (Cambridge: Cambridge University Press، no date)، P. 98
والشكر الجزيل والتقدير الكبير أسجلهما للدكتور إبراهيم محمد زين الذي لم يتوان في توجيه إدارة مكتبة المعهد العالمي للفكر والحضارة الإسلامية إبان ولايته عميدًا له (2007 - 2010) إلى اقتناء المجموعة الكاملة لأعداد مجلة "الهداية الإسلامية" من بيروت، وللأختين الكريمتين: مديرة مكتبه سلمى أحمد ومايزة عثمان المسؤولية المالية بالمعهد، اللتين تابعتا تنفيذَ ذلك التوجيه بنجاعة فائقة في أقل من خمسة أسابيع، فتوفر بين يديَّ بذلك مصدرٌ أساسي لمقالات ابن عاشور جنبني عناء البحث وطول الانتظار. كما أشكر الدكتور محمد أبا الليث الخيرآبادي - شيخ علوم الحديث بالجامعة الإسلامية العالمية - الذي كان دائمًا على استعداد لمساعدتي وإنارة طريقي في ضبط كثير مما عسر علي ضبطه من روايات وأسانيد. ولا بد لي من أن أشكر كذلك أستاذ الجيل في تونس الدكتور عبد المجيد النجار الذي لم يزل مذ علم بفكرة هذا المشروع يلاحقني بالسؤال والتذكير والحث حتى لا أفشل في منتصف الطريق أو أتهاون وأتباطأ في السير فيها. ولا ينبغي كذلك أن يفوتني الإعرابُ عن شكريَ الخاص لكل من الدكتور عبد المقصود جعفر (من مصر) والدكتور منتهى أرتاليم زعيم (من إندونيسيا) اللذين توليا عني العبءَ الأكبر في رقم المادة الضخمة التي يشتمل عليها هذا المجموع وتحويلها إلى لغة الحاسوب.
إن شكري وعرفاني بالجميل لا يقفان عند هؤلاء الذين ذكرتُ أسماءهم، بل يمتدان إلى أولئك الجنود الأخفياء من المتطوعين بالتصوير الضوئي للكتب والمجلات - النادر منها وغير النادر - ورفعها على المواقع العلمية المختلفة في الشبكة العنكبوتية الدولية، فلولا جهودُهم الدؤوبة المتقنة لتضاعفت المدةُ التي أُنجز فيها هذا العمل، لما يتطلبه البحثُ عن المصادر والمراجع في رفوف المكتبات العادية من زمن وتفرغ لا أُراني متمكنًا منهما في ظل الظروف التي أعيشها.
وشكري وتقديري موصولان أخيرًا - وليس آخرًا - إلى أسرتي في ماليزيا التي كثيرًا ما كان انهماكي في هذا العمل يتم على حساب هذا الحق أو ذاك من حقوقها علي، فصبرت على ذلك وما ضجرت، وخاصة زوجتي سعاد رموش التي كثيرًا ما
كانت تشفق على صحتي من كثرة جلوسي المتطاول أمام الحاسوب أقرأ وأراجع وأصحح وأوثق.
إن ما لهؤلاء جميعًا من دَيْنٍ يطوق عنقي لا قبلَ لي بالوفاء لهم بشيء منه، إلا أن أبتهل إلى الله الجليل الكريم أن يضاعفَ لهم الثوابَ على ما أسدَوْا، وأن يغفر لي ما قد أكون ارتكبته في حقهم من خطأ عمدًا كان أو سهوًا.
وقد بدأتُ العمل في صنعة هذه الجمهرة وانتهيت منه في كنف الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، فكان للمناخ العلمي والثقافي والاجتماعي فيها وللمرافق المتوفرة بها عونٌ كبير لي على السير بخطى حازمة مطمئنة في طريق إنجازه، وخاصة مكتبتها المركزية التي كفتني مؤنة البحث عن كثير من المصادر والمراجع. فاللهَ أدعو أن يحفظها والمنتسبين إليها ويجعلها منارة حق وخير لخدمة الأمة والإنسانية.
وبعدُ، ففي البدء والمختتم وما بينهما، الحمد والشكر لله عز وجل أولًا وآخرًا على ما أولى من نعمة الصحة والعافية، وما أسبغ من بركة التوفيق، وما ألهم من سداد البصيرة، فلولا ما منَّ به من نعمه التي نعلم قليلَها ولا ندرك كثيرها، لما بلغتُ من هذا الشأن المهمِّ الغاية التي بلغت، ولما وصلت إلى هذه اللحظة من حياتي وتجربتي التي يغمرني فيها غيرُ قليل من مشاعر الفرحة والراحة والبهجة. فإياه تعالى أسأل أن يجزيَ الشيخ ابن عاشور كفاء ما قدم للإسلام وللأمة، وأن ينفع بهذا المجموع قارئه والناظر فيه، وأن يجعل ما صنعته فيه وسيلةً لي إلى عفوه وقربه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، ولا حول ولا قوة إلا به، عليه توكلت وإليه أنيب.
وقد كمل تحريرُ هذا التقديم على الساعة الثامنة مساءً
من يوم السبت 29 ربيع الآخر 1435/ 1 مارس 2014
قاله
محمد الطاهر الميساوي
بمنزله الكائن بضاحية
غومباك من مدينة كوالالمبور