المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌لا صفر (1) جُبل الإنسانُ على تطلب المعرفة والاتسام بمسيم العلم، - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ١

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌إهداء

- ‌فَاتِحَةُ الكِتَاب

- ‌بين يدي مقالات ابن عاشور ورسائله

- ‌تمهيد: أنا وتراث ابن عاشور:

- ‌محاولات سابقة لجمع مقالات ابن عاشور، ولكن

- ‌منهجنا في هذه الجمهرة جمعا وترتيبا:

- ‌شكر وعرفان ودعاء

- ‌ضميمة

- ‌المِحْوَرُ الأَوَّلفِي العَقِيْدَةِوَالتَفْسِيْر وَالفِكرِ وَالحِكمَةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلالعَقيْدَة والتّفسِيْر

- ‌تنبيه ونصيحة

- ‌الرحمن على العرش استوى

- ‌[مقدمة]

- ‌[موقع الآية من المتشابه]

- ‌[طريقة السلف إزاء المتشابه]

- ‌[الخلف وتأويل المتشابه]

- ‌[رأي المصنف]

- ‌تكليم الله لموسى عليه السلام

- ‌وجهُ تسمية يوم القيامة بيوم التغابن

- ‌عصمة الأنبياء

- ‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:

- ‌قول عياض:

- ‌[الخلاصة]:

- ‌شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌معنى الشفاعة:

- ‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها:

- ‌مراجعة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

- ‌المهدي المنتظر

- ‌[مقدمة]:

- ‌[مكانة حديث المهدي من تعاليم الإسلام]:

- ‌[مذاهب العلماء في المهدي]:

- ‌كيف نشأ القولُ بالمهدي المنتظر

- ‌[أنواع الآثار المروية في المهدي]:

- ‌الآثار المروية في المهدي:

- ‌الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث:

- ‌الرأى فيها من جهة النظر:

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيالفكْر وَالحكْمَة

- ‌من يجدد لهذه الأمة أمر دينها

- ‌[تمهيد]:

- ‌دعائم الإسلام:

- ‌معنى التجديد

- ‌مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد:

- ‌كيف يكون مبدأ تعيين المائة السنة

- ‌رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه:

- ‌رأي مجد الدين ابن الأثير في تعيين المجددين

- ‌التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده:

- ‌التوسم في تعيين المجددين بحسب أدلة الحق المبين:

- ‌[المائة الأولى]:

- ‌[المائة الثانية]:

- ‌[المائة الثالثة]:

- ‌[المائة الرابعة]:

- ‌[المائة الخامسة]:

- ‌[المائة السادسة]:

- ‌[المائة السابعة]:

- ‌[المائة الثامنة]:

- ‌[المائة التاسعة]:

- ‌[المائة العاشرة]:

- ‌[المائة الحادية عشرة]:

- ‌[انحلال الجامعة الإسلامية وتزايد الفتن]:

- ‌[المائة الثانية عشرة]:

- ‌التقوى وحسن الخلق

- ‌شرف الكعبة

- ‌اللذة مع الحكمة

- ‌احترام الأفكار

- ‌العلم عند الله

- ‌تحصيله:

- ‌المقدم منه والمتعين:

- ‌خطته:

- ‌نعيمه والغاية القصوى منه:

- ‌مسألة خفية من مباحث الفلسفة الإسلامية: وحدة الوجود

- ‌ابن سينا والحكمة المشرقية

- ‌[تمهيد]:

- ‌أصل الحكمة اليونانية المنقولة إلى العربية:

- ‌طريقة الشيخ ابن سيناء في الحكمة:

- ‌الحكمة المشرقية:

- ‌الكتاب المعنون "منطق المشرقيين

- ‌الإنسان على الأرض

- ‌عمر الإنسان: ماذا أردت

- ‌أصول التقدم والمدنية في الإسلام

- ‌[مقدمة]

- ‌ما هو الإسلام

- ‌[التأسيسات الأصلية]

- ‌[وحدة النوع الإنساني: ]

- ‌ظهور الإسلام

- ‌واجب المسلمين أن يقتنعوا بهداية الإسلام

- ‌واجب المسلمين: النصيحة

- ‌ما هو النصح والنصيحة

- ‌اضطلاع الناصح بحق النصيحة:

- ‌قبول المنصوح للنصيحة:

- ‌الرفق بالحيوان في الإسلام

- ‌تحرير مسألة في علم الهيئة

- ‌المحْوَر الثّانِيفِي فِقْهِ السُّنَّةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلفِقْه الحَدِيْث

- ‌التعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ونشأة علم الحديث

- ‌[تمهيد]:

- ‌الاهتمام بتدوين ما صحت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الغرض من تأليف الموطأ

- ‌ما المراد بالحديث الصحيح

- ‌[نسخ الموطإ]

- ‌اسم كتاب "الموطأ

- ‌تحقيق مسمى الحديث القدسي

- ‌[تقديم]:

- ‌ تعريف الحديث القدسي

- ‌صيغة رواية الحديث القدسي:

- ‌الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وبينه وبين غيره من الأحاديث النبوية:

- ‌مراجعة ما تضمنه كتاب "فتح الملك العلي

- ‌المراجعة الإجمالية:

- ‌المراجعة التفصيلية:

- ‌درس في موطأ الإمام مالك رضي الله عنه: "جامع القضاء وكراهيته

- ‌[تمهيد: القضاء بين الترغيب والترهيب]:

- ‌[العدل أساسُ صلاح العمران]:

- ‌[شرح الحديث]:

- ‌الأسانيد المريضة الرواية: "حديث طلب العلم فريضة

- ‌أقوال الحفاظ في رجال سنده:

- ‌آراء الحفاظ في حالته:

- ‌[روايات الحديث]:

- ‌التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس

- ‌خلق النور المحمدي

- ‌متن هذا الحديث:

- ‌مرتبة هذا الحديث من الصحة:

- ‌نقده من جهة اللفظ:

- ‌نقده من جهة المعنى:

- ‌دفع إشكال في حديث نبوي: "سألتُ ربي

- ‌سند هذا الحديث:

- ‌[معنى الحديث]:

- ‌حديث: من سُئل عن علمٍ فكتمه

- ‌[سند الحديث]:

- ‌معنى الحديث:

- ‌[مسائل في فقه الحديث]:

- ‌حديث: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم

- ‌سند الحديث واختلاف ألفاظه

- ‌معنى الحديث:

- ‌تحقيق الخبر المأثور: "لا رهبانية في الإسلام

- ‌معنى الرهبانية:

- ‌لا صفر

- ‌شهر رجب

- ‌شهر شعبان

- ‌لا عزاء بعد ثلاث

- ‌تحقيق معنى لفظ العزاء

الفصل: ‌ ‌لا صفر (1) جُبل الإنسانُ على تطلب المعرفة والاتسام بمسيم العلم،

‌لا صفر

(1)

جُبل الإنسانُ على تطلب المعرفة والاتسام بمسيم العلم، فهو متعلِّمٌ وعالِمٌ ومُعلِّم بطبعه. لذلك ترى الطفلَ يسأل عن كل ما يراه ويسمعه، ويحاول أن يُرِيَ رفيقَه كلَّ ما يلوح له من أمر مستغرب، ويعرفه بكل ما وصل إليه علمُه وإدراكه.

وشأنُ الأمم في جهالتها الأولى أو العارضة لها عن تدهور من أوج الهداية إلى حضيض الضلالة أن تنتحلَ لأنفسها معارفَ مخلوطة بين حق وباطل، تعلل بها تعطشها إلى العلم. وغالب ذلك هو من وضع أهل الذكاء منهم الذين لم يقدر لهم صقل ذكائهم بالمعارف الحقة، فهم بذكائهم الفكري تنعكس حركةُ عقولهم على نفسها، فتخترع من تخيلاتها وأوهامها ما يحسبونه علمًا، ويشيعونه في طهماء (2) القوم عن غرور وغفلة أو عن دهاء وحيلة، ليقتعدوا بذلك مراقيَ القيادة والزعامة.

ولذلك لا تجد أمةً يَخلو تاريخُ علومها من الابتداء بعلوم وهمية وخرافية تكون هي قصارى علومها قبل نهوض حضارتها، ويتفاوتون في تنظيمها تفاوت عقولهِم في الاختراع.

فقد كان للكلدان خرافاتٌ من عبادة الكواكب وأرواحها، وكان للمصريين خرافاتٌ في أحوال الموتى والموجودات المقدسة، وكان لليونان خرافاتٌ في أحوال الآلهة والأبطال. فإذا ارتقت تلك الأممُ وتواضعت (3) العلوم الصحيحة، بقيت بقايا من العلوم الوهمية عالقةً بعقول الطائفة التي حظُّها من المعارف الحقة قليلٌ أو معدوم.

(1) المجلة الزيتونة، المجلد 1، العد 8، صفر 1356/ أفريل [أبريل] 1937 (ص 381 - 385).

(2)

لعل الصواب: دهماء القوم، أي: عامة الناس وسوادهم.

(3)

يبدو أن المصنف استخدم فعل تواضع هنا بمعنى استقام واستقر.

ص: 469

ألا ترى أن المصريين مع ما كان في كَهَنتهم من العلوم الحكمية لم تخلُ عامَّتُهم من الإيمان بأوهام خرافية؟ وكذلك الحال في اليونان إذ لم يكن لغالب أساطين العلم في هؤلاء وأولئك دعوةٌ إلى إصلاح التفكير والاعتقاد في العامة إلا نادرًا، مثل ما كان من سقراط بطريقته الوعظية والتمثيلية، وديوجينوس بطريقته التهكمية، (1) بل كان غالبُهم يقتصر من علمه على التعليم الخاص.

على هذا السَّنَنِ كان شأنُ العرب في جاهليتهم، فقد تعلَّقوا بأوهامٍ باطلة ابتكرتْها تخيلاتُهم، أو وضعها لهم أهلُ الدهاء من المتطلعين إلى التفوق والزعامة في القبائل، فيرسمون لهم رسومًا ويخيلون لهم أنها معارفُ استأثروا بها ليجعلوا أنفسهم مرجعًا يرجع إليه الأقوام، فانطوت بهم عصورٌ في ضلالة حتى استيقظوا منها في القيامة فقالوا:{رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)} [الأحزاب: 67، 68]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن عمرو بن لُحَي جد خزاعة أنه يجر قُصْبَه في النار؛ لأنه أول من بحر البحيرة وسيب السائمة وحمى الحامي ووصل الوصيلة، (2) ودعا الناس إلى عبادة الأصنام. (3)

(1) كان سقراط أشهر فلاسفة أثينا يدعو العامة جهرًا إلى واجبهم، ويضرب الأمثالَ بوضع حكايات على ألسنة الحيوان. وكان ديوجينوس زاهدًا من حكماء أثينا، وكان يلقي الوعظَ والتربية بالتهكم على أحوال قومه التي لا يرضاها. - المصنف.

(2)

المشار إليها في قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: 103]. - المصنف.

(3)

عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "عُرضت علي النار، فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قُصْبَهُ في النار، وهو أولُ مَنْ غير عهد إبراهيم، سيب السوائب وبحر البحائر وحمى الحامي ونصب الأوثان وأشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون، فقال أكثم: يا رسول الله! يضرني؟ قال: لا، إنك مسلم وإنه كافر". البرهان فوري: كنز العمال، "الباب الرابع في القبائل وذكرهم"، الحديث 34097، ج 12، ص 83.

ص: 470

كان العربُ قد ادَّعَوْا لأنفسهم علومًا وهمية، منها الطيرة والفأل والزجر والعيافة والرقى والسُّلوان. (1) وكذبوا أكاذيب أشاعوها بين الناس، من دعوى تعرض الغول لهم في أسفارهم، وخروج طائر من دم قتيل يسمى الهامة، ومحادثتهم مع الجن، وغير ذلك.

وحاصلُ هذه العلوم أنها استخراجُ معان دالة على وقوع حوادث مستقبلية للعامة أو الخاصة، تُستخرَج من أحوالٍ تبدو من حركات الطير أو الوحش ومرورها ونزولها، أو من أقوال تَقرَعُ السمعَ على غير ترقب، أو من مقارنات بين الأشياء وملازمات للأشياء. ويجعلونها كالمقصود من تلك الأشياء، مثل تشاؤمهم بالهام، وهو ذكر البوم؛ لأنه يألف الخرابَ والمقابر ويصيح كالناعي، فجعلوه علامةً على الخلاء. وإن دلت عندهم على معان حسنة تفاءلوا بها، مثل أن يمر بالمسافر من جانبه الأيمن بقرةٌ وحشية سليمة القرن.

وبعضُ هذه المعلومات تبلغ من الشهرة عندهم إلى حد أن يستويَ الناسُ في استطلاعها، وبعضها يتركب من أحوال كثيرة، أو يحتاج إلى دقائق، فيحتاج العامةُ إلى عرضها على أهل المعرفة. والعارف بدقائق ذلك يُدعى العرَّاف، وقد اشتهر أهلُ اليمامة وأهلُ نجد بعرافيهم، (2) واشتهرت بنو لهب - قبيلة من الأزد - بالزجر والعيافة.

(1) السُّلوان: ماءٌ كانوا يوعمون أن العاشقَ إذا شربه سلَا عن حبه، أي نَسيَه وطابت نفسُه بعد فراقه. ومنه السُّلوانة: خَرَزَةٌ كانوا يزعمون أنه إذا صُبَّ عليها ماءُ المطر فشربه العاشِقُ سلا.

(2)

قال عروة بن حزام:

بَذَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حُكْمَه

وَعَرَّافِ نَجْدٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي

- المصنف. والبيت من بحر الطويل ويتلوه ثان لفظه:

فَقَالَا: شَفَاكَ الله! وَالله مَا لَنَا

بِمَا حَمَلَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ

أما ما طلب الشاعر الرقية منه فهو الحب. وعراف اليمامة هو رباح بن عجلة، وعراف نجد هو الأبلقُ الأسدي. وقد ذكر ابن خلدون البيتين دون نسبة، وجاء عنده البيت الأول بلفظ "جعلت" بدل "بذلت". مقدمة ابن خلدون، ص 104. ويروى البيتان ضمن مقطوعة مع اختلاف في بعض الألفاظ.

ص: 471

أضاء على العرب وهم في ظلمات الجاهلية نورٌ بزع وفجرٌ سطع، وهو نورُ الإسلام الذي جاء لإنقاذ البشرِ كلِّهم من ظلمات الأوهام والزيغ. فطلعت شَمسُه على العرب مثل كل الأمم، فأنحى على عقائد العرب الضالة. وحسبُك أن الله تعالى وصف الاعتقادَ بالباطل بأنه اعتقاد الجاهلية، إذ قال:{يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154].

فكان أولُ ما دعاهم الإسلامُ إليه صحةَ الاعتقاد المستتبع تصحيحَ التفكير، فدعاهم إلى صحة الاعتقاد في ذات الله وصفاته، ثم إلى نبذ سفاهة الأحلام في هذه الأوهام. وقد تكرر ذلك في القرآن:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)} [الأنعام: 140]. (1) وأرشدهم إلَى أنَّ ما لَا دليلَ عليه من وحيٍ أو عقلٍ يقبُح تقلُّدُه، فقال القرآن فيهم:{إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)} [يونس: 68 - 70].

ومن الضلالات التي اعتقدها العربُ اعتقادُ أن شهرَ صفر شهرٌ مشؤوم. وأصل هذا الاعتقاد نشأ من استخراج معنى مما يقارن هذا الشهر من الأحوال في الغالب عندهم، وهو ما يكثر فيه من الرزايا بالقتال والقتل. ذلك أن شهر صفر يقع بعد ثلاثة أشهر حرم نَسْقًا، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وكان العربُ يتجنبون القتالَ والقتلَ في الأشهر الحرم؛ لأنها أشهرٌ أمن الله، قال الله تعالى:{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة: 97]، فكانوا يقضون الأشهرَ

(1) أشارت الآية إلى وأد البنات، وإلى تحريمهم بعضَ الأنعام على أنفسهم، كما قال تعالى:{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 138]. - المصنف.

ص: 472

الحرم على أحن (1) من تطلب الثأرات والغزوات وتشتت حاجتهم في تلك الأشهر. فإذا جاء صفر بادر كلُّ مَنْ في نفسه حنقٌ على عدوه فثاوره، (2) فيكثر القتل والقتال. ولذلك قيل إنه سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون مَنْ لَقُوه صِفْرًا من المتاع والمال، أي خلوًا منهما. قال الذبياني يحذر قومه من التعرض لبلاد النعمان بن الحارث ملك الشام في شهر صفر:

لَقَدْ نَهَيْتُ بَنِي ذُبْيَانَ عَنْ أُقُرٍ

وَعَنْ تَرَبُّعِهِمْ فِي كُلِّ أَصْفَارِ (3)

ولذلك كان مَنْ يريد العمرةَ منهم لا يعتمر في صفر؛ إذ لا يأمن على نفسه. فكان من قواعدهم في العمرة أن يقولوا: "إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت لمن اعتمر"، (4) على أحد تفسيرين في المراد من صفر، وهو التأويل الظاهر.

وقيل أرادوا به شهرَ المحرم، وأنه كان في الجاهلية يسمى صفرًا الأول، وأن تسميته محرمًا من اصطلاح الإسلام، وقد ذهب إلى هذا بعضُ أئمة اللغة. وأحسب أنه اشتباه؛ لأن تغيير الأسماء في الأمور العامة يُدخِلُ على الناس تلبيسًا لا يقصده الشارع، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا خطب في حجة الوداع فقال:"أي شهر هذا؟ ، قال الراوي: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ "، ثم

(1) على أحن: على حقد وضغن.

(2)

أي ساوره وواثبه.

(3)

أُقُر- بضم الهمزة وضم القاف - اسم جبل، وبجانبه واد يقال له ذو أقر. وهو مراد النابغة، فحذف ذو. وهو واد لبني مرة، وكانت ذبيان نزلت به بعد إغارتهم على بلاد الشام. والتربع الإقامة في الربيع لأجل المرعى. ومراده "بكل أصفار" في كل شهر صفر من كل عام؛ لأنهم يتعرضون لغارة النعمان بن الحارث. - المصنف. ديوان النابغة الذبياني، ص 75 (نشرة محمد أبو الفضل إبراهيم) وص 120 (نشرة ابن عاشور). والبيت هو طالعُ قصيدة من البحر البسيط قالها النابغة بعد موت النعمان بن الحارث يصف فيها ما حصل لقومه بني ذبيان في وادي ذي أُقُرٍ على يدي عمرو بن الحارث أخي النعمان لعدم سماعهم نصيحة النابغة.

(4)

وكانوا لا يعتمرون في أشهر الحج، بل يرجعون إلى آفاقهم ثم يخرجون معتمرين. - المصنف.

ص: 473

ذكر في أثناء الخطبة الأشهر الحرم فقال: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". (1) فلو كان اسم المحرم اسمًا جديدًا لوضحه للحاضرين الواردين من الآفاق القاصية. على أن حادثًا مثل هذا لو حدث لتناقله الناس، وإنما كانوا يطلقون عليه (2) وصفرَ لفظَ الصَّفَرَيْنِ تغليبًا.

فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشاؤم بصفر، روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة والسائب بن يزيد رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا عدوى، ولا صفر". اتفق هؤلاء الأصحابُ الثلاثة على هذا اللفظ، وفي بعضهم زيادة:"ولا هامة ولا غول ولا طيرة ولا نوء". (3)

وقد اختلف العلماءُ في المراد من صفر في هذا الحديث، فقيل أراد الشهر، وهو الصحيح. وبه قال مالك، وأبو عبيدة معمر بن المثنى. وقيل أراد مرضًا في البطن سُمِّيَ الصفر، كانت العرب يعتقدونه معديًا، وبه قال ابن وهب ومطرف وأبو عبيد القاسم بن سلام. وفيه بعد؛ لأن قوله:"لا عدوى" يغني عن قوله: "ولا صفر". وعلى أنه أراد الشهر، فقيل: أراد إبطالَ النسيء، وقيل: أراد إبطال التشاؤم بشهر صفر، وهذا الأخير هو الظاهر عندي. (4)

ووجهُ الدلالة فيه أنه قد عُلم من استعمال العرب أنه إذا نُفِيَ اسمُ اجنسٍ ولم يُذكر الخبر، أن يُقَدَّرَ الخبر بما يدل عليه المقام. فالمعنى هنا لا صفر مشؤوم، إذ هذا

(1) صحيح البخاري، "كتاب المغازي"، الحديث 4406، ص 747؛ "كتاب الأضاحي"، الحديث 5550، ص 987؛ ابن هشام: السيرة النبوية، ج 2/ 4، ص 190 - 191.

(2)

الضمير هنا عائد على المحرم. أي يطلقون على المحرم وصَفر لفظ الصَّفَرَيْن.

(3)

انظر الروايات المختلفة في ذلك في: صحيح البخاري، "كتاب الطب"، الأحاديث 5707 (ص 1009) و 5717 (ص 1010) و 5770 (ص 1019)؛ صحيح مسلم، "كتاب السلام"، الأحاديث 2220 - 2222، ص 876 - 877.

(4)

وجهُ كونه الظاهر أنه لو أريد إبطال النسيء لكان الأظهر أن يقول: لا نسيء؛ لأنه أشهر، ولأن النسيء لا يختص بشهر صفر بل يقع بين صفر ومحرم؛ لأنه جعل محرمًا أو العكس. - المصنف.

ص: 474

الوصفُ هو الوصف الذي يختصُّ به صفر من بين الأشهر. وهكذا يُقدَّر لكلِّ مَنْفِيٍّ في هذا الحديث على اختلاف رواياته بما يناسب مُعْتَقَدَ أهل الجاهلية فيه.

وسواء كان هذا هو المراد من هذا الحديث أم غيره، فقد اتفق علماءُ الإسلام على أن اعتقاد نحس هذا الشهر اعتقادٌ باطل في نظر الإسلام، وأنه من بقايا الجاهلية التي أنقذ الله منها بنعمة الإسلام.

قد أبطل الإسلامُ عوائدَ الجاهلية، فزالت من عقول جمهور المؤمنين، وبقيت بقاياها في عقول الجهلة من الأعراب البعداء عن التوغل في تعاليم الإسلام. فلصقت تلك العقائد بالمسلمين شيئًا فشيئًا مع تخييم الجهل بالدين بينهم، ومنها التشاؤم بشهر صفر، حتى صار كثيرٌ من الناس يتجنب السفرَ في شهر صفر اقتباسًا من حذر الجاهلية السفرَ فيه خوفًا من تعرض الأعداء. ويتجنبون فيه ابتداءَ الأعمال، خشيةَ أن لا تكون مباركة.

وقد شاع بين المسلمين أن يصفوا شهرَ صفر بقولهم: صفر الخير، فلا أدري هل أرادوا به الردَّ على مَنْ يتشاءم به، أو أرادوا التفاؤل لتلطيف شره، كما يُقال للملدوغ السليم. وأيًّا ما كان، فذلك الوصف مُؤْذِنٌ بتأصل عقيدة التشاؤم بهذا الشهر عندهم.

ولأهل تونس حظٌّ عظيمٌ من اعتقاد التشاؤم بصفر، لا سيما النساء وضعاف النفوس. فالنساء يسمينه "ربيب العاشوراء"، ليجعلوا له حظًّا من الحزن فيه وتجنب الأعراس والتنقلات. ومن الناس مَنْ يزيد ضغثًا على إبالة، (1) فيضم إلى عقيدة

(1) في الأصل "ضغطًا على إبالة"، والصواب ما أثبتناه. يقال: زاد ضغثًا على إبالة، وهو مثل يُضرب للرجل يحمل صاحبه المكروه، ثم يزيده منه. وهو قريب المعنى من قولهم: زاد الطين بلة. والإبالة الحزمة من الحطب، والضغث الجرزة التي فوقها، يجعلها الحطاب لنفسه، والجرزة والحزمة بمعنى واحد، قال أسماء بن خارجة:

لِي كُلَّ يَوْمٍ مِنْ ذُؤَالَهْ

ضِغْث يَزيدُ عَلَى إِبَالَهْ =

ص: 475

الجاهلية عقيدة أجهل منها، وهي اعتقاد أن يوم الأربعاء الأخير من صفر هو أنحسُ أيام العام. ومن العجب أنهم ينسبون ذلك إلى الدين الذي أوصاهم بإبطال عقائد الجاهلية، فتكون هذه النسبةُ ضلالةً مضاعفة؛ [إذ] يستندون إلى حديث موضوع يروى عن ابن عباس أن رسول الله قال:"آخرُ أربعاء في الشهر يومُ نَحْسٍ مستمر"، (1) وقد نص الأئمةُ على أن هذا حديثٌ موضوع. فإذا ضُمَّ ذلك إلى التشاؤم بشهر صفر من بين الأشهر، أنتجت هذه المقدماتُ الباطلة نتيجةً مثلَها، وهي أن آخرَ أربعاء من شهر صفر أشأمُ أيام العام. وأهلُ تونس يسمونها "الأربعاء الكحلاء"، أي السوداء، كنايةً عن نحسها؛ لأن السواد شعار الحزن والمصائب، عكس البياض. قال أبو الطيب في الشيب:

ابْعَدْ بَعِدْتَ بَيَاضًا لَا بَيَاضَ لَهُ

لأَنْتَ أَسْوَدُ فِي عَيْنِي مِنَ الظُّلَمِ (2)

= وذؤالة: الذئب، اسم له معرفة لا ينصرف، واشتقاقه من الذَّأَلان، وسُمِّيَ به لخفته في حركته وعدوه. وقد صار البيت مثلًا يضرب، بمعنى للأمر يتبع بعضُه بعضًا، أي أن لي كل يوم من ذؤالة بلية على بلية. انظر ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم: لسان العرب (بيروت: دار صادر، 1410/ 1990)، ج 11، ص 254 - 255 (باب اللام، فصل الذال).

(1)

أخرجه الخطيب البغدادي في ترجمة أبي الوزير صاحب ديوان المهدي، من طريق مسلمة بن الصامت، قال:"حدثنا أبو الوزير صاحب ديوان المهدي، قال: حدثنا المهدي أمير المؤمنين، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: آخرُ أربعاءَ من الشهر يوم نحس مستمر". تاريخ مدينة السلام، ج 16، ص 584. وانظر في أقوال العلماء فيه: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (بيروت: دار المعرفة، بدون تاريخ)، ج 1، ص 485 - 486؛ الألباني، محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (الرياض: مكتبة المعارف، ط 2، 1408/ 1988)، الحديث 1581، ج 4، ص 83.

(2)

ديوان المتنبي بشرح البرقوقي، ج 4، ص 151. والبيت هو الثاني من قصيدة قالها المتنبي في صباه حين لاحظ أن المشيب هجم على شعره دفعة واحدة من دون تدرج.

ص: 476

وهو اعتقادٌ باطل؛ إذ ليس في الأيام نحس؛ قال مالك رحمه الله: "الأيامُ كلُّها لله"، (1) وإنما يفضل بعضُ الأيام بعضًا بما جعل الله له من الفضل فيما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولأجل هذا الاعتقاد الباطل، قد اخترع بعضُ الجهلة المركبين صلاةً تُصلَّى صباح يوم الأربعاء الأخير من صفر. وهي صلاةٌ ذاتُ أربع ركعات متواليات، تُقرأ في كل ركعة منها سورٌ من القرآن مكرَّرة متعددة، وتُعاد في كل ركعة، ويُدعى عَقِبَ الصلاة بدعاء معين. وهي بدعةٌ وضلالة؛ إذ لا تُتَلَقَّى الصلواتُ ذواتُ الهيئات الخاصة إلا من قبل الشرع. ولم يرد في هذه الصلاة من جهة الشرع أثرٌ قويٌّ ولا ضعيف، فهي موضوعة. وليست من قبيل مطلق النوافل؛ لأنها غيرُ جارية على صفات الصلوات النوافل. فليحذر المسلمون من فعلها، ولا سيما مَنْ لهم حظٌّ من العلم. ونعوذ بالله من علم لا ينفع وهوى متبع.

(1) القيرواني: النوادر والزيادات، "كتاب الصوم"، ج 2، ص 75؛ ابن رشد: البيان والتحصيل، "كتاب الصيام والاعتكاف"، ج 2، ص 322، و"كتاب الجامع الأول"، ج 17، ص 24.

ص: 477