الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السلطان ترجيحًا خطابيًّا يناسب أفكار العامة؛ فكانت سببًا في تقلد السلطان مذهب الشافعي.
فالتجديد في صدر هذا القرن تجديدٌ سياسي، وليس تجديدًا علميًّا إلا من فتنة الحاكم بمصر، وتفشي أنصاره في الشام وجبالها وبعض بلاد العراق والموصل، وتطاوله على أهل السنة، [وقد] أفضى ذلك خلال السنين إلى حدوث المَقَاتِل بين أهل السنة والشيعة فكانت في سنة 407 هـ فتنة كبيرة بين أهل السنة والشيعة في واسط وفي القيروان بإفريقية، وكان مثار هذه الضلالات والفتن والمقاتلات الحاكم وأتباعه. فيمكن أن نعد في المجددين الرجلين المجهولين اللذين قتلا الحاكم سنة 411 هـ بسعي القائد ابن دوّاس، أحد قواد الحاكم بمصر، وبإغراء ست الملك أخت الحاكم. (1)
[المائة السادسة]:
فإن قال قائل: (2) كيف تعد محمودًا الزمخشري في مجددي أمر الدين؟ فإن ظاهر كلام الرسول عليه السلام ينبئ بأن هذا التجديد مزية دينية، وأن القائم به ميسر من
(1) هي الأميرة الفاطمية، ابنة الخليفة العزيز بالله الفاطمي وأخت الحاكم بأمر الله، ولدت سنة 359/ 970 قبل أخيها بنحو ست عشرة سنة. وفدت ستُّ الملك إلى مصر مع أبيها العزيز بالله في ركب جدها المعز لدين الله الفاطمي أواخر عام 362 هـ، وتربت في القصر الفاطمي بالقاهرة المعزية، وكانت أمُّها جاريةً رومية من سراري العزيز تسمى الست العزيزية. وقد حكمت مصر لأربع سنوات بعد أن تخلصت من أخيها الحاكم. انظر في خبرها ابن الأثير الجزري، أبو الحسن عز الدين علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ، نشرة بعناية محمد يوسف الدقاق (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1407/ 1987)، ج 8، ص 131.
(2)
من قوله: "فإن قال قائل" إلى قوله: "إذ قد أصَّلْنا أن للدين في كل ناحية تجديدًا" قبل الحديث عن مجددي المائة السابعة - وهو مقدار ست صفحات - نُشر في الجزء الحادي عشر من المجلد العاشر لمجلة الهداية الإسلامية (جمادى الأول 1357 هـ، ص 671 - 675) بوصفه القسم الرابع من الدراسة، ونرجح أنه سقط ما سبقه من كلام من المحتمل أنه يتناول المجددين خلال المائتين الخامسة والسادسة، وما ذُكر عن الزمخشري بوصفه أحدَ المجددين فيها، الأمر الذي هو مثارُ الاعتراض الذي ذكره المصنف وأجاب عنه في هذا القسم من الدراسة. ولم نتمكن من الحصول على أصل الدراسة بخط المصنف لجبر هذا النقص، وعسى أن نوفق لذلك في المستقبل القريب بمعاونة بعض عقبه والمهتمين بتراثه.
إلهه لهذا العمل الصالح فيظهر أنه معدود من صالح المؤمنين، وأنت تعلم أن الزمخشري كان معتزلي العقيدة مخالفًا لعقيدة أهل السنة، فهل يتلاقى اعتقاد الاعتزال والقيام بتجديد الدين في ذات واحدة؟
قلت: أنا لا أجهل أن الزمخشري كان من المعتزلة العدلية، فإن صح أنه قد رجع عن ذلك إلى عقيدة أهل السنة كما نحاه كثير من علمائنا، فالجواب عن السؤال ظاهر. غير أنِّي لا أطمئن إلى هذه الأمنية، ولا أحسب الزمخشري قد رجع عن مذهب الاعتزال مع كونه من أساطينه، وحينئذ فأنا أجيب السائل بأن الخلاف بيننا وبين المعتزلة العدلية خلافٌ في أمور خفيفة هي مجالٌ للاجتهاد ومثارة من الأدلة التي تعلقوا بها فيما خالفونا فيه، وتلك الأدلة وإن كان أكثرُها ضعيفًا فليس فيها مخالفة للقواطع.
ولذلك فهم أقربُ المخالفين لنا في مسائل الاعتقاد، وجميع ما خالفنا المعتزلةُ فيه من مسائل العقائد لا يترتب عليه استحلالُ حرام، ولا استباحةُ دمِ المخالف ولا ماله ولا تكفيرُه. فهم يعتقدون عصمةَ الرسل، وعدالةَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعظمون آلَ رسول الله، ويرون حُرمةَ دم ومال وعرض مَنْ قال: لا إله إلا الله. ولا يكفرون أحدًا بذنب من أهل القبلة، ويثبتون صفات الكمال له تعالى، ولا يعطلون آيات الوعد والوعيد، ولم يقع بينهم وبين أهل السنة قتال. وغايةُ أمرهم أنهم يتطاولون في الاستدلال على أهل السنة بعبارات بذيئة، وذلك لا يخلو منه المختلفون في المسائل العلمية بإفراط أو إقلال.
وأيضًا فإن جميع المعتزلة العدلية متبعون في الأعمال الفرعية أحدَ مذاهب السنة فيها، لا سيما مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي رحمهما الله؛ لأن الاعتزال لا علاقةَ له بالأعمال، ولأنهم لا ينتقصون أئمة المذاهب. فمعتقدُهم لا أثرَ له في الأمور العلمية، ولا يُفضي إلى ارتكاب ما يُخالف شرائعَ الإسلام.
إذن فاعتقادُ الاعتزال ليس فسقًا، وقد صرح علماؤنا بأن حالَ المخالفين لنا في الاعتقاد مع التزام عقيدة الإسلام إذا لم يصرحوا بالكفر، بل قالوا مقالاتٍ تجر إلى
الكفر أو إلى مخالفة ظواهر الأدلة من الكتاب أو السنة، يرجع النظرُ في تكفيرهم أو تفسيقهم إلى قاعدة أصلية، وهي قاعدةُ المؤاخذة بلازم المذهب. فمِنَ العلماء مَنْ يرون لازمَ المذهب مذهبًا، فيرتِّبون على أقوال الفرق المخالفة لنا في الأصول ما يلزم أقوالَهم لزومًا بيِّنًا، فإن لزم منه إبطالُ أصلٍ من أصول الإيمان، أو إنكارُ معلوم بالضرورة يعتبرونهم كفارًا أو فَسَقة، على تفاوت قوة اللزوم وضعفه، وهؤلاء أمثال الشيعة الغرابية والباطنية.
وعلى اختلاف العلماء في اعتبار اللازم مساويًا للملزوم، أو اعتباره دون ملزومه فيما يترتب عليه وإن لم يلزم من مذهبهم كفر، ولكن يلزم منه فسق، مثل الحرورية الذين يكَفِّرون الفرقَ الإسلامية عدا فرقهم، ومثل الخطابية المجوِّزين للكذب في الرواية والشهادة، ومثل المرجئة النافين للوعيد، ومثل الذين يقولون بكفر مرتكِبِ الكبيرة.
فهؤلاء فساقٌ عندنا وليسوا كفارًا؛ لأن مقالاتهم لا تفضي إلى إنكار أصلٍ من أصول الإيمان، ولكنها نشأ عنها أعمالٌ هي كبائر، كاستباحة دماء كثير من المسلمين العصاة. وإن لم يلزم من مقالاتهم شيءٌ إلا الخطأ في العلم والدين في مسائل النظر، فهم مخطئون وليسوا كفارًا ولا فساقًا، مثل المعتزلة. وكذلك فرقُ الشيعة الإمامية الذين يفضلون عليًّا على أبي بكر. والخطأ العلمي لا ينافِي الصلاحَ في الأعمال.
وأما العلماء الذين لا يرون لازمَ الذهب مذهبًا، فهم لا يعتبرون إلا حالةَ لوازم أقوالهم وما يترتب عليها من أعمالهم، فكانوا يعدون غلاةَ الفرق المخالفة فساقًا، ولا يعدون من عداهم فساقًا. قال شهاب الدين القرافي في تنقيح الفصول:" [وأما المبتدعة] فقد قبل البخاريُّ وغيره روايتهم، كعمرو بن عبيد وغيره من المعتزلة، نظرًا إلى أنهم من أهل القبلة"، (1) يعني نظرًا إلى أنهم ليس في أقوالهم ما ينشأ عنه ارتكابُ أعمال من الكبائر.
(1) القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، تحقيق أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1428/ 2007)، ص 347.
وفي كتاب الجنائز من المدونة قال مالك: "لا يُصَلَّى على أحد من أهل الأهواء". قال أبو الحسن في شرحه: "اختلف المالكيةُ في تأويل قول مالك: فقال سحنون: إنما أراد به التأديبَ وكراهيةَ مخالطتهم، ووافقه ابنُ رشد على ذلك وجماعة، أي: لا يصلي عليهم أهلُ السنة، وإنما يصلي عليهم أهلُ نحلتهم. ألا ترى أن مالكًا لم يُفتِ بأنهم لا يُدفنون في مقابر المسلمين ولم يصرح بأنهم يُتركون بدون صلاة عليهم؟ ولأنه لو لم يوجد في البلد الذي مات فيه أحدٌ من أهل الأهواء مَنْ يصلي عليه من أهل نحلته، يُترك بدون صلاة عليه. وقال غير سحنون: أراد مالك أن أهلَ الأهواء كفار، وأنهم لا يُصلَّى عليهم، ولا يُدفنون في مقابر المسلمين". (1)
(1) أورد المصنف كلام مالك بتصرف، فانظره في: الأصبحي، الإمام مالك بن أنس: المدونة الكبرى، رواية سحنون بن سعيد التنوخي، تحقيق عامر الجزار وعبد السلام المنشاوي (القاهرة: دار الحديث، 1426/ 2005)، ج 1، ص 278. أما أبو الحسن هذا فلعله علي بن محمد بن محمد بن خلف المنوفي المصري الشاذلي (857/ 1453 - 939/ 1532) شارح رسالة ابن أبي زيد القيرواني. ولعله ابن القصار، ولعله اللخمي، ولعله الرجراجي، ولكن الكلام المنقول ليس في كتابه "مناهج التحصيل"، ولم أجده في "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد، ولا "البيان والتحصيل" لابن رشد، ولا "الذخيرة" للقرافي، ولا "مواهب الجليل" للحطاب، ولا "التوضيح" لخليل، ولا "فتح العلي المالك" لعليش. وانظر تفاصيل الآراء في المسألة في ابن العربي: المسالك في شرح موطأ مالك، ج 7، ص 233 - 234؛ ابن رشد القرطبي، أبو الوليد: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة، تحقيق جماعة من العلماء بإشراف محمد حجي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط 2، 1408/ 1988)، "كتاب الصلاة الثالث"، ج 1، ص 443 - 444، و"كتاب الجنائز"، ج 2، ص 240 و 272؛ المازري، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي: شرح التلقين، تحقيق محمد المختار السلامي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1997/ 2008)، ج 3، ص 1171 - 1172؛ الرجراجي، أبو الحسن علي بن سعيد: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها، تحقيق أبي الفضل الدمياطي (بيروت/ الدار البيضاء: دار ابن حزم ومركز التراث الثقافي المغربي، 1428/ 2007)، ج 2، ص 16 - 21؛ المالكي، خليل بن إسحاق الجندي: التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب، نشرة بعناية أحمد بن عبد الكريم نجيب (القاهرة: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، ط 1، 1429/ 2008)، "كتاب الصلاة"، ج 2، ص 150 - 151. وللمازري كلامٌ مهم على اضطراب الأقوال في مسألة الصلاة بإمامة "المبتدعة كالمعتزلة والخوارج"، وقد أحال عليه عند مناقشته المسألة من المفيد جلبه هنا. =
وإن فقهاءَنا اختلفوا في صحة الصلاة خلفَ المبتدعة، فقال ابنُ القاسم:"يعيد المصلي في الوقت"، فلم ير الابتداعَ مبطلًا للصلاة. وقال كبارُ أصحاب مالك وسحنون: لا إعادةَ عليه الصلاة. وعن الإمام رحمه الله التوقفُ في الإعادة. (1) وقال ابن عبد الحكم: يعيد أبدًا. (2)
وإن ذلك كله في أهل الأهواء، أي الذين يفسرون متشابهَ القرآن على حسب هواهم. ألا ترى أن أئمة الحديث قالوا بقبول رواية المسلم العدل الذي يعتقد عقيدةً باطلة لا تنافِي الإسلامَ بشرط أن تكون بدعتُه لا تبيح له الكذب؟ وزاد مالك رحمه الله على ذلك شرطًا، وهو أن لا يكون داعية إلى عقيدته. (3) ولم يزل كثيرٌ من عظماء المعتزلة مشهودًا لهم بالتقوى والورع، منهم عمرو بن عبيد إمام المعتزلة الذي قال فيه أبو جعفر المنصور:
"كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيْد
…
كُلُّكُم يَطْلُبُ صَيْد
غَيْرَ عَمْرو بنِ عُبَيْد". (4)
= فبعد أن ذكر ما رُوي فيها عن الإمام مالك وأصحابه كسحنون وابن حبيب وأشهب قال: "فأنت ترى اضطراب قوله رحمة الله في هذه المسألة وهو إمام الفقهاء، كما اضطرب فيها رأيُ القاضي أبي بكر [الباقلاني] وهو إمام المتكلمين". شرح التلقين، ج 2، ص 685.
(1)
المدونة الكبرى، ج 1، ص 140.
(2)
وهو كذلك قولُ ابن حبيب. انظر القيرواني، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد: النوادر والزيادات (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1999)، ج 1 (تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو)، ص 289؛ ابن رشد: البيان والتحصيل، "كتاب الصلاة الثالث"، ج 1، 443 - 444.
(3)
الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، ص 108.
(4)
الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن ثابت: سير أعلام النبلاء، تحقيق جماعة من الباحثين بإشراف شعيب الأرنؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 11، 1417/ 1996)، ج 6، ص 105. وقد ذكر ابن عُدي هذه الأبيات (وهي من مجزوء الكامل) بنصب لفظتي "رويد" و"صيد" بإضافة ألف في آخرهما، ونسبها للمهدي، وذكر في مناسبتها أن عمرو بن عبيد قدم على المهدي مع وفد البصرة فأجازهم المهدي، فقبلوا كلُّهم غير عمرو، فأنشأ المهدي الأبيات المذكورة. ابن عُدي الجرجاني: الكامل في ضعفاء الرجال، ج 6، ص 195.
وقد كتب الإمام الحافظ أبو الطاهر أحمد السِّلَفي (1) الأصفهاني الشافعي (المتوفَّى سنة 576 هـ) إلى العلامة محمود الزمخشري يطلب منه الإجازةَ في جميع سماعاته وإجازاته ورواياته من الحديث والعلوم. وكتب القاضي أبو الفضل عياض المالكي الشهير إلى الزمخشري يستجيزه كذلك. (2)
وهل يُظَنُّ بأمثالهما روايةُ حديث رسول الله عمَّنْ في دينه مَغْمَز؟ وقد كان العلامة الزمخشري في الورع والتقوى بتلك المثابة حتى لقد بلغت به الخشيةُ مبلغًا عظيمًا كما هو مسطور في ترجمته، ولقد لقبه علماء الإسلام بلقب "جار الله"، وقد كتب تفسير الكشاف في المسجد الحرام.
وقد جَوَّز ابنُ الأثير في جامع الأصول أن يُعَدَّ في مجددي رأس المائة الرابعة الشريفُ الرضا علي بن موسى من أئمة الإمامية، وأن يُعد في مجددي رأس المائة الثالثة أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي من الإمامية، مع أن الإمامية يخالفون أهلَ السنة في عقائدهم خلافًا أشدَّ من خلاف المعتزلة. وحسبُك منه مسألةُ التفضيل، ومسألة تفسيق كثير من الصحابة. (3) وحيث قد توفر فيه المقتضي وانتفى المانع، فما أنا في عده مع المجددين ببادع. على أننا لو شئنا أن نقول بالتفكيك بين الصلاح الاعتقادي والقيام بتأييد الدين عن حسن نية، لم يكن ذلك بعيدًا؛ إذ قد أصَّلْنا أن للدين في كل ناحية تجديدًا.
(1) بكسر السين وفتح اللام، [نسبة] إلى سِلَفة (بكسر السين وفتح اللام)، لقب لأحد أجداده، وهو لفظ أعجمي معناه شفاه؛ لأن إحدى شفتيه كانت مشقوقة، والناس يحرفون فيقولون: السَّلفي، بفتح السن. - المصنف.
(2)
انظر خبر ذلك في: المقري التلمساني، شهاب الدين أحمد بن محمد: أزهار الرياض في أخبار عياض، تحقيق مصطفى السقا وزميليه (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1361/ 1942)، ج 3، ص 282 - 293.
(3)
انظر صفحة 5 جزء 10 المعيار. - المصنف. الونشريسي: المعيار المعرب، ج 10، ص 8 - 9.
اشتد ساعدُ الدولة الإسلامية، ونضجت حضارةُ المسلمين من سائر نواحيها، فأصبحوا أمةً مستكلمةَ الجهاز في كل ما تسابقت فيه الأمم الماضية والمجاورة من ميادين الحضارة والرقي: تفكيرًا وعلمًا، ونظامًا ورفاهية، وقوة وسيادة على العالم.
وتوفر لدى المسلمين في خلال القرون الخمسة التي مضت من وقت ابتداء الجامعة الإسلامية ما لم يتوفر لغيرهم من الأمم الحاضرة والغابرة، فطنوا أن الدهر طوع أمرهم والحوادث لا تسير إلا على حسب مناهم، وأنساهم توالِي النعم ما تأتِي به الحوادثُ من الرزايا. وما درَوْا أن الدهر الذي يواجههم بقوله:"ملكت يداك"، (1) هو ينشد من ورائهم في التفاته:"غير لاه عداك". (2)
(1) إشارة إلى قول النظام:
كَيْمَا أَرَاكَ وَتِلْكَ أَعْظَمُ مِنَّةٍ
…
مَلَكَتْ يَدَاكَ بِهَا رَقِيقَ فُؤَادِي
- المصنف. وهو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، البصري، من أئمة المعتزلة، تبحر في علوم الفلسفة والكلام، وانفرد بآراء خاصة، وقد تابعته فرقة النظامية نسبة إليه. توفي سنة 221 هـ وقيل 223. والبيت الذي ذكره المصنف يروى بلفظ مختلف، وهو من مقطوعة من رقيق الشعر يقول فيها النظام:
يَا تَارِكِي جَسَدًا بِغَيْرِ فُؤَادِ
…
أَسْرَفْتَ فِي الْهِجْرَانِ وَالإِبْعَادِ
إِنْ كَانَ يَمْنَعُكَ الزِّيَارَةَ أَعْيُنٌ
…
فَادْخُلْ عَلَيَّ بِعِلَّةِ الْعُوَّادِ
كَيْمَا أَرَاكَ وَتِلْكَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ
…
مَلَكَتْ يَدَاكَ بِهَا مَنِيعَ قِيَادِي
إِنَّ الْعُيُونَ عَلَى الْقُلُوب إِذَا حَنَتْ
…
كَانَتْ بَلِيَّتُهَا عَلَى الأَجْسَادِ
بلبع، عبد الحكيم: أدب المعتزلة إلى نهاية القرن الرابع الهجري (القاهرة: دار نهضة مصر، ط 2، 1969)، ص 336.
(2)
إشارة إلى قول الشاعر:
غَيْرُ لَاهٍ عِدَاكَ، فَاطَّرِحِ اللَّهْـ
…
ـوَ وَلَا تَغْتَرِرْ بِعَارِضِ سِلْمِ
- المصنف. البيت من شواهد ابن عقيل في شرحه على الألفية (باب المبتدأ والخبر)، ولم أقف على قائله، ولا محققُ الكتاب المذكور. المصري الهمداني، بهاء الدين عبد الله بن عقيل العقيلي: شرح ابن عقيل، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (القاهرة: دار التراث، ط 20، 1400/ 1980)، ج 1، ص 190.