الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ نَمْشِي كَرَامَةً
…
لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبَا (1)
فلذا جاء الإسلام بالنهي عن تعظيم غير الله، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ عن القيام إليه، وكان يجهر بكلمة "وأن محمدًا عبده ورسوله". فنشأ عن هاته الأصول التوحيدية عزة النفس وقوة الإرادة وجودة الفكر للشعور بالمساواة.
أما الإسلام - وهو الشريعة الخاتمة - فقد جاء والإنسان على مراهقته لعلياء درج الترقي، ولكن ببطء الصعود يتعثَّر في أوحال بقايا الجهالة وظلمات الشرك، فلم يزل به حتى نشله إلى حيث أعد الله له، وكانت تعاليمُه تنطبق على سائر الأمم. ولذا كانت دعوتُه تخالف ما لقومه مخالفةً واضحة من جهتين: جهة عمومه، وجهة تهيؤ البشر إلى التعاليم العليا، وأوَّلهُما مفَرَّعٌ عن الثاني كما لا يخفى، مع تماثل المبادئ ووحدة الغاية. ولهذا جاء في القرآن:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، أي أن المعتبر عند الله لرقي الإنسان هو تعاليم الإسلام، ولكن ما سبقه كان تمهيدًا بين يديه ليهيئ له أفهامًا ثقفتها الحوادثُ وأرضتها مراوضةُ الشرائع.
ظهور الإسلام
وُجد الإسلام في عصر أحوج ما يكون من العصور إلى دين عام يزجر العقول الآفنة والنفوس الصغيرة عن عبثها بنظام الكون، ويرأب في الأمم من تفريقها في الأخلاق، وليس يسمح الوقتُ أن نحيط بمجمل تاريخ العالم أيام ظهور دعوة الإسلام حتى نريَ السامعين حاجةَ الناس كافة إلى نبأة تصيخ لها آذانهم وتزلزل بها عروش الظلم والجبروت، فتسقط عنها تماثيل الضغط والاستبداد لتزجهم إلى موقف المحاسبة والمساواة.
(1) البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج 1، ص 182. والبيتان هما الثاني والثالث من قصيدة قالها المتنبي يمدح سيف الدولة ويذكر بناء مرعش سنة 340 هـ، وقد جاء البيت مختلفًا الأول في بعض ألفاظه عما ساقه المصنف هنا، ففيه "وكَيْفَ عَرَفْنَا" بدل "وَلمَّا رَأَيْنَا"، و"لِعِرْفَانِ" عوض "لإدراك". والأكوار جمع كور وهو رحل البعير.
دولتا العالم يومئذ - فارس في الشرق والرومان في الغرب - كانتا في حروب متسعِّرة ودماء مهراقة مستبحرة، ناهيك من استعباد الرؤساء واستكانة البؤساء، وتضاؤل المعارف العالية وفقدان الحرية الغالية. فالرومان قد فتَّ في ساعدها الانقسامُ بعد انتقالها من عصر السلطنة الزاهي - عصر أوقوست سنة 30 قبل المسيح - إلى عصر الانحطاط، عصر كومود سنة 180 م (1) حين سادت الأبهة والفخفخة ثم الانقسام لسلطتي بيزنتا وروما سنة 330 م أيام قسطنطين، ثم العجز عن ضبط المملكة حين استبد القواد والعمال بجهاتها، كما كان الانقسام في الدولة العباسية زمان المطيع بن المقتدر آخر القرن الرابع [الهجري]، فتأصلت جذورُ الاستبداد، ونُسيت الحرية والشهامة. وأصبحت السلطنة الغربية مسرحًا يمثل عليه السكسون والبرابرة والفنادلة الناسلون إليها أشنعَ مظاهر الهمجية والفتنة، هجيراهم نهب القصور وهتك الخدور، حيث لا مروءة تمنع ولا دين يزع. وأصبحت السلطنة الشرقية ذلولًا يقتادها قواد الجيش، يتسلمها أقواهم من يد أدناهم، إلى أن أفضت النوبة إلى هراكلوس أو هرقل (2) والي إفريقيا باختيار الأمة سنة 610 م.
(1) هو كومودوس Commodus ابن الإمبراطور ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius، ولد سنة 161 م، وجعله أبوه مشاركًا له في حكم الإمبراطورية سنة 166 م، ثم صار إمبراطورًا إثر وفاة أبيه سنة 180 م وامتد حكمه حتى وفاته عام 192 م. وقد شهد عهده العديد من المؤامرات للإطاحة به. ومما يذكر عنه شغفه بإضفاء الألقاب والأسماء على نفسه، حتى أنها تجاوزت العشرة.
(2)
هو الإمبراطور البيزنطي هرقل (باللاتينية Heraclius Augustus) المولود سنة 575 والمتوفى سنة 641 م. تربع على عرش الإمبراطورية البيزنطية من سنة 610 م حتى وفاته، وهو الذي جعل اليونانية اللغة الرسمية للإمبراطورية الشرقية. كانت جيوش الإمبراطورية حين تسلمه أمرها تخوض منذ عام 602 م حروبًا ضارية مع إمبراطورية فارس الساسانية التي وصلت جيوشها إلى البوسفور وكادت تفتح مدينة القسطنطينية، ولكنه أفلح في هزيمتها سنة 627 م. وفي سنة 634 م هزم جيشه الذي كان يقوده أخوه تيودور في الشام أمام جيوش الفتح الإسلامي، وقد كانت موقعة مؤتة سنة 629 م هي المعركة بين المسلمين والبيزنطيين في سلسلة من المعارك انتهت سنة 636 م بموقعة اليرموك التي كان النصر فيها حاسمًا للمسلمين والهزيمة شاملة للجيوش البيزنطية.
كذلك كان شأن فارس، تنوزعت فيها السلطة، وخف الناس إلى المجد الباطل، واستهواهم حب الرياسة فالكسل، واستبد العمال بالأطراف وتوثبوا على عروش الأكاسرة بعد كسرى إبرويز أواسط القرن السادس ميلادي، حتى جاء الإسلام والخُلف مشتطٌّ بين بوران والفيروزان على الملك (1).
لو كان قدر أن يظهر دينٌ يومئذ بين هاتين الأمتين لطارت به عواصفُ أهواء المسيطرين وداسته أقدامُ أولئك الجبارين، فكان من الحكمة أن يظهر هذا الدينُ القويم وسط أمة تمسكت بهدب من الفضائل واستبقت صبابة من ماء المروءة ترقرق في إناء شريف من طينة الحرية الطاهرة. تلك هي الأمة العربية، أمة أحاط بها من طبيعة إقليمها واق حفظ عليها سلامة الفطرة، وصان عقول أهلها عن الذهول عن كل سمات المدنية والفضيلة، وإن كانت يد التفرق قد مُدَّت إليهم فمزقت ممالكهم.
فمملكة اليمن أوهتها حروب الحبشة ثم استيلاء فارس عليها، ومملكة العراق العربي (الحيرة) أصبحت مستعمرة فارسية قتلوا ملكها النعمان تحت أرجل الفيلة واستاقوا بنته وحريمه بعد حرب ذي قار، ومملكة الشام - مستقر الغسانيين - أصبحت مستعمرة رومانية. سلمت أواسط جزيرة العرب - وهي الحجاز وما جاورها - من سلطان الملوك، وعزز أهلَها طبيعةُ إقليمهم بناصر ذادَ عنهم الطامعين من فاتحي الأمم مثل الإسكندر وكيروش (2) الفارسي، ولم يأمن بأسَهم كمبيرا ابن
(1) بوران هي ابنة الملك خسرو الثاني، وهي تحتل الرقم السادس والعشرين في سلسلة ملوك الإمبراطورية الساسانية في إيران، تولت العرش إثر وفاة والدها بين سنتي 630 و 631 م، وكانت أُولى امرأتين ارتقتا إلى هذا المقام الذي خلفتها فيه أختها أزارميدخت.
(2)
هو الملك كيروش أو قورش الكبير أو الثاني، ويعرف في اللاتينية باسم سيورس الكبير Cyrus the Great وفي اليونانية باسم كوروس Kouros، وهو مؤسس حكم الأسرة الأخمينية أو الأخميدية في فارس حيث امتد حكمه من سنة 580 إلى سنة 529 قبل ميلاد المسيح. وقد استولت هذه الإمبراطورية على إيران وليديا في غربي الأناضول وبابل وفلسطين ومصر، وامتد نفوذ سلطانها من وادي السند إلى ليبيا ومقدونيا. ومن أشهر ملوكها يعد كيروش الملك دارا أو داريوس الذي =
كيروش حينما سار لمنازلة مصر، حتى عقد معاهدة مع عرب الحجاز ليأمن بطشهم. وكان أشرفهم أرومة وأعلاهم محتدًا قريش سكان مكة، فكان العرب يعترفون لهم بالمجد والفضيلة، قال شاعر بني تميم:
فَأَمَّا النَّاسُ مَا حَاشَا قُرَيْشًا
…
فَإِنَّا نَحْنُ أَفْضَلُهُمْ فِعَالَا (1)
فهم أكثر العرب محمدة، وأقلهم ذامًّا، وكان الدين لا بد له من دعاة. فاختار الله إظهاره وسط أمة لم تقعد بها أخلاقها وعاداتها عن الصلوحية لنهوض عظيم، وكان لظهوره فيهم حكمة من وجوه:
أولها: أن اعتزالها عن التزاحم المدني سلمهم من الحفائظ التي تكون بين الأمم المتجاورة فتهز أنوف بعضهم عن تلقي الإصلاح من يد بعض.
ثانيها: أن صورة حكومتهم الشورية المنوطة بشيوخ القبيلة تعدهم لقبول دين عمراني لا تصدهم عنه مشيئة الرؤساء وإباية الملوك.
ثالثها: أنهم لم يكونوا على دين فيه شيء من المعقولية تموه لهم بقيته فتتعاون ظواهره مع إلفه على استبقاء أهله فيه؛ إذ هم لم يعتمدوا على وحي سماوي وإنما كانوا وثنيين. والوثنية دين يفتضح صاحبه بأول حجة، كما افتضح بنو حنيفة حين اتخذوا صنمًا من حلواء، فلما أصابهم عام مجاعة أكلوه، فقال شاعر بني تميم يهجوهم:
أَكَلَتْ حَنِيفَةُ رَبَّهَا
…
زَمَنَ التَّقَحُّمِ وَالمَجَاعَهْ
= حاول غزو أثينا ولكنه هزم. وقد كانت سقوط الإمبراطورية الأخمينية على يدي الإسكندر الأكبر سنة 331 قبل الميلاد.
(1)
هذا البيت ذكره المصنف أثناء تفسيره الآية 64 من سورة المؤمنون، ونسبه للأخطل (تفسير التحرير والتنوير، ج 9/ 18، ص 83)، ولم أجده فيما أمكنني الاطلاع عليه من نشرات ديوان هذا الشاعر.
لَمْ يَحْذَرُوا مِنْ رَبِّهِمْ
…
سُوءَ الْعَوَاقِبِ وَالتَّبَاعَهْ (1)
رابعها: ليكون ظهور الدين العلمي من نبي أمي بين الأميين أبهرَ دليل على أنه هدى الله، ولذا كانت الأمية (2) أول معجزات النبوة:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ [وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ] (48)} [العنكبوت: 48].
(1) لم أعثر لهذين البيتين على نسبة لشاعر معين فيما رجعت إليه من مصادر الأدب والتاريخ. وقد قال المقدسي في أول "ذكر شرائع أهل الجاهلية": "كان فيهم من كل ملة ودين، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش، والمزدكية والمجوسية في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان، والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم، واتخذ بنو حنيفة إلهًا من حيس وعبدوه دهرًا ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه، فقال بعضهم"، ثم ساق البيتين ولم ينسبهما. المقدسي، المطهر بن طاهر: كتاب البدء والتاريخ، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، دون تاريخ، مصور عن نشرة المستشرق الفرنسي كليمان هوار)، ج 4، ص 31 - 32.
(2)
انظر تفصيل المصنف القول في معجزة الأمية بالقسم الثاني في مقال بهذا العنوان.