الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شهر شعبان
(1)
هو شهرٌ يُستحبُّ الصومُ فيه، وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِر صومَه، حتى ورد في الصحيح من طرق كثيرة أن رسولَ الله لم يكن يصوم شهرًا كاملًا دون شهر رمضان إلا شهر شعبان. (2)
وليس لشهر شعبان فضيلةٌ غير هذه. وأما ما رُوي أن رسول الله قال: "فضلُ شهر شعبان على الشهور كفضلي على سائر الأنبياء"، فهو حديثٌ موضوع. (3) ولعل هذا الحديث هو الذي حمل الكتَّابَ على أن يُتْبِعوا اسمَ شعبان بوصف الإكرام، وهو فضولٌ زائد كما قلناه في شهر رجب. وقد تقدم آنفًا الكلامُ على حديث "رجب شهر
(1) المجلة الزيتونة، المجلد الثاني، العد الأول، 1356/ 1937 (ص 46 - 47).
(2)
عن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها حدثته قالت: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرًا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله، وكان يقول: "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". وأحب الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما دووم عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها". صحيح البخاري، "كتاب الصوم"، الحديث 1970، ص 317. وعند مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:"ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان". وفي رواية أخرى عنها، عن أبي سلمة، قال:"سألت عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام. ويفطر حتى نقول: قد أفطر. ولم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان؛ كان يصوم شعبان كله. كان يصوم شعبان إلا قليلًا". صحيح مسلم، "كتاب الصيام"، الحديث 1156/ 175 - 176، ص 418.
(3)
جزء من حديث طويل لفظه: "فضلُ شهر رجب على الشهور كفضل القرآن على سائر الكلام، وفضلُ شهر شعبان على الشهور كفضلي على سائر الأنبياء، وفضلُ شهر رمضان كفضل الله على سائر العباد". قال السخاوي: "قال شيخنا (يعني ابن حجر): إنه موضوع". السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن: المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تصحيح عبد الله محمد الصديق (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 2، 1227/ 2006)، الحديث 738، ص 346 - 347.
الله، وشعبان شهري"، إلخ. وقد شاع عند كثير من الناس أن لليلة النصف من شعبان فضائلَ ومزايا خاصة:
1 -
منها اعتقادُهم أن فيها صلاةً خاصة يروون فيها كيفيات: منها كيفيةٌ في حديث يُروى بطرق عن علي بن أبي طالب وابن عمر وجماعة من الصحابة مرفوعًا، أن مَنْ صلَّى ليلةَ النصف من شعبان أعدادًا مختلفة الركعات بأعداد من فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص أعطاه الله خيراتٍ في الدنيا والآخرة، وُصفت في ذلك الحديث وصفا طويلًا ركيكًا. وهو حديثٌ موضوع بجميع طرقه، وعلى اختلاف رواياته لاختلال أسانيده.
ولِمَا عليه من سمة الوضع في ثقله وإسهابه، قال الحافظ علي بن سلطان المكي (1):"أحاديثُ صلاة ليلة النصف من شعبان كلُّها باطلة، والعجبُ ممن يشم رائحةَ العلم بالسنة كيف يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها. وهذه الصلاة وُضعت في الإسلام بعد الأربعمائة، ونشأت ببيت المقدس؛ وضع لها عدةُ أحاديث لا يصح منها شيء". (2) قال ابنُ العربي في العارضة: "وقد أولع الناسُ بها في أقطار الأرض". (3)
(1) هو أبو الحسن نور الدين علي بن سلطان محمد الهروي المكي الحنفي، المشهور بملا علي القاري، توفِّيَ سنة 1014 هـ.
(2)
انظر ثلاث روايات لهذا الحديث (1251 - 1253) وتعليق القاري عليها (الذي ساقه المصنف بتصرف تقديمًا وتأخيرًا) في: الملا علي القاري، نور الدين علي بن محمد سلطان: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (الموضوعات الكبرى، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1405/ 1985)، ص 330.
(3)
ابن العربي: عارضة الأحوذي، ج 2/ 3، ص 217. وانظر تفاصيل قصة نشأتها كما حكاها الطرطوشي عن أبي محمد المقدسي - أحد علماء بيت المقدس - في: الطرطوشي، أبو بكر: كتاب الحوادث والبدع، تحقيق عبد المجيد تركي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1410/ 1990)، ص 266 - 267؛ الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي: كتاب الاعتصام، نشرة بعناية خالد عبد الفتاح شبل أبو سليمان (بيرِوت: دار الفكر، 1416/ 1996)، ج 1، ص 114 (نقلًا عن الطرطوشي).
ومنها ما روَوْهُ في صوم يوم النصف منه وقيام ليلته، وقد رُويَ في ذلك حديثٌ ضعيف في سنن ابن ماجه. (1)
2 -
ومنها اعتقادُهم أن ليلة النصف من شعبان يغفر الله فيها ذنوبًا كثيرة. وقد روي في ذلك حديث في سنن الترمذي وابن ماجه بسند واحد عن عائشة مرفوعًا، قال الترمذي: سمعت محمدًا يضعف هذا الحديث. (2) وروى ابنُ ماجه في ذلك حديثًا آخر هو أيضًا ضعيف، (3) ورُويت أحاديثُ أخر قريبةٌ من هذا المعنى لا تخرج عن حالة الضعف.
3 -
ومنها اعتقادُهم أن ليلةَ النصف من شعبان يميز فيها مَنْ يعيش في العام التي هي مبدؤه، ومَنْ يموت من الناس. وقد انجر لهم ذلك الاعتقادُ من كلام بعض القصاصين من المفسرين؛ إذ جعلوا ليلةَ نصف شعبان هي الليلة التي في قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)}
(1) وهو ما رُوي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانت ليلةُ النصف من شعبان، فقوموا ليلَها وصوموا نهارها؛ فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفرٍ فأغفر له؟ ألا من مسترزِقٌ فأرزقه؟ ألا مبتلًى فأُعافيَه؟ ألا كذا؟ حتى يطلع الفجر"". سنن ابن ماجه، "كتاب الصلاة"، الحديث 1388، ص 198. قال الألباني فيه:"ضعيف جدًّا أو موضوع". الألباني، محمد ناصر الدين: ضعيف سنن ابن ماجه (الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط 1، 1417/ 1997)، الحديث 1407، ص 105.
(2)
ونص الحديث: "عن عروة عن عائشة قالت: "فقدتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَيلَةً فَخَرَجتُ فإِذَا هُوَ بالبقيعِ، فَقَالَ:"أَكنتِ تَخَافينَ أَنْ يَحيفَ الله عَليكِ ورَسُولُهُ؟ " قُلتُ: يا رَسُولَ الله، ظَنَنتُ أَنَّكَ أَتَيتَ بعضَ نِسائِكَ، فَقَالَ:"إِنَّ الله تبارك وتعالى يَنزِلُ لَيلَةَ النِّصفُ من شَعبَانَ إلى سماءِ الدُّنيا، فيغفرُ لأَكثرَ من عددِ شعرِ غَنَمِ كَلبٍ"". سنن الترمذي، "كتاب الصوم"، الحديث 739، ص 207؛ سنن ابن ماجه، "كتاب الصلاة"، الحديث 1389، ص 198.
(3)
ولفظه عن: "إن الله لَيَطَّلِعُ في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن". سنن ابن ماجه، "كتاب الصلاة"، الحديث 1390، ص 198. وأخرجه عبد الرزاق مع اختلاف يسير وبزيادة لفظة "لرجل" قبل لفظة "مشرك". الصنعاني: المصنف، "كتاب الزكاة والمناسك"، الحديث 7923، ج 4، ص 316 - 317.
[الدخان: 3 - 4] وجعلوا معنى يفرق أي يقضى، وجعلوا معنى الأمر الحكيم هو الأرزاق والآجال.
قال ابن العربي في العارضة: "وهذا باطل؛ لأن الله لم ينزل القرآن في شعبان، [وإنما قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}، أي في رمضان]، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185]، فهذا كلامُ مَنْ تعدَّى على كتاب الله ولم يبال ما تكلم به، ونحن نحذركم من ذلك وأنه قال: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)}، وإنما تقرر الملائكةُ الأمورَ في ليلة القدر المباركة لا في ليلة النصف من شعبان". (1)
4 -
ومن خرافات العوام بتونس زعمهم أن مَنْ يقف في ضوء القمر ليلةَ النصف من شعبان وينظر إلى ظل عنقه في ضوء القمر إن وجد ظِلَّ عُنقِه واضحًا فهو حي في تلك السنة، وإن لم يجد لعنقه ظلًّا بل وجد ظلَّ رأسه متصلًا بظل كتفيه، فهو ميت في تلك السنة.
وهذا جهلٌ واختلال مبين؛ فإن امتدادَ الظل وانقباضَه يتبع موقعَ سمت القمر من جسد الواقف في ضوئه، فيكون القمر في أول طلوعه في الأفق وما يقرب منه في سمت جانب الجسم فيظهر ظله طويلًا، ويكون في أواسط الليل في كبد السماء فيُسَامِتُ أعلى الجسم، فيظهر ظلُّ الجسم قصيرًا، فلا يبدو ظلُّ العنق.
(1) ابن العربي: عارضة الأحوذي، ج 2/ 3، ص 217.