المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وجه تسمية يوم القيامة بيوم التغابن - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ١

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌إهداء

- ‌فَاتِحَةُ الكِتَاب

- ‌بين يدي مقالات ابن عاشور ورسائله

- ‌تمهيد: أنا وتراث ابن عاشور:

- ‌محاولات سابقة لجمع مقالات ابن عاشور، ولكن

- ‌منهجنا في هذه الجمهرة جمعا وترتيبا:

- ‌شكر وعرفان ودعاء

- ‌ضميمة

- ‌المِحْوَرُ الأَوَّلفِي العَقِيْدَةِوَالتَفْسِيْر وَالفِكرِ وَالحِكمَةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلالعَقيْدَة والتّفسِيْر

- ‌تنبيه ونصيحة

- ‌الرحمن على العرش استوى

- ‌[مقدمة]

- ‌[موقع الآية من المتشابه]

- ‌[طريقة السلف إزاء المتشابه]

- ‌[الخلف وتأويل المتشابه]

- ‌[رأي المصنف]

- ‌تكليم الله لموسى عليه السلام

- ‌وجهُ تسمية يوم القيامة بيوم التغابن

- ‌عصمة الأنبياء

- ‌القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:

- ‌قول عياض:

- ‌[الخلاصة]:

- ‌شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌معنى الشفاعة:

- ‌أنواع الشفاعة ومكانة الرسول عليه السلام منها:

- ‌مراجعة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

- ‌المهدي المنتظر

- ‌[مقدمة]:

- ‌[مكانة حديث المهدي من تعاليم الإسلام]:

- ‌[مذاهب العلماء في المهدي]:

- ‌كيف نشأ القولُ بالمهدي المنتظر

- ‌[أنواع الآثار المروية في المهدي]:

- ‌الآثار المروية في المهدي:

- ‌الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث:

- ‌الرأى فيها من جهة النظر:

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيالفكْر وَالحكْمَة

- ‌من يجدد لهذه الأمة أمر دينها

- ‌[تمهيد]:

- ‌دعائم الإسلام:

- ‌معنى التجديد

- ‌مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد:

- ‌كيف يكون مبدأ تعيين المائة السنة

- ‌رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه:

- ‌رأي مجد الدين ابن الأثير في تعيين المجددين

- ‌التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده:

- ‌التوسم في تعيين المجددين بحسب أدلة الحق المبين:

- ‌[المائة الأولى]:

- ‌[المائة الثانية]:

- ‌[المائة الثالثة]:

- ‌[المائة الرابعة]:

- ‌[المائة الخامسة]:

- ‌[المائة السادسة]:

- ‌[المائة السابعة]:

- ‌[المائة الثامنة]:

- ‌[المائة التاسعة]:

- ‌[المائة العاشرة]:

- ‌[المائة الحادية عشرة]:

- ‌[انحلال الجامعة الإسلامية وتزايد الفتن]:

- ‌[المائة الثانية عشرة]:

- ‌التقوى وحسن الخلق

- ‌شرف الكعبة

- ‌اللذة مع الحكمة

- ‌احترام الأفكار

- ‌العلم عند الله

- ‌تحصيله:

- ‌المقدم منه والمتعين:

- ‌خطته:

- ‌نعيمه والغاية القصوى منه:

- ‌مسألة خفية من مباحث الفلسفة الإسلامية: وحدة الوجود

- ‌ابن سينا والحكمة المشرقية

- ‌[تمهيد]:

- ‌أصل الحكمة اليونانية المنقولة إلى العربية:

- ‌طريقة الشيخ ابن سيناء في الحكمة:

- ‌الحكمة المشرقية:

- ‌الكتاب المعنون "منطق المشرقيين

- ‌الإنسان على الأرض

- ‌عمر الإنسان: ماذا أردت

- ‌أصول التقدم والمدنية في الإسلام

- ‌[مقدمة]

- ‌ما هو الإسلام

- ‌[التأسيسات الأصلية]

- ‌[وحدة النوع الإنساني: ]

- ‌ظهور الإسلام

- ‌واجب المسلمين أن يقتنعوا بهداية الإسلام

- ‌واجب المسلمين: النصيحة

- ‌ما هو النصح والنصيحة

- ‌اضطلاع الناصح بحق النصيحة:

- ‌قبول المنصوح للنصيحة:

- ‌الرفق بالحيوان في الإسلام

- ‌تحرير مسألة في علم الهيئة

- ‌المحْوَر الثّانِيفِي فِقْهِ السُّنَّةِ

- ‌الفَرْع الأَوّلفِقْه الحَدِيْث

- ‌التعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ونشأة علم الحديث

- ‌[تمهيد]:

- ‌الاهتمام بتدوين ما صحت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الغرض من تأليف الموطأ

- ‌ما المراد بالحديث الصحيح

- ‌[نسخ الموطإ]

- ‌اسم كتاب "الموطأ

- ‌تحقيق مسمى الحديث القدسي

- ‌[تقديم]:

- ‌ تعريف الحديث القدسي

- ‌صيغة رواية الحديث القدسي:

- ‌الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وبينه وبين غيره من الأحاديث النبوية:

- ‌مراجعة ما تضمنه كتاب "فتح الملك العلي

- ‌المراجعة الإجمالية:

- ‌المراجعة التفصيلية:

- ‌درس في موطأ الإمام مالك رضي الله عنه: "جامع القضاء وكراهيته

- ‌[تمهيد: القضاء بين الترغيب والترهيب]:

- ‌[العدل أساسُ صلاح العمران]:

- ‌[شرح الحديث]:

- ‌الأسانيد المريضة الرواية: "حديث طلب العلم فريضة

- ‌أقوال الحفاظ في رجال سنده:

- ‌آراء الحفاظ في حالته:

- ‌[روايات الحديث]:

- ‌التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس

- ‌خلق النور المحمدي

- ‌متن هذا الحديث:

- ‌مرتبة هذا الحديث من الصحة:

- ‌نقده من جهة اللفظ:

- ‌نقده من جهة المعنى:

- ‌دفع إشكال في حديث نبوي: "سألتُ ربي

- ‌سند هذا الحديث:

- ‌[معنى الحديث]:

- ‌حديث: من سُئل عن علمٍ فكتمه

- ‌[سند الحديث]:

- ‌معنى الحديث:

- ‌[مسائل في فقه الحديث]:

- ‌حديث: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم

- ‌سند الحديث واختلاف ألفاظه

- ‌معنى الحديث:

- ‌تحقيق الخبر المأثور: "لا رهبانية في الإسلام

- ‌معنى الرهبانية:

- ‌لا صفر

- ‌شهر رجب

- ‌شهر شعبان

- ‌لا عزاء بعد ثلاث

- ‌تحقيق معنى لفظ العزاء

الفصل: ‌وجه تسمية يوم القيامة بيوم التغابن

‌وجهُ تسمية يوم القيامة بيوم التغابن

(1)

سألني عالِمٌ فاضل صديق، اعتاد تأنيسي بزيارته، عن تفسير قوله تعالى:{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9]، وما وجهُ تسمية يوم القيامة في هذه الآية بيوم التغابن، غير منثلج لِمَا قاله بعضُ المفسرين في وجه التسمية من أن التغابن هو أن أهل الجنة يغبنون أهل النار. وذكر أنه راجع تفاسيرَ كثيرةً فلم يجد فيها ما يقنعه، وحاورني في ذلك محاورةً هزت من عطفي إلى أن أُفصح في تفسير هذه الآية بما عسى أن يكون فيه مقنع، واللبيب يتبع أحسن القول ويسمع.

ذهب الجمهورُ إلى أن سورة التغابن مكية، إلا الآيات الأخيرة من آخرها التي أولها:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن: 14]. (2) وأحسب أن هذه الآيات هي التي بعثت القائلين بأن السورة مدنية، إذ نعلم أن المقصودَ من الخطاب بالآية هم أهل مكة ابتداء، وهم قريش. ولذلك جاء فيها: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا

ص: 57

بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 7 - 9].

وقد قال أئمةٌ من المفسرين: إن عادة القرآن أنه يريد بالذين كفروا، متى ذكر في القرآن المشركين من قريش. (1)

وقوله: {قُلْ بَلَى} كلمة "بلى" فيه إبطالٌ للنفي الواقع في قوله: {لَنْ يُبْعَثُوا} ، فإنها حرف يفيد عكسَ معنى "نعم"، ويقع بعد النفي في الاستفهام وفي الخبر.

وقوله: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} ظرفٌ متعلق بقوله: {لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} ، ويجوز أن يتعلق بقوله {لَتُبْعَثُنَّ} باعتبار عطف قوله:{ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ} عليه، أي: يبعثكم فينبئكم يوم يجمعكم ليوم الجمع؛ لأن البعث حاصلٌ قبل الجمع. وقوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلخ. جملة معترضة بين الفعل والظرف، و"يوم الجمع" يوم القيامة.

وقوله: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} جاء فيه اسمُ الإشارة للبعيد لتهويله ولفت العقول إليه، فلذلك عدل عن وصفه بيوم بعده فلم يقل: ليوم الجمع يوم التغابن، لئلا يفوت معنى الحصر المقصود، وسيُعلم ما فيه من النكتة.

وجملة {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} جملةٌ إسمية معرفة الجزءين، فكان حقُّها أن تفيدَ الحصر، أي: هو يوم التغابن وليس غيره من الأيام يومَ التغابن. ومعنى هذا الحصر

(1) أخرج الواحدي بسنده عن شعبة بن الحجاج عن سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: "كل شيء نزل فيه {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} فهو مكي، و {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فهو مدني". ثم قال: "يعني أن {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} خطاب أهل مكة". النيسابوري، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي: أسباب النزول، تحقيق عصام بن عبد المحسن الحميدان (الدمام: دار الإصلاح، ط 2، 1412/ 1992)، ص 22. على أن هذا ليس مطردًا، وخاصة بالنسبة للسور المدنية، فهناك العديد منها يشتمل على آيات جاء الخطاب فيها بعبارة {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، كما في البقرة والنساء والحج والحجرات.

ص: 58

أن ذلك اليوم لما حصل فيه التغابن في أم الفضائل جُعل ما عداه من الأيام التي يقع فيها التغابنُ كالعدم، فحصر جنسَ يوم التغابن في ذلك اليوم بتنزيل التغابن الواقع في غيره منزلة العدم، وهذا من قَصْر الصفة على الموصوف على وجه المبالغة. وهذا الوجه من الحصر يسمَّى بالحصرَ الادعائي؛ لأن المتكلم يدعي أن الوصف بيوم التغابن محصور في ذلك اليوم وهو يوم الجمع كقولهم: أنت الحبيب.

واعلم أن الحصر إنما حصل هنا من صيغة القصر التي هي تعريفُ المسند والمسند إليه، ولم يحصل الحصرُ من التعريف باللام في قوله:{التَّغَابُنِ} ، بناءً على أن اللام فيه دالةٌ على معنى الكمال؛ لأن معنى الجنس الذي هو أصلُ معنى اللام صالِحٌ هنا، فلا يُعدَل عنه إلى حمل اللام على معنى الكمال، إذ لا يُحمل عليه إلا عند تعيُّن الحمل عليه بالقرينة، وهي منفيةٌ هنا لاستقامة الحمل على تعريف الجنس، وهو أكثرُ معاني اللام.

ولولا صيغةُ القصر لمَا استُفِيد معنى الحصر، فكيف يكون حاصلًا من معنى الكمال الذي لم ينشأ في هذا المقام إلَّا من حصول معنى الحصر؟ فلا يختلطْ عليك، كما اختلط على بعض العلماء.

والتغابن مشتقٌّ من الغُبن، والغبن الحطُّ من قيمة المبيع عند شرائه، فكلُّ شراء بأقلَّ من القيمة فهو غبن. ومادة التغابن تفاعل من الغبن. وأصل مادة التفاعل تدل على وقوع الفعل من جانبين فصاعدًا، كالتقاتل والتسابق، فلفظ التغابن يدل على وقوع غبن حاصلٍ بين جوانب في يوم القيامة.

وقد اتفق المفسرون على أن المفاعلة غيرُ مقصودٍ منها هنا وقوعُ الفعل من جوانب، ولكنهم اختلفوا في تحصيل المعنى. فذهب الزمخشري ومَنْ تبعه - مثل الفخر والبيضاوي - إلى أن المفاعلة هنا هي أن يغبن أهلُ السعادة أهل الشقاوة، إذ ينزلون منازلَ الجنة التي كان يمكن لأهل الشقاوة أن ينزلوها لو عملوا عملَ السعداء، وهذا يشبه الغبن، فالغبن المستفاد من هذا الجانب استعارة، وهذا أحد

ص: 59

جانبي الفعل. وأما جانبُ غُبن أهل الشقاوة، فجعلَه الزمخشريُّ تهكمًا؛ لأن نزولهم في منازلَ النار ليس غبنًا لأهل السعادة. وعلى هذا الوجه يكون اللفظُ مستعملًا في مجازين مختلفين على وجه يشبه المشاكلةَ التقديرية. وهذا المعنى ينحو إلى تفصيل كلام مجمل نُقل عن ابن عباس، وهو تفسيرٌ بعيدٌ جدَّ البعد. (1)

وذهب ابنُ عطية إلى أن صيغة التفاعل هنا غيرُ مستعملةٍ في معناها الأصلي، وهو الدلالة على وقوع الفعل من جانبين فأكثر، بل هنا لحصول الفعل من جانب واحد للمبالغة مثل التواضع والتمايل، فيكون المعنى: ذلك يوم الغبن، أي: يوم غبن الكافرين. (2) وهو ينحو إلى تفصيل كلام نُقِل عن مجاهد في تفسير الآية (3) هو أقرب إلى الاستعمال وأبعد عن التعسف، ولكنه لا يشفي الغليل؛ لأن الأشقياء والكفار لم يغبنوا فيما لقوه، بل أخذوا حقَّهم من العذاب فلم يحصل معنى أصل الغبن، فضلًا عن المبالغة فيه المستفادة من مادة التفاعل التي لا يحسن ادعاؤها إلا إذا كان أصلُ الفعل واقعًا. فهذا التفسير، وإن خرج من ورطة عدم صحة التفاعل، لم يخرج من ورطة عدم وجود أصل مادة الغبن.

(1) قال الزمخشري: "والتغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة؛ وهو أن يغبن بعضُهم بعضًا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التىِ كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء. وفيه تهكم بالأشقياء؛ لأن نزولهم ليس بغبن". الزمخشري: الكشاف، ج 4، ص 536؛ الرازي: التفسير الكبير، ج 15/ 30، ص 23؛ البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله أبو عمر محمد الشيرازي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل وبهامشه حاشية الكازروني، تحقيق عبد القادر عرفان العشا حسونة (بيروت: دار الفكر، 1416/ 1996)، ج 5، ص 346. والكلام المجمل الذي ذكر المصنف أن ابن عباس فسر به معنى التغابن هو ما أورده الرازي (ص 32) أن ابن عباس قال:"إن قومًا في النار يعذبون، وقومًا في الجنة يتنعمون".

(2)

ابن عطية: المحرر الوجيز، ج 5، ص 319.

(3)

قال مجاهد: "هو غُبْنُ أهلِ الجنة أهلَ النار". الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع عبد السند حسن يمامة (القاهرة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ط 1، 1422/ 2001)، ج 23، ص 10.

ص: 60

وجميع التفاسير - في رأينا - لم يخرج عن هذين المعنيين، إما مع ضبط أو مع تخليط. ومنهم من مر بالآية مرًّا، ولم يحتلب منها دُرًّا. أما أنا فأكد ثِمادي، (1) وأستهدي بالهادي، فأقول: ليس المعنى في الآية حاصلًا من مراعاة معاني المفردات، لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز، ولكنه معنى عزيزٌ جليل حصل من مجموع التركيب، وهو قوله:{ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} . فقد أشار الحصرُ الادعائي الذي قدمنا بيانَه إلى أن المخاطبين يحسبون أيامًا كثيرة أيامَ تغابن، وأن هذا اليوم المتحدَّث عنه هو يومُ التغابن لا غيره من الأيام.

فبنا أن نتعرف الأيامَ التي يعدها المخاطَبون أيامَ تغابن، وأن نرجع إلى أحوال المخاطبين وهم أهلُ مكة ومَنْ حولهم. ذلك أن "التغابن" هنا قد أضيف إليه "يوم"، فعلمنا أن ليس المرادُ من التغابن تغابنَ آحاد الناس في بيوعاتهم الخاصة التي تعرض من ساعة إلى أخرى، وفي يوم معين يكثر فيه التبايع، فيُغبن فيه ناسٌ كثير، ويتربص فيه بعضُ الناس ببعض لإلحاق الغبن والخسارة.

ولا نجد أيامًا بهذه الصفة غيرَ أيام الأسواق، وقد كانت قريش أهلَ تجارة، وكانت الأسواقُ حول مكة في الحج: سوق عكاظ، وسوق ذي المجاز، وسوق مجنة. فكلُّ داخلٍ إلى الأسواق يحرص على أن يجلب الربح إلى نفسه، ويغبن غيره، ويحذر من أن يغبنه غيرُه. فكلٌّ يترقب الربحَ ويحذر الخسارة، ولا يرضى لنفسه أن يكون مغبونًا؛ لأن الغبن يُؤْذِن بغباوة المغبون، واستخفاف الناس به، وتمشِّي الحيلة عليه.

(1) هذا تضمينٌ من شعر (من الطويل) نسبه الجاحظ إلى بعض الحجازيين جاء فيه:

إِذَا طَمَع يَوْمًا عَرَانِي قَرَيْتُهُ

كَتَائِبَ بَأْسٍ كَرَّهَا وَطِرَادَهَا

أكدُّ ثِمَادِي وَالْمِيَاهُ كَثِيرَةٌ

أُعَالِجُ مِنْهَا حَفْرَهَا وَاكْتِدَادَهَا

وَأَرْضَى بِهَا مِنْ بَحْرِ آخِرَ إِنَّهُ

هُوَ الرِّيُّ أَنْ تَرْضَى النُّفُوسُ ثِمَادَهَا

الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: البيان والتبيين، نشرة بعناية موفق شهاب الدين (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 2، 1424/ 2004)، ج 2/ 3، ص 210. والثِّماد من الثمد، وهو الماء القليل، وله دلالات أخرى تدور حول المعنى نفسه. وقيل: الثماد هي الْحُفَرُ يكون فيها الماء القليل، كما قيل هو المكان الذي يجتمع فيه ماء السماء. ومعنى أكد ثِمادي: أجتهد طاقتي في الحفر عنه واستخراجه.

ص: 61

وكلُّ هذه أوصافٌ يأباها العربي، فشُبِّه في الآية حالُ الناس يوم القيامة بحال الناس يوم السوق في ترقب ما ينفع والإشفاق مما يضر، وهو تشبيهُ هيئةٍ بهيئة، وليس تشبيهَ معنى لفظ مفرد بمعنى مفرد آخر. واستُعملَ المركَّبُ الدال على الهيئة المشبَّه بها، فأطلق على الهيئة المشبهة على طريقة الاستعارة التمثيلية، وهي أعلى أنواع الاستعارة. والمقصود من ذلك تذكيرُ الكفار والمؤمنين بتلك الحالة بين الرغبة والرهبة حتى يستحضروا كأنهم قد تلبسوا بها فيحذروا سوءَ عاقبتها من الآن، وذلك بأن يسعوا إلى ما يجلب الربح ويتقوا ما يجلب الخسارة الحقة، قال تعالى:{يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)} [فاطر: 29]. وقد تكرر القرآن تمثيلُ حال أهل الفوز وأهل الثبور في الآخرة بحال التجارة، كما في قوله تعالى:{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16].

ونظيرُ هذا المعنى قولُ النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي، وذكره البخاري تعليقًا في بعض أبواب الأدب:"إنما المفلسُ الذي يفلس يوم القيامة"، (1) وقوله تعالى:{ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ} [النبأ: 39]، أي: يوم القيامة هو يوم النصر؛ لأن اليوم إذا أُطلق فهو يومُ النصر لبعض جيوش العرب أو بعض ملوكهم، كما قالوا: يوم تحلاق اللمم. (2)

(1) لَم أجده بهذا اللفظ عند الترمذي، وهو عند البخاري كما ذكر المصنف. صحيح البخاري، "كتاب الأدب - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما الكرم قلب المؤمن""، ص 1077. أما روايةُ الترمذي فلفظُها عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا يا رسول الله مَنْ لا درهمَ له ولا متاع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المفلس من أمتي مَنْ يأْتِي يومَ القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، فيَقعُد فيَقتَصُّ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقتص ما عليه من الخطايا أُخِذ من خطاياهم فطُرِح عليه، ثم طُرِح في النار". الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة: سنن الترمذي أو الجامع الصحيح (بيروت: دار الكتب العلمية، 1427/ 2006)، "أبواب صفة القيامة"، الحديث 2418، ص 574 - 575؛ وهو كذلك في النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري: صحيح مسلم (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1421/ 2001)، "كتاب البر والصلة والآداب"، الحديث 2581، ص 1000.

(2)

هو يوم القِضَة، أحد أيام حرب البسوس بين بكر وتغلب ابني وائل في الجاهلية. وسمي يوم تحلاق اللمم، وكذلك يوم التحالق، لأن قبيلة بكر حلقت رؤوسها ليتميزوا عن عدوهم فيعرف بعضُهم بعضًا، وقضة مكان ذو ماء التقى عنده الطرفان المتحاربان.

ص: 62

وفي الحديث: "الصومُ في الشتاء الغنيمةُ الباردة"، (1) فإنه اشتهر بين الناس بالغنيمة الباردة، بمعنى الغنيمة بلا مشقة عمل من شأنه إصعاد مرارة البدن. ولكن الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة؛ لأنه غنيمة أجر عظيم حصلت في برودة الجسم، وهو الآمن بهذا الوصف الذي هو وصفُ مدحٍ في عرفهم. ومن هذا قوله تعالى:{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 15]، أي إذا كنتم تعلمون وصف الخاسر فالخاسرون حقًّا هم الذين خسروا أنفسهم إلخ.

ولذلك جاء هذا الكلامُ المجموع في قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} مجيءَ الدليل والمقدمة وهو أسلوب عجيب في صناعة التخاطب، فهو بمنزلة الدليل لقوله:{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن: 8]، وهو أيضًا بمنزلة المقدمة لقوله:{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10)} [التغابن: 9، 10]، فلا جرم أن تحصل للسامعين بعد سماع تلك المقدمة وهذه النتيجة روعةُ الخائف الوجل، فتحملهم على توخي خير العمل.

(1) ابن حنبل، الإمام أحمد: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق جماعة من العلماء بإشراف شعيب الأرنؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 1، 1416/ 1995)، الحديث 18959، ج 31، ص 290؛ البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي: السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 3، 1424/ 2003)، "كتاب الصيام"، الحديث 8454، ج 4، ص 489؛ سنن الترمذي، "كتاب الصوم"، الحديث 797، ص 219. قال الترمذي:"هَذَا حديثٌ مُرسَلٌ. عامرُ بنُ مَسعُودٍ لَمْ يُدرِكِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهُوَ والدُ إِبراهيمَ بنِ عَامرٍ القُرَشيِّ الَّذِي رَوَى عَنهُ شُعبَةُ والثَّوريُّ".

ص: 63

فطرة الله (1){فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا}

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الروم: 30]. كلَّما لَمَحَ آياتِ القرآن قارئُها المتبصر وتدبرها حقَّ التدبر، وجد فصاحةَ إعجازه الدالِّ على أنه ليس من مألوف كلام البشر ساريةً في كل ما يحتويه مما له دلالةٌ على مقدار من معاني الكلام البليغ، سواء كان جملًا تامة الإفادة، أو تراكيبَ مكملةً إفادةَ ما معها، أو روابطَ تَشُدُّ بين كلماتِه وتراكيبه عُرى الالتئام، فتكون للكلام كالسلك للعقد النظيم، أو القالب الذي يفرغ فيه الذهب الكريم. فبهذه المثابة، وعلى هذا النعت، نجد موقعَ الفاء التي افتُتِحت بها هذه الآيات. تلك هي الفاء التي يسميها علماءُ العربية فاءَ الفصيحة، ويحق لها هنا أن يَقال لها الفاء الفصيحة. (2)

وفاءُ الفصيحة هيَ التي تقع بعد كلامٍ يفيد غرضًا من الأغراض، فتُوزَن بشيء مقدَّر، كشرطٍ تكون تلك الفاءُ رابطةً لجوابه لقصد الإيجاز، فيقدر هنا إجمالًا: إذا علمتَ ما قيل لك، فأقِمْ وجهَك للدين حنيفًا. وقد يكون المقدَّر غيرَ شرط في كلام آخر؛ ذلك أن الآياتِ السابقة تحوم حولَ إثبات أن الله واحد في الألوهية، وأنه

(1) اعتمدنا في ضبط نص هذه المقالة على كتاب "تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة" بعناية نجل المصنف الأستاذ عبد الملك ابن عاشور عليه رحمة الله، كما رجعنا إلى ما كتبه المصنف في هذا الشأن في "تفسير التحرير والتنوير" و"مقاصد الشريعة الإسلامية" و"أصول النظام الاجتماعي"، لاستكمال نقص أو تصويب خطأ. وقد وضعنا ما جلبناه من الكتب المذكورة بين حاصرتين.

(2)

فاء الفصيحة هي الفاء التي يؤتَى بها للترتيب والتعقيب، وتدلّ على أن في الكلام محذوفًا، ولكن المعنى واضح، أو هي التي تُفصح عن جوابِ شرطٍ مقدر وتقع في أول الكلام.

ص: 64

لا شريكَ له، وأن قدرتَه لا يتعاصى عليها شيءٌ من الممكنات، إبطالًا لتكذيب المشركين بالبعث، ابتداءً من قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)} [الروم: 20]، وما عُطِف عليه من الدلائل والأمثال بتقدير الكلام تفصيلًا؛ (1) إذا علمت أنك على الحق، وعلمت أن المعرضين عن دعوتك معاندون مبطلون، فأقم وجهك للدين حنيفًا.

فالأمر مستعمل في طلب الدوام على الفعل، لا في ابتداء إيجابه وهو مثل قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136]. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم تثبيتًا لفؤاده وتأييدًا له، وهو شامل للمسلمين؛ لأن الرسول عليه السلام قدوتهم. ولذلك قال في الآية التي بعده:{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ} [الروم: 31]. وإقامة الوجه تقويمه، أي: تعديله بتوجيهه قبالة نظرك غير ملتفت يمينًا ولا شمالًا.

فالإقامة في هذه الآية تمثيلٌ لحالة التمحُّضِ للشغل بشيء بحالة قَصْرِ النظر على صوب المقابلة دون الالتفات إلى يمنة ويسرة. وهذا كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا

(1) الآيات المقصودة هي قوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)} [الروم: 19 - 29].

ص: 65

وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف: 29]، وقوله حكايةً عن إبراهيم عليه السلام:{إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)} [الأنعام: 79].

والتعريف في قوله: "للدين" تعريفُ العهد، وهو الدين المعهود للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الإسلام، وهو المعهود للمسلمين الذين تقلدوه. ووصف "حنيفًا" وصف يوزن بوزن فعيل، وهو مبالغة في الاتصاف بالحنف، والحنف الميل عن شيء. وغلب إطلاقُ الحنيف على المائل عن الباطل، أي: العادل عن الباطل إلى الحق. فالحنيف الموحد غير المشرك، قال تعالى:{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)} [البقرة: 135]. وقد اشتهر وصفُ إبراهيم عليه السلام بالحنيف، كما اشتهرت ملةُ إبراهيم باسم الحنيفية. (1) والتحنف عبادة الله وحده دون إشراك، واشتهر دينُ الإسلام بالحنيف؛ لأنه أشد الأديان في قطع دابر الإشراك، قال تعالى:{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78].

ولذلك فوصف "حنيفًا" هنا منصوبٌ على الحال؛ يصح أن يكون حالًا من الضمير المستتر في فعل "فأقم"، ويصح أن يكون حالًا من الدين، على تشبيه الدين الإسلامي في خلوه من شوائب الإشراك برجل تجنب الشرك وعدل عنه. فيكون في صفة "حنيف" تمثيلٌ، وفي إجراء تلك الصفة على الدين استعارةٌ مصرحة. وفي الآية مُحَسِّنُ الطباق، وهو الجمع بين معنيين متضادين ولو في الجملة، وذلك في الجمع بين "فأقم" - الذي هو من الإقامة والاعتدال - و"حنيف" الذي هو في معنى الميل والانحراف.

(1) انظر تحليلًا دلاليًّا وتاريخيًّا لمصطلحي الحنيف والحنيفية وعلاقتهما المفهومية بالدين والتوحيد في: إيزوتسو، توشيهيكو: الله والإنسان في القرآن، ترجمه عن الإنجليزية هلال محمد الجهاد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط 1، 2007)، ص 157 - 191.

ص: 66

وأما قوله: "فطرة الله"، فهو حال من "الدين" حالًا أُولَى أو ثانية؛ فإن الحال تتعدد بعاطف وبدون عاطف على التحقيق. والفطرة مصدر بوزن فِعلة، مثل الخلقة، يقال: فَطَر اللهُ الإنسان، أي: خلقه.

ومعنى كون الدين فطرة أن ما يدعو إليه يناسب ما فُطر عليه الإنسان ولا يجافيه بحيث لا يلحق الإنسانَ من أحكام الإسلام حرجٌ ولا مشقة، قال الله تعالى:{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، وقال:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. وفي الحديث: "إن هذا الدين يسر". (1) ولذلك بين الله تعالى كونَ الدين فطرةً بقوله: {الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، أي: خلقهم قابلين لأحكام هذا الدين وتعاليمه، صالحين للعمل بها في نظام أمورهم وحياتهم؛ لأنها تساوي العملَ السليم والفكر الصحيح.

وبيانُ ذلك أن الفطرة هي النظام الجبلي الذي أوجده الله في الإنسان جسدًا وعقلًا. فمشيُ الإنسان على رجليه فطرة جسدية، فلو حاول أن يتناول الأشياءَ برجليه كان محاولًا خلافَ الفطرة الجسدية. واستنتاجُ المسبَّبات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرةٌ عقلية، فإن حاول الإنسانُ استنتاجَ أمر من غير سبب كان محاولًا خلاف الفطرة العقلية. وجزْمُنا بأن ما نبصر من المبصَرات هو حقائقُ ثابتة في عالم الوجود فطرة عقلية، ولكن إنكار السوفسطائية ثبوتَ المحسوسات في نفس الأمر تحريف للفطرة العقلية. وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة، فقال:

(1) جزء من حديث رواه بهذا اللفظ النسائي عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ هَذَا الدّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادّ الدّينَ أَحَدٌ إلّا غَلَبَه، فَسَدّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا وَيَسّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرّوْحَةِ، وَشَيْء مِنَ الدَّلْجَةِ". النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني: سنن النسائي، نشرة بعناية أحمد شمس الدين (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1422/ 2002)، "كتاب الإيمان وشرائعه"، الحديث 5044، ص 806. ورواه البخاري بدون حرف اسم الإشارة "هَذَا" بلفظ:"إن الدين يسر، ولن يشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"، صحيح البخاري، "كتاب الإيمان"، الحديث 39، ص 10. وقد جاءت في معناه روايات كثيرة تنظر في مواضعها من مدونات الحديث.

ص: 67

"ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسانُ نفسَه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيًا، ولم يعتقد مذهبًا، ولم يعاشر أمة، ولم يعرف سياسة. لكنه شاهد المحسوسات، وأخذ منها الخيالات، ثم يعرض على ذهنه شيئًا ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشكُّ فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشكُّ فهو ما توجبه الفطرة. وليس كلُّ ما توجبه فطرةُ الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرةُ القوة التي تسمى عقلًا.

وأما فطرةُ الذهن بالجملة، فربما كانت كاذبة. وإنما يكون هذا الكذبُ في الأمور التي ليست بمحسوسة بالذات، بل هي مبادئ للمحسوسات. . . فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة، أوجب التصديقَ بها إمَّا شهادةُ الكل، مثل أن العدل جميل، وإما شهادةُ الأكثر، وإما شهادةُ العلماء والأفاضل منهم. . . وليست الذائعاتُ من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديقُ بها في الفطرة. فما كان من الذائعات ليس بأولِيٍّ عقليٍّ ولا وهمي، (1) فإنها غيرُ فطرية ولكنها متقررةٌ عند الأنفس؛ لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا، وربما دعا إليها محبةُ التسالُمِ والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس، أو الاستقراء الكثير، أو كونُ القول في نفسه ذا شرطٍ دقيق لأَنْ يكونَ حقًّا (2) صرفًا، فلا يُفطن لذلك الشرط، ويؤخذ على الإطلاق". (3)

(1) كذا، فإن لم يكن تحريفًا فالظاهر أنه أراد بالوهمي الاعتباري لا ما تدركه القوةُ الواهمة. - المصنف.

(2)

قوله: "لأن يكون حقًّا" متعلقٌ بشرط دقيق. - المصنف.

(3)

ابن سينا، أبو علي الحسين: النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق عبد الرحمن عميرة (بيروت: دار الجيل، 1412/ 1992)، ج 1، ص 79 - 80. حاولنا الاعتمادَ في توثيق كلام الشيخ الرئيس على نشرة ماجد فخري لكتاب النجاة فهي أكثر دقة من نشرة عميرة، إلا أننا ألفينا فيها اضطرابًا في بعض جمله لم نهتد إلى وجه تقويمه، واختلافًا عما ساقه المصنف لم نتبين منشأ حصوله: أهو اختلاف النسخ المعتمدة في التحقيق أم سهو من المحقق. انظر كتاب النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، تحقيق ماجد فخري (بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة، ط 1، 1405/ 1985)، ص 99 - 100. وانظر له كذلك: الإشارات والتنبيهات، تحقيق سليمان دنيا (القاهرة: دار المعارف، ط 3، 1983)، القسم الأول، ص 350 - 356.

ص: 68

فوصفُ دين الإسلام بأنه فطرةُ الله معناه أن أصولَ الاعتقاد جاريةٌ على مقتضى الفطرة العقلية، وأن تشريعَه جارٍ على وَفق ما يدرك العقلُ فائدتَه، ويشهد بصلاحه، وأن النواهي والزواجر وقوانين المعاملات جاريةٌ على ما تشهد به الفطرة؛ لأن طلب صلاح المجتمع محبوب في الفطرة.

[ومعنى وصف الإسلام بأنه "فطرة الله" أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة. ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرض عليها؛ إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تُركت الفطرةُ وشأنها لما شهدت بها ولا بضدها. فلما حصلت اختارتها الفطرة، ولذلك استقرت عند الفطرة واستحسنتها.

مثال ذلك الحياء والوقاحة، فإنهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة. وقد كان بعض الحكماء معروفًا بالوقاحة والسلاطة، مثل الحكيم ديوجينوس اليوناني. ولكنا نجد الحياء محبوبًا للناس، فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم. فلذلك كان من شعار الإسلام؛ ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء (أي: ينهاه عما تلبس به من الحياء)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دعه، فإن الحياء من الإيمان". (1) فلم تسلم حكمة أصحاب الشدة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال تعالى:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

(1) الإمام مالك بن أنس: الموطأ برواياته الثمانية، تحقيق أبي أسامة سليم بن عيد الهلالي السلفي (دبي: مجموعة الفرقان التجارية، 1424/ 2003)، "كتاب الجامع"، الحديث 1791، ج 4، ص 299 (من رواية أبي مصعب الزهري وسويد بن سعيد، وخرجه ابن وهب في جامعه، قال: أخبرني مالك بن أنس به)؛ صحيح البخاري، "كتاب الأدب"، الحديث 6118، ص 1066؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 59، ص 39 (بدون لفظ: دعه).

ص: 69

ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنساني العقلي لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائق والاعتباريات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيلات؛ لأنها ليست مما فُطر عليه العقل، ولكنها مما عرض للفطرة عروضًا كثيرًا حتى لازمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال فاشتبهت بالفطريات. وإنما كان عروضُها للفطرة بسوء استعمال العقل وسوء فهم الأسباب، ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتباريات، ولا تجدهم متفقين في الوهميات والتخيلات. بل تجد سلطان هذين الأخيرين أشدَّ بمقدار شدة ضعف العقول، وتجد أهلَ العقول الراجحة في سلامة منهما]. (1)

ولهذا فإن شواهدَ الفطرة قد تكون واضحةً بينة وقد تكون خفية، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو التبست بما ليس فطريًّا، فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء أهلُ النظر، الذين تمرسوا بممارسة الحقائق والتفريق بين متشابهاتها، وسبر أحوال البشر، وتعرضت أفهامهم زمانًا لتصاريف الشريعة، وتوسموا مراميها وغاياتها، وعصموا أنفسَهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء.

إن المجتمع الإنساني قد مُنِيَ بأوهام وعوائد وبمألوفات أدخلها عليه أهلُ التضليل، فاختلطت فيه بالعلوم الحقة، وتقاول الناس عليها، وارتاضوا على قبولها، فالتصقت بعقولهم التصاقَ العنكبوت ببيته. فتلك التي يخاف منها أن تلقى بالتسليم على مرور العصور، فيعسر إقلاعُهم عنها وإدراكُهم ما بينها من انحراف عن الحق. فليس لتمييزها إلا أهلُ الرسوخ، أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كلَّ سبيل، واستوضحوا خطيرَها فكانوا للماشين خير دليل.

وكونُ الإسلام دينَ الفطرة وصفٌ اختُصَّ به الإسلامُ من بين سائر الأديان؛ لأن مسايرته الفطرة مطردة في أصوله وفروعه. وأما سائر الأديان فقد بُنيت أصولُ

(1) ما بين الحاصرتين مأخوذٌ من كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية للمصنف، تحقيق محمد الطاهر الميساوي (عمَّان: دار النفائس، ط 2، 1421/ 2001)، ص 264 - 265.

ص: 70

الاعتقاد فيها على مراعاة الفطرة، ولم يطرد ذلك في شرائعها الفرعية. وهذا ما أفاده قولُه تعالى:{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30]؛ لأن الله جعله خاتمة الأديان وجعله باقيًا في جميع العصور وصالِحًا بجميع الأمم، فجعله مساوقًا للفطرة البشرية ليكون صالِحًا للناس كافة، وللعصور عامة. وفي قوله:{الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، بيانٌ لوجه الإضافة في وصفه بفطرة الله، وتصريحٌ بأن الله خلق الإنسان سليم العقل مما ينافي الفطرةَ من العقائد الضالة والعوائد الذميمة، وأن ما يدخل عليها من ذلك ما هو إلا من جراء التلقي الضال والتعود الذميم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يولد الولد على الفطرة، ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". (1) روى مسلم في صحيحه عن عياض المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: "وإنِّي خلقت عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجْتالَتْهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أَحلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهم أنْ يشركوا بي ما لم أُنزِل به سلطانًا". (2) لهذا كان قوله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]،

(1) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما جاء عند البخاري وغيره عن أبي هريرة:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه، إلخ"، صحيح البخاري، "كتاب الجنائز"، الحديثان 1358 - 1359، ص 217 والحديث 1385، ص 222؛ "كتاب التفسير"، الحديث 4775، ص 839؛ "كتاب القدر"، الحديث 6599، ص 1141؛ صحيح مسلم، "كتاب القدر"، الحديث 2658، ص 1024؛ الموطأ، "كتاب الجنائز"، الحديث 624، ج 2، ص 222 - 223. وجاء عند مالك بلفظ:"كل مولود". هذا وللحديث بقية وعدة روايات أخرى متقاربة الألفاظ، ليس هنا مقام استقصائها.

(2)

جزء من حديث عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حِمار المجاشعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربِّي أمرنِي أن أعلِّمَكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كلُّ مال نحلته عبدًا حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتليَ بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان. وإن الله أمرنِي أن أُحرّقَ قريشًا، فقلت: رب، إذًا يثْلَغُوا رأسي فيَدَعُوهُ خبزة، قال: استَخْرجْهُمْ كما استَخْرجوك، واغْزُهُمْ نُغزك، =

ص: 71

مُقَرَّرًا لكون هذا الدين فطرةَ الله، أي: لا تبديلَ في أحكامه لِمَا خلق الله الناس عليه.

وقد حصل من مجموع هذه الوصاة والصفات التي تضمنتها الآية إيذانٌ بفضل هذا الدين ومزيته على سائر الأديان الحقة الماضية بطريقة الكناية العرضية، فكان من مزيد العناية بتشريفه إفادةُ هذا التفضيل بصريح المقال فذيل الكلام بقوله:{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} . فلاسم الإشارة وقعُه البليغ من الإشعار بتعظيم المشار إليه؛ إذ جعل بمرتبة البعيد بُعد رِفعةٍ وعلو، على حد [قوله تعالى: ] {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2]، والمعنى هو الدين القيم.

و"القيِّم" وصفٌ على صيغة فيعل، وهي أشد مبالغة من صيغة فَعَل، مثل هيِّن وليّن. فيفيد قوةَ معنى الوصف فيه وهو القيام، أعني القيام المجازي الذي هو ضد الاعوجاج، يقال: عود مستقيم وقيم. فوصف الدين بالقيم هنا استعارةٌ بتشبيه الدين بالعود المستقيم في انتفاء العيب عنه والخطأ، تشبيهًا للمعنى المعقول بالشيء المحسوس.

وموقعُ الاستدراك بـ {أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الروم: 30] تبيينُ أن إعراضَ أكثر الناس عن هذا الدين، ليس لكون الأديان الأخرى أرجحَ منه في صلاح الناس، ولأجل شدةٍ أو إرهاقٍ في تشريعاته، بل لأن المعرضين عنه لا علمَ عندهم، فأزال هذا الاستدراكُ ما قد يتوهمه مَنْ تغرُّه كثرةُ المنصرفين عنه فيخالهم انصرفوا عنه على بصيرةٍ في أحواله وتدبُّرٍ في مراميه. والمراد بأكثر الناس المشركون وغيرهم مِمَّن يُدعون إلى الإسلام فيعرضون عن قبوله.

= وأَنْفقْ فَسَنُنْفق عليك، وابعثْ جيشًا نَبعَثْ خمسةً مثلَه، وقاتل بِمَنْ أطاعك مَنْ عصاك. قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسطٌ مُتَصدّقٌ مُوَفَّق، ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكل ذي قُرْبَى ومسلم، وعفيفٌ مُتَعَففٌ ذو عيال. قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغونَ أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقَّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك". صحيح مسلم، "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها"، الحديث 2865، ص 1098.

ص: 72

وفعل {لَا يَعْلَمُونَ} مُنَزَّلٌ منزلةَ اللازم، فلا يقدر له مفعول، ولا يُطلب دليلٌ على تقدير مفعوله. فإذن يكون مفاد نفي العلم عنهم أنهم فاقدون العلم، فلذلك لم تبلغ مداركُهم إلى إدراك الدلائل الواضحة في أحوال هذا الدين حيثما توجد. فلذلك كان ما عندهم من الإدراك والعقل شبيهًا بالعدم، فنفي العلم على سبيل المبالغة؛ إذ اعتبار الأوصاف بآثارها. (1)

(1) انظر بحثًا عميقًا في مفهوم الفطرة وأبعادها المختلفة في: الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط 1، 1411/ 1991)، ج 16، ص 195 - 199؛ الجواهر النورانية في العلوم والمعارف الإنسانية، نشرة بعناية رضوان سعيد فقيه (بيروت: دار المحجة البيضاء، ط 1، 1426/ 2005)، ص 229 - 266 و 339 - 343.

ص: 73