الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نقل في سبب النزول:
بمناسبة الكلام عن سورة المزمل نقلنا نقولا عن أسباب نزول سورتي المزمل والمدثر وقد رأينا في الفترة السابقة بعض الروايات التي يفهم منها بعض أسباب النزول، وقد ذكر ابن كثير بمناسبة الكلام عن سورة المدثر رواية أخرى تشبه الرواية التي ذكرها بمناسبة الكلام عن سورة المزمل وهذه هي:(وروى الطبراني عن إبراهيم بن يزيد سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وقنع رأسه وتدثر فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ).
كلمة في سورة المدثر ومحورها:
بعد الآيات الأربع التي جاءت بعد مقدمة سورة البقرة والتي فصلت فيها سورة المزمل يأتي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ، ويلاحظ أن سورة المدثر بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
…
فهناك أمر بالتبشير، وهاهنا أمر بالإنذار، وهما شيئان متكاملان. وقبل قوله تعالى في سورة البقرة: وَبَشِّرِ ورد قوله تعالى في سورة البقرة: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وصلة ذلك بالإنذار واضحة. وبعد آية (وبشر) يرد قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ويلاحظ أنه في سورة المدثر يرد قوله تعالى: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، ويأتي في تتمة آية سورة البقرة قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ، ويرد في تتمة آية المدثر قوله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ
رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ. ويأتي بعد تلك الآية في سورة البقرة قوله تعالى في وصف الفاسقين: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ويأتي في سورة المدثر:
يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ* ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ والصلة بين هذه الآيات وبين ما ورد في سورة البقرة من حيث إنها تذكر مظاهر الخسران واضحة، ولهذا وذاك قلنا: إن محور سورة المدثر هو محور سورة المائدة، كما أن محور سورة المزمل هو محور سورة النساء.
ولا نعرف تعليلا يعلل لمثل ما ذكرناه هنا سوى هذا التعليل الذي اتجهنا إليه في هذا التفسير، فهذا التشابه الحرفي بين ما ورد في محور هذه السورة من سورة البقرة، وبين ما ورد في سورة المدثر، ووجود مثل سورتي النساء والمائدة وراء بعضهما مبدوءتين ب (يا أيها) وسورتين مثل سورتي الطلاق والتحريم وراء بعضهما مبدوءتين ب (يا أيها)، وسورتين مثل سورتي المزمل والمدثر وراء بعضهما مبدوءتين ب (يا أيها) له سر، وله تعليل، وهذا التفسير هو الذي قدم لمثل هذا تعليلا يقوم عليه الدليل ولله الحمد والمنة.
لقد رأينا أن سورة التحريم تفصل في محور سورة المائدة، وسورة المدثر تفصل في محور سورة المائدة، وكلتاهما ذكرت (المثل) ومحور سورة المائدة من سورة البقرة مذكور فيه المثل، أليس لهذا صلته ببعضه بعضا؟.
لقد رأينا من قبل سورة الأحزاب يتعاقب فيها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وأثبتنا هناك أن المقطع الذي بدايته (يا أيها النبي) يفصل في محور سورة النساء من سورة البقرة، وأن المقطع الذي بدايته (يا أيها الذين آمنوا) يفصل في محور سورة المائدة، أليس من العجيب أن محور سورة المائدة موجود فيه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا وأنك تجد في سورة الأحزاب بعد مقطع مبدوء ب (يا أيها الذين آمنوا) وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ
…
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أو ليس من العجيب أن يتصور متصور أن مثل هذه المعاني لا تخضع لقاعدة عامة شاملة، فإذا استطعنا أن نقيم الدليل على هذه القاعدة الشاملة فإن ذلك هو الذي يتفق مع التصور الصحيح عن أفعال الله عز وجل، وعن كلماته، أن يكون فيها من الانتظام ومن النظام، ومن الضوابط ما لا يتناهى جماله، ولا يحاط بكمالاته، ولنعد إلى سورة المدثر.
في محور سورة المدثر من سورة البقرة كلام عن موقف الكافرين من الأمثال القرآنية وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، وفي سورة المدثر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر أمثال هؤلاء، كما أن سورة المدثر قدمت لنا تفصيلا عن نفسية هؤلاء وتفكيرهم، وتبيانا للأسباب النفسية التي تجعلهم يقفون مثل هذه المواقف من القرآن، وفيها تفصيل لما يستحقونه، وفي السورة تربية للمؤمنين، وتعريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أدب الإنذار والتبشير، وفي السورة تعريف على القرآن وتعريف على الله عز وجل، ولذلك كله صلة في المحور كما سنرى.
تتألف السورة من مقدمة وفقرتين:
المقدمة وتستمر حتى نهاية الآية (10).
الفقرة الأولى وتستمر حتى نهاية الآية (31).
الفقرة الثانية وتستمر حتى نهاية السورة أي: حتى نهاية الآية (56).
رأينا في مقدمة تفسير سورة المزمل أن سبب نزول سورتي المزمل والمدثر كان ما قابل به رسول الله صلى الله عليه وسلم تآمر قريش، واتهاماتها من التزمل والتدثر، وأن هناك روايات أخرى ذكرت أن سبب النزول كان لفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم من رؤية جبريل مرة ثانية بعد المرة الأولى التي كان فيها بدء الوحي، وللجمع بين الروايتين يمكن أن يقال:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قابل ظهور جبريل في المرة الثانية بفرق تدثر وتزمل معه، فنزلت
عليه السورتان، وقابل تآمر قريش بنفس الوضع فذكر بالسورتين.
والملاحظ أن سورة المزمل ورد فيها قوله تعالى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا وأن سورة المدثر ورد فيها قوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً* وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً
…
فكأن في سورة المدثر نموذجا للمكذبين أولي النعمة ومواقفهم التي تقتضي أن يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم لله عز وجل، وفي بدء سورة المدثر يقول تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ مع وجود قوله تعالى في السورة:
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
…
ما يفيد أن الإنذار هو الأصل، وأن من اتصف بخصائص معينة هذا الذي وحده لا ينفع معه الإنذار، ويترك أمره لله يعذبه الله بيده أو بيد المؤمنين أثناء إقامتهم أمر الله بالجهاد والعدل.
نلاحظ أن سورة الحاقة تحدثت عن أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وتحدثت عن المكذبين باليوم الآخر، وأن سورة المعارج تحدثت عن الكافرين وموقف من مواقفهم، وأن سورة نوح حدثتنا عن أمة رفضت الإنذار، وأن سورة الجن حدثتنا عن نفر قبلوا الإنذار، وأن سورة المزمل حددت للنذير ما ينبغي فعله في علاقته مع الله، وفي مواقفه من نوع من الكافرين، وتأتي سورة المدثر لتحدد للنذير أخلاقه التي تقتضيها عملية الإنذار، وموقفه من أنواع من المكذبين، وعرض لحال أهل اليمين ولحال المجرمين في الآخرة، مما يذكرنا بسورة الحاقة، فسورة المدثر تكمل دور سورة المزمل، وهي ترتبط بمجموعتها كلها برباط وثيق، وهكذا نجد المجموعة تتكامل مع بعضها في معانيها، وتتكامل مع بعضها في تفصيلها لمحاورها من سورة البقرة لتفصل في الأساس والطريق.