الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلا أدري علام يبنون هذا الإنكار، بصيغة الجزم والقطع، والسخرية من الاعتقاد بوجوده، وتسميته خرافة!
ألأنهم عرفوا كل ما في هذا الكون من خلائق فلم يجدوا الجن من بينها؟! إن أحدا من العلماء لا يزعم هذا حتى اليوم. وإن في هذه الأرض وحدها من الخلائق الحية لكثيرا مما يكشف وجوده يوما بعد يوم، ولم يقل أحد إن سلسلة الكشوف للأحياء في الأرض وقفت أو ستقف في يوم من الأيام!
ألأنهم عرفوا كل القوى المكنونة في هذا الكون فلم يجدوا الجن من بينها؟! إن أحدا لا يدعي هذه الدعوى. فهناك قوى مكنونة تكشف كل يوم؛ وهي كانت مجهولة بالأمس. والعلماء جادون في التعرف إلى القوى الكونية، وهم يعلنون في تواضع- قادتهم إليه كشوفهم العلمية ذاتها- أنهم يقفون على حافة المجهول في هذا الكون، وأنهم لم يكادوا يبدءون بعد!
ألأنهم رأوا كل القوى التي استخدموها. فلم يروا الجن من بينها؟! ولا هذه.
فإنهم يتحدثون عن الكهرب بوصفه حقيقة علمية منذ توصلوا إلى تحطيم الذرة. ولكن أحدا منهم لم ير الكهرب قط. وليس في معاملهم من الأجهزة ما يفرزون به كهربا من هذه الكهارب التي يتحدثون عنها!
ففيم إذن هذا الجزم بنفي وجود الجن؟ ومعلومات البشر عن هذا الكون وقواه وسكانه من الضآلة بحيث لا تسمح لإنسان يحترم عقله أن يجزم بشيء؟ ألأن هذا الخلق المسمى الجن تعلقت به خرافات شتى وأساطير كثيرة؟ إن طريقنا في هذه الحالة هو إبطال هذه الخرافات والأساطير كما صنع القرآن الكريم، لا التبجح بنفي وجود هذا الخلق من الأساس، بلا حجة ولا دليل! ومثل هذا الغيب ينبغي تلقي نبئه من المصدر الوحيد الموثوق بصحته، وعدم معارضة هذا المصدر بتصورات سابقة لم تستمد منه.
فما يقوله هو كلمة الفصل).
كلمة في سورة الجن ومحورها:
1 -
سورة الجن تعرض نموذجا للموقف الصحيح من إنذار النذير، وتعلم النذير كيف ينذر، ومن ثم تبدأ بكلمة (قل) وتتكرر فيها، ولذلك صلته بقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فالسورة تأمر النذير أن يذكر قصة الجن الذين استمعوا فآمنوا، ثم تأمره أن يعلن مجموعة إعلانات تجدد مهمته وتؤكد عبوديته وبشريته ورسالته، وفي ذلك إقامة حجة على الكافرين.
2 -
قلنا إن محور سورة الجن هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ومما يرجح أن هذا هو محورها شئ من التشابه بينها وبين سورة الأنبياء التي هذا محورها، ففي أواخر سورة الأنبياء يرد قوله تعالى: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وتبدأ سورة الجن بقوله تعالى:
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ
…
ويرد فيها قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً، وفي أواخر سورة الأنبياء يرد قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ وفي أواخر سورة الجن يرد قوله تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً إن مثل هذا التشابه يجعلنا نستأنس في أن ما ذهبنا إليه من كون محور سورة الجن هو محور سورة الأنبياء صحيح.
وكما أنه بعد سورة الأنبياء تأتي سورة الحج، وهي مبدوءة ب (يا أيها) فإنه بعد سورة الجن تأتي سورة المزمل وهي مبدوءة ب (يا أيها) وهذا كذلك يرجح أن سورة الجن تفصل في مقدمة سورة البقرة، وأن السورة بعدها تفصل فيما بعد المقدمة.
وصلة سورة الجن بما قبلها من مجموعتها واضحة، فسورة الجن تقدم نموذجا على القبول الراقي للإنذار، بعد أن أرتنا سورة نوح النموذج السيئ للأمة الكافرة الرافضة للإنذار، وهي وما قبلها من مجموعتها مقدمة لسورتي المزمل والمدثر اللتين تحددان الطريق في السلوك والعمل.
وواضح أن السورة تتألف من فقرتين: الفقرة الأولى تنتهي بنهاية الآية (19) والفقرة الثانية تنتهي بنهاية الآية (28) وأن بين الفقرتين كمال اتصال كما سنرى.
والجن الذين تحدثت عنهم سورة الجن هم المذكورون في سورة الأحقاف، وقد ذكرنا هناك خبرهم كما ذكره ونقله ابن كثير هناك، وخلاصة ذلك: أنهم سبعة نفر من جن نصيبين، قدموا مكة في عملية بحث عن أسباب كثرة الشهب التي حالت بين الجن وبين خبر السماء، فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي في المسجد الحرام، يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه ثم أسلموا، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ما أنزل من خبرهم في سورة الأحقاف، وفي سورة الجن. ولنبدأ عرض السورة.