الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قدم الألوسي لسورة المسد بقوله:
(وتسمى سورة المسد، وهي مكية وآيها خمس بلا خلاف في الأمرين، ولما ذكر سبحانه فيما قبل دخول الناس في ملة الإسلام، عقبه سبحانه بذكر هلاك بعض ممن لم يدخل فيها وخسرانه.
على نفسه فليبك من ضاع عمره
…
وليس له منها نصيب ولا سهم
كذا قيل في وجه الاتصال، وقيل هو من اتصال الوعيد بالوعد، وفي كل مسرة له عليه الصلاة والسلام. وقال الإمام في ذلك: إنه تعالى لما قال لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ فكأنه صلى الله عليه وسلم قال: إلهي فما جزائي؟ فقال الله تعالى: لك النصر والفتح، فقال:
فما جزاء عمي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال: تبت يداه، وقدم الوعد على الوعيد ليكون النصر متصلا بقوله تعالى وَلِيَ دِينِ والوعيد راجعا إلى قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ على حد يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ الآية فتأمل هذه المجانسة الحاصلة بين هذه السور مع أن سورة النصر من آخر ما نزل بالمدينة، وتبت من أوائل ما نزل بمكة لتعلم أن ترتيبها من الله تعالى وبأمره عز وجل ثم قال: ووجه آخر وهو أنه لما قال لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ فكأنه قيل: إلهي ما جزاء المطيع؟ قال: حصول النصر والفتح، ثم قيل: فما جزاء العاصي؟ قال: الخسار في الدنيا والعقاب في العقبى، كما دلت عليه سورة تبت. انتهى وهو كما ترى).
كلمة في سورة المسد ومحورها:
بعد الآيات الخمسة الآتية بعد مقدمة سورة البقرة والتي رأينا أنها كانت محورا للسور الثلاث السابقة: الكوثر، والكافرون، والنصر، يأتي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
لاحظ كلمة أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وأن سورة المسد تبدأ بقوله تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ قال ابن كثير: (أي وقد تحقق خسارته وهلاكه)، من هذه
البداية للسورة ندرك أن الله عز وجل يعطينا في هذه السورة نموذجا على هؤلاء الخاسرين من الرجال والنساء، وأي نموذج؟ عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجة عمه، وفي ذلك ما فيه من التحذير والإنذار، وقطع الطمع والإبعاد عن الأماني.
فمن ربط السورة بمحورها ندرك أن أبا لهب وزوجته هما النموذجان الرجالي والنسائي على الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، ومن ثم استحقوا إضلال الله عز وجل لهم.
ختمت سورة الكافرون بقوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ وجاءت سورة النصر تبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر على الكافرين، وتأتي سورة المسد لتتحدث عن مآل الكافرين وخسرانهم من خلال الحديث عن شخصية آذت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وزوجها الإيذاء الكثير، وحرصت على رد وصد الناس عن الإسلام، فهي داخلة دخولا أوليا في قوله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ .. ومن ثم فللسورة صلتها الوثيقة بما قبلها، فليس أعداء الله مغلوبين فقط، بل من حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها واستمر على ذلك فإنه كذلك معذب عند الله عز وجل يوم القيامة وفي الآخرة، وهو نصر ثان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي سورة النصر تسجيل للنصر الدنيوي على الكافرين وفي سورة المسد تسجيل للنصر الأخروي على الكافرين.
إن سورة المسد نزلت في أوائل الدعوة الإسلامية، فإن تأتي في محلها الذي جاءت به متصلة بما قبلها وما بعدها، متصلة بمحورها من سورة البقرة، فهذا وحده إعجاز، وفيه معجزات وفي السورة. فلنبدأ عرض السورة.