الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ قال النسفي: (أي: بينا له طريق الهدى بأدلة العقل والسمع)، وقال ابن كثير:(أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به) إِمَّا شاكِراً أي: مؤمنا عابدا تقيا وَإِمَّا كَفُوراً أي: كافرا.
كلمة في السياق:
1 -
ذكرت الآية الثانية حكمة خلق الإنسان بأنه الابتلاء أي: الاختبار، وذكرت الآية الثالثة انقسام الناس نتيجة الاختبار إلى شاكرين وكافرين، وفي الآيات الثلاث ذكر كل ما يستدعي من الإنسان أن يشكر من خلقه بعد إذ لم يكن، وخلقه وهو يملك آلات الفهم للوصول إلى النجاح في الاختبار، وهداية إلى الطريق الصحيح، فإذا اختار الكفر ولم يشكر فالحجة قائمة عليه.
2 -
قسمت الآية الأخيرة الناس إلى قسمين: شاكرين وكافرين، والشكر طريقه التقوى قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ومن هاهنا ومما مر من قبل ندرك صلة الآيات بمحور السورة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، بعد الآيات الثلاث تأتي مجموعة تتحدث عما أعد الله عز وجل للكافرين والشاكرين، قال النسفي: لما ذكر الفريقين أتبعهما ما أعد لهما فقال:
إِنَّا أَعْتَدْنا أي: هيأنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً أي: نارا موقدة، والسلاسل جمع سلسلة، والأغلال جمع غل، قال ابن كثير: يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللهب والحريق في نار جهنم.
كلمة في السياق:
1 -
بعد أن ذكر الله عز وجل انقسام الناس إلى شاكرين وكافرين، بدأ بذكر ما أعد للكافرين، وثنى بما أعد للشاكرين، وسيستغرق ذلك تتمة آيات الفقرة الأولى.
2 -
لنتذكر محور السورة من سورة البقرة، بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله
تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ
رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
وقد رأينا صلة الآيات الثلاث من السورة بهذا الجزء من سورة البقرة، وبعد هاتين الآيتين يأتي قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ لاحظ صلة مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا بقوله تعالى في سورة الإنسان: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ وصلة قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ بقوله تعالى في سورة الإنسان: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً.
3 -
بعد قوله تعالى في سورة البقرة عن النار: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يأتي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ويأتي بعد قوله تعالى في سورة الإنسان:
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ
…
أي: يأتي كلام عما يبشر الله عباده المؤمنين، ويستمر هذا حتى نهاية الفقرة الأولى، ويرد خلال ذلك ذكر لبعض مضامين الإيمان، وذكر لبعض الأعمال الصالحة، فلنر إذن تتمة الفقرة بعد أن عرفنا محلها في السياق القرآني العام، أي: صلتها بمحور السورة من سورة البقرة، وأما محلها في سياق السورة الخاص فإنه بعد أن ذكر الله عز وجل أن الناس قسمان كافر وشكور، وذكر ما أعده للأشقياء من السعير يذكر جل جلاله ما أعده للسعداء الأبرار الشاكرين.
إِنَّ الْأَبْرارَ فسر بعضهم الأبرار بأنهم الذين لا يؤذون الغير ولا يضمرون الشر، أقول: لقد فسر الله البر في آية البر من سورة البقرة، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم البر بقوله:«والبر ما اطمأنت إليه النفس» فالأبرار هم أصحاب هذه المقامات يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ قال النسفي: أي: من خمر، فنفس الخمر تسمى كأسا، وقيل:
الكأس: الزجاجة إذا كان فيها خمر كانَ مِزاجُها أي: ما تمزج به كافُوراً
قال النسفي: أي: ماء كافور، وهو اسم عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور، ورائحته وبرده
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً قال النسفي: (أي:
يجرونها حيث شاءوا من منازلهم تفجيرا سهلا لا يمتنع عليهم، وقال ابن كثير: أي:
يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا من قصورهم ودورهم، ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الإنباع. وقال: وقد علم ما في الكافور من التبريد، والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة، أقول: قد علم أنه ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، فالاسم واحد والطعم مختلف، وقال ابن كثير في الآية:(أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفا بلا مزج، ويروون بها، وقال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور)
ثم بين بما استحقوا ذلك فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال النسفي: (أي: يوفون بما أوجبوا على أنفسهم
…
) والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوافر على أداء الواجبات؛ لأن من وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى وَيَخافُونَ يَوْماً هو يوم القيامة كانَ شَرُّهُ أي: شدائده مُسْتَطِيراً أي: منتشرا، قال ابن كثير: أي: منتشرا عاما إلا من رحم الله
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ أي: على حب الطعام من الاشتهاء والحاجة إليه، أو على حب الله مِسْكِيناً أي: فقيرا عاجزا عن الاكتساب وَيَتِيماً أي:
صغيرا لا أب له وَأَسِيراً أي: مأسورا، وقد كان أسير المسلمين زمن نزول الوحي كافرا فعرفنا أن خيرهم يمتد إلى الكافر فضلا عن المسلم،
ثم عللوا لإطعامهم فقالوا إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ أي: لطلب ثوابه لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً أي:
مكافأة أو هدية على ذلك وَلا شُكُوراً أي: ثناء، وهذه علامة الإخلاص أن تفعل الخير لا تريد عليه جزاء ولا ثناء، وليس شرطا أن يقولوا هذا لمن يقدمون له الخير، وإنما المراد أن يكون ذلك قائما في أنفسهم، فالآية تحتمل أن تكون بيانا من الله عز وجل عما في ضمائرهم؛ لأن الله تعالى علمه منهم فأثنى عليهم، وإن لم يقولوا شيئا. قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم فأثنى عليهم به، ليرغب في ذلك راغب
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً القمطرير: الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه، وفسر ابن عباس العبوس بالضيق، والقمطرير بالطويل. قال ابن كثير في الآية: أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير، وقال النسفي: أي: إنا
لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة، أو إنا نخاف من ربنا فنتصدق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف (أي: في ذلك اليوم)
قال تعالى مبشرا لهم أنه سيعطيهم ما أملوه: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ أي: صانهم من شدائده وَلَقَّاهُمْ أي: أعطاهم بدل عبوس الكفار في ذلك اليوم نَضْرَةً أي: حسنا في الوجوه وَسُرُوراً أي: فرحا في القلوب،
وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا أي: بسبب صبرهم جَنَّةً أي: بستانا فيه مأكل هنيء وَحَرِيراً أي: ملبسا بهيا، قال ابن كثير في الآية: أي: منزلا رحبا وعيشا رغدا ولباسا حسنا، أقول: دلت الآية على أنه بتحققهم بمقام الصبر نالوا ما نالوا بصبرهم على الطاعات، وصبرهم عن المعاصي، وصبرهم على مكارم الأخلاق، وصبرهم على الابتلاءات
مُتَّكِئِينَ فِيها أي: في الجنة عَلَى الْأَرائِكِ جمع أريكة وهي متكآتهم على الأسرة لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً الزمهرير: البرد الشديد، وقيل: القمر، وعلى القول الأخير
يكون معنى الآية: إن الجنة مضيئة لا يحتاج فيها إلى شمس ولا قمر، وعلى القول الأول يكون معنى الآية كما قال ابن كثير: أي: ليس عندهم حر مزعج، ولا برد مؤلم، بل هي مزاج واحد، دائم سرمدي لا يبغون عنها حولا، وقال النسفي في الآية: لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير فظلها دائم، وهواؤها معتدل لا حر شمس يحمي، ولا شدة برد تؤذي
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها أي: قريبة منهم ظلال أشجارها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا قال النسفي: سخرت للقائم والقاعد، والمتكئ، وقال ابن كثير: (أي: متى تعاطاه دنا القطف إليه وتدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع
…
قال مجاهد: إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذللت له حتى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتى ينالها
…
وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد)
وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ أي: من فضة، والكوب هو الكوز الذي لا عروة لها ولا خرطوم، قال ابن كثير: أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب، وهي من فضة كانَتْ أي: هذه الأكواب قَوارِيرَا قال ابن كثير: قال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة بدا ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا،
ثم فسر الله عز وجل هذه القوارير بقوله:
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً أي: جعلها السقاة على قدر ري شاربها، فهي
ألذ لهم وأخف عليهم، قال ابن كثير: أي: على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي معدة لذلك، مقدرة بحسب ري صاحبها
…
وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة
وَيُسْقَوْنَ فِيها قال ابن كثير: أي: ويسقون يعني: الأبرار أيضا في هذه الأكواب كَأْساً أي: خمرا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا قال ابن كثير: فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور، وهو بارد وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، مع العلم أنه ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، أما الماهية فشئ شبيه لكنه على حال غير حاله في الدنيا فهناك تقدم الأشياء مكتملة اللذة بلا تنغيص
عَيْناً فِيها أي: في الجنة تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا قال ابن كثير: أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا، وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة مسيلها، وحدة جريها
…
وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق، واختار هو أنها تعم ذلك كله، وهو كما قال. أقول: فخمرة الأبرار في الجنة تارة ممزوجة بماء عين الكافور، وتارة ممزوجة بماء عين الزنجبيل،
ثم بين الله عز وجل من يطوف على أهل الجنة بالخدمة فقال:
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ أي: على أهل الجنة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أي: لا يموتون إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لحسنهم وصفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً قال النسفي: وتخصيص المنثور لأنه أزين في النظر من المنظوم، وقال ابن كثير:
(أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم، وثيابهم، وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. قال قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه)، وفسر ابن كثير قوله تعالى:
مُخَلَّدُونَ بقوله: (أي: على حالة واحدة مخلدون عليها لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون في آذانهم الأقرطة فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير). أقول: وهل هؤلاء الغلمان من أبناء الدنيا، أو خلقهم الله ابتداء لخدمة عباده: في الجنة؟ قولان: قال النسفي: غلمان ينشئهم الله لخدمة المؤمنين، أو ولدان الكفرة يجعلهم الله تعالى خدما لأهل الجنة
وَإِذا رَأَيْتَ يا محمد أو أيها المخاطب ثَمَّ أي: هناك يعني: في الجنة نعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور، أي: إذا اكتسبت رؤية الجنة رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً فليس نعيما فقط ولا ملكا فقط، بل نعيم كثير