الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: في غزوة تبوك
676 -
* روى الحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى وعشرين غزوة، وشهدت معه تسع عشرة غزوة، وكان آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبوك.
677 -
* روى الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنهما قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فينشرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره، ويقول:"ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" مرتين.
678 -
* روى البزار عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن العسرة فقال عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويضعه على بطنه، فقال أبو بكر الصديق؛ يا رسول الله، إن الله عودك في الدعاء خيراً، فادع فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أتحب ذلك يا أبا بكر" قال: نعم. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت عن العسكر.
679 -
* روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه قال: أرسلني
676 - المستدرك (3/ 566) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
677 -
الترمذي (5/ 626) 50 - كتاب المناقب - 19 - باب في مناقب عثمان بن عفان، رضي الله عنه. وإسناده حسن.
678 -
كشف الأستار (2/ 354).
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 194): رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار ثقات.
الفرث: هو ما في الكرش من سرجين.
679 -
البخاري (8/ 110). 64 - كتاب المغازي - 78 - باب غزوة تبوك، وهي غزوة العسرة.
ومسلم واللفظ له (3/ 1269) 27 - كتاب الأيمان - 3 - باب ندب من حلف يميناً، فرأى غيرها خيراً منها، أن=
أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال:"والله لا أحملكم على شيء" ووافقته وهو غضبان، ولا أشعر، فرجعت حزيناً من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي، فأخبرتهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالاً ينادي: أي عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"خذ هذين القرينين، وهذين القرينين وهذين القرينين - لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد - فانطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن الله - أو قال: إن رسول الله - يحملكم على هؤلاء، فاركبوهن" قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي بهن، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء، ولكن والله، لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سألته لكم، ومنعه في أول مرة، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك، لا تظنوا أني حدثتكم شيئاً لم يقله، فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعه إياهم، ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء.
قال ابن حجر في الفتح: فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفاً لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور؟ لأنه صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة. وتبوك مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال بين المدينة وبينه أربع عشرة مرحلة.
وكان السبب فيما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين
= يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه.
الحملان: الحمل، حملته على الدابة، أحمله حملاً وحملاناً، وذلك أنه جاء يطلب منه شيئاً يركبون عليه.
القرينين: القرين الجمل يقرن بجمل آخر، فكلاهما قرينان.
يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعاً، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك. وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال:(كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: أن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلاً من عظمائهم يقال له قباذ وجهز معه أربعين ألفاً، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيراً إلى الشام فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال فسمعته يقول: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها" وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حيان نحوه، وذكر أبو سعيد في "شرف المصطفى" والبيهقي في "الدلائل" من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم (أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقاً فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها)(1) الآية، انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرسلاً. أ. هـ.
680 -
* روى أبو داود عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فخرجت إلى أهلي، فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلاً له سهمه، فنادى شيخ من الأنصار، قال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة، وطعامه معنا؟ قلت: نعم، قال: فسر على بركة الله، قال: فخرجت مع خير صاحب، حتى أفاء الله علينا، فأصابني قلائص، فسقتهن حتى أتيته، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات، ثم قال:
(1) الإسراء: 76.
680 -
أبو داود (3/ 55)، كتاب الجهاد، باب في الرجل يكري دابته على النصف أو السهم. بسند حسنه بعضهم.
عقبة: حملت فلاناً عقبة: إذا أركبته وقتاً، وأنزلته وقتاً، فهو يعقب غيره في الركوب، أي يجيء بعده.
قلائص: القلائص: جمع قلوص، وهي الناقة.
سقهن مقبلات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كراماً، قال: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا.
681 -
* روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه" حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". فتلوم أبو ذر رضي الله عنه على بعيره فأبطأ عليه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فجعله على ظهره، فخرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماشياً، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"كن أبا ذر" فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده" فضرب الدهر من ضربته وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت، أوصى امرأته وغلامه إذا مت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك، فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقالوا ما هذا؟ فقيل جنازة أبي ذر فاستهل ابن مسعود رضي الله عنه يبكي، فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه، فلما قدموا المدينة ذكر لعثمان قول عبد الله وما ولي منه.
681 - المستدرك (3/ 50)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: فيه إرسال.
تلوم في الأمر: تمكث.
الربذة: قرية قرب المدينة.
أجنه: ستره ودفنه.
682 -
* روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي؟ ".
وفي رواية مثله (1)، ولم يقل فيه:"غير أنه لا نبي بعدي".
ولمسلم (2): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون منموسى، إلا أنه لا نبي بعدي".
قال ابن المسيب: فأحببت أن أشافه بها سعداً. فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني عامر. فقال: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم. وإلا فاستكتا.
وفي رواية الترمذي مختصراً (3): أنه قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى".
683 -
* روى البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اخرصوها" فخرصناها، وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، وقال:"أحصيها، حتى نرجع إليك إن شاء الله" وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان
682 - البخاري (8/ 112) 64 - كتاب المغازي - 78 - باب غزوة تبوك.
ومسلم واللفظ له (4/ 1870) 44 - كتاب فضائل الصحابة - 4 - باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(1)
مسلم (4/ 1871) 44 - كتاب فضائل الصحابة - 4 - باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(2)
مسلم في نفس الموضع السابق (4/ 1870).
استكتا: أي: صمتا.
(3)
الترمذي (5/ 641) 50 - كتاب المناقب - باب (21).
683 -
البخاري (3/ 343) 24 - كتاب الزكاة - 54 - باب خرص التمر.
ومسلم واللفظ له (4/ 1785) 43 - كتاب الفضائل - 3 - باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.=
له بعير فليشد عقاله" فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى له برداً، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة عن حديقتها: "كم بلغ ثمرها"؟ فقالت: عشرة أوسق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني مسرع، فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث" فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: "هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه" ثم قال:"إن خير دور الأنصار: دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير" فلحقنا سعد بن عبادة، فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير دور الأنصار، فجعلنا آخراً، فأدرك سعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، خيرت دور الأنصار، فجعلتنا آخراً؟ فقال:"أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ ".
684 -
* روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما
= وادي القرى: هو واد بين المدينة والشام وهو بين تيماء وخيبر، من أعمال المدينة، سمي وادي القرى؛ لأن في الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة. لكنها الآن خراب. ومياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد. فتحها النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من فتح خيبر سنة سبع.
اخرصوا: خرص النخل: حزر مقدار ثمرها.
أوسق: هو جمع وسق. قال في النهاية: الوسق: ستون صاعاً، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلاً عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلاً عند أهل العراق. أي ما يعادل 150 كغ عند الشافعية، وما يعادل 225 كغ عند الحنفية.
بجبلي طيء: هما مشهوران. يقال لأحدهما: أجأ. والآخر سلمى. وطيء على وزن سيد، وهو أبو قبيلة.
طابة: اسم المدينة، سماها به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك "طيبة" وهما من الطيب.
فائدة: في الرجل الذي حملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء: إن هذا الرجل أهدته طيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا المدينة.
684 -
البخاري (8/ 125) 64 - كتاب المغازي - 80 - باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر.
ومسلم نحوه (4/ 2285) 53 - كتاب الزهد والرقائق - 1 - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين.
أصابهم، إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير، حتى أجاز الوادي.
وفي أخرى للبخاري (1): أنه قال لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم".
وفي أخرى لمسلم (2): أنه قال لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين .. " ثم ذكر مثله.
685 -
* روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر - أرض ثمود - فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.
وللبخاري (4): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم: أن لا يشربوا من بئارها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء.
686 -
* روى أحمد والبزار عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك، قامي خطب الناس، فقال: "يا أيها الناس! لا تسألوا نبيكم عن الآيات، أو لا تسألوا نبيكم الآيات، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية، فبعث الله تبارك وتعالى لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها،
(1) البخاري (8/ 125) 64 - كتاب المغازي - 80 - باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر.
(2)
مسلم (4/ 2285) 53 - كتاب الزهد والرقائق - 1 - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم: إلا أن تكونوا باكين.
685 -
البخاري (6/ 378) 60 - كتاب الأنبياء - 17 - باب قول الله تعالى [73: الأعراف]: (وإلى ثمود أخاهم شعيباً) وقوله [80: الحجر]: (كذب أصحاب الحجر).
ومسلم واللفظ له (4/ 2286) 53 - كتاب الزهد والرقائق - 1 - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن
(4)
البخاري (6/ 378) 60 - كتاب الأنبياء - 17 - باب قول الله تعالى [73: الأعراف]: (وإلى ثمود أخاهم شعيباً) وقوله [80: الحجر]: (كذب أصحاب الحجر).
686 -
كشف الأستار (2/ 356) ومسند أحمد (1/ 296) نحوه.=
وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقروا الناقة، فقيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، أو قيل لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاثة أيام، ثم جاءتهم الصيحة، فأهلك الله من كان تحت مشارق الأرض ومغاربها منهم إلا رجلاً كان في حرم الله، فمنعه من عذاب الله" قالوا: يا رسول الله! من هو؟ قال: "أبو رغال" قيل: ومن أبو رغال؟ قال: "جد ثقيف".
687 -
* روى الحاكم عن معاذ بن جبل قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، فقال لي:"إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه" قال: قلت: أجل يا رسول الله، قال:"أما رأس الأمر فالإسلام وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد".
688 -
* روى أحمد عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر منادياً، فنادى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوق به عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة. "قد قد" حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل، ورجع عمار فقال:"يا عمار هل عرفت القوم" فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال:"هل تدري ما أرادوا"؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال:"أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوه" قال: فساب عمار رضي الله عنه رجلاً من
= قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 196): رواه الطبراني في الأوسط والبزار وأحمد بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح.
عتوا: عتا عتو وعتيا: استكبرو وجاوز الحد. فهو عات.
فعقروا: أي: نحروا.
687 -
المستدرك (2/ 76)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره زوائد الذهبي.
688 -
أحمد في مسنده (5/ 453). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 195): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
قد قد: حسبي حسبي.
ينفروا برسول الله: أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقع عنها.=
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة فقال: أربعة عشر. فقال: إن كنت فيهم كانوا خمسة عشر، فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. قال الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس، ذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى:"أن لا يرد الماء أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم" فورده رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد رهطاً قد وردوه قبله فلعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ.
689 -
* روى أحمد والبزار عن حذيفة قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم غزوة تبوك فبلغه أن في الماء قلة فأمر منادياً فنادى في الناس: "أن لا يسبقني في الماء أحد" فأتى الماء وقد سبقه قوم فلعنهم.
690 -
* روى الطبراني عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وكنت على خدمته ذلك السفر، فنظرت على نحي السمن قد قل ما فيه، وهيأت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فوضعت النحي في الشمس ونمت، فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت برأسه بيدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورآني:"لو تركته لسال وادياً سمناً".
691 -
* روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب رضي الله
= لا يرد الماء أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليبارك فيه قبل أن ينزحه الناس، وكان من عادته أن يدعو في الشيء القليل فيكثره الله.
689 -
أحمد في مسنده (5/ 391).
البزار نحوه: كشف الأستار (2/ 357).
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 195): رواه أحمد والبزار بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح.
690 -
المعجم الكبير (3/ 160).
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 191).
رواه الطبراني من طريقين، إحداهما في علامات النبوة، ورجالها وثقوا.
النحي: بالكسر: الزق، أو ما كان للسمن خاصة.
691 -
البخاري (8/ 113) 64 - كتاب المغازي - 79 - باب حديث كعب بن مالك، وقول الله عز وجل:[18: التوبة]: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا).=
عنه من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان، قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك (1)
= ومسلم واللفظ له (4/ 2120) 49 - كتاب التوبة - 9 - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.
عير: العير: الإبل والحمير تحمل الميرة والتجارة، ونحو ذلك.
تواثقنا: التواثق: تفاعل من الميثاق، وهو العهد والحلف.
راحلتين: الراحلة: الجمل والناقة القويان على الأسفار والأحمال، والهاء فيه للمبالغة، كداهية، وراوية، وقيل: إنما سميت راحلة، لأنها ترحل، أي: تحمل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كقوله تعالى (في عيشة راضية) [الحاقة: 21] أي: مرضية.
ورى عن الشيء: إذا أخفاه وذكر غيره.
مفازاً: المفاز والمفازة البرية القفر، سميت بذلك تفاؤلاً بالفوز والنجاة، وقيل: بل هو من قولهم: فوز: إذا مات.
فجلا: جلا الشيء: إذا كشفه، أي: أظهر للناس مقصده.
بوجههم: جهتهم التي يستقبلونها ومقصدهم.=
يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئاً. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حت بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك:"ما فعل كعب بن مالك؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه (1)
= أصعر: أميل.
استمر الجد: أي تتابع الاجتهاد في السير.
يتمادى: التمادي: التطاول والتأخر.
تفارط الغزو: تقدم وتباعد: أي. بعد ما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المسافة.
طفقت: مثل جعلت.
أسوة: الأسوة - بكسر الهمزة وضمها -: القدوة.
مغموصاً: المغموص: المعيب المشار إليه بالعيب.
والنظر في عطفيه: يقال: فلان ينظر في عطفيه إذا كان معجباً بنفسه.
يزول به السراب: زال به السراب يزول: إذا ظهر شخصه خيالاً فيه.
لمزه: اللمز: العيب.
قافلاً: القافل: الراجع من سفره إلى وطنه.
بثي: البث: أشد الحزن، كأنه من شدته يبثه صاحبه أي يظهره.
ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت. فلما سلمت تَبَسمَ تَبسُّمَ المغضب ثم قال:"تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي:"ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " قال قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. لقد أعطيت جدلاً، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أني سخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله عز وجل، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". وسار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من هما؟ قالوا، مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا
أظل: الإظلال: الدنو، وأظلك فلان: أي دنا منك، كأنه ألقى عليك ظله.
زاح عني الأمر: زال وذهب.
فأجمعت: أجمعت على الشيء: إذا عزمت على فعله.
المخلفون: جمع مخلف، وهم المتأخرون عن الغزو، خلفهم أصحابهم بعدهم فتخلفوهم.
بضعة: البضع: ما بين الثلاث إلى التسع من العدد.
ووكل سرائرهم: وكلت الشيء إليك: أي رددته إليك، وجعلته إليك. والمراد به: أنه صرف بواطنهم إلى علم الله تعالى.
ظهرك: الظهر هنا: عبارة عما يركب.
ليوشكن: أوشك يوشك: إذا أسرع.
تجد: تجد من الموجدة: الغضب.
يؤنبونني: التأنيب: الملامة والتوبيخ.=
لي رجلين صالحين قد شهداً بدراً فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس - وقال: تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت: فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك عسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي، إذا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله (1)
= فاستكانا: الاستكانة: الخضوع.
تسورت الجدار: إذا ارتفعت فوقه وعلوته.
نبطي: واحد من قوم الأعاجم وهو الفلاح.
الطعام: القمح.
مضيعة: المضيعة: مفعلة من الضياع: الاطراح والهوان، كذا أصله، فلما كانت عين الكلمة ياء، وهي مكسورة، نقلت حركتها إلى الفاء وسكنت الياء، فصارت بوزن معيشة، والتقدير فيهما سواء، لأنهما من ضاع وعاش.
نواسك: المواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق ونحو ذلك.
فتيممت: التيمم: القصد.
استلبث: استفعل، من لبث: إذا أقام وأبطأ.
صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال:"لا، ولكن لا يقربنك" فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا.
قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة ويقولون:
= رحب: الرحب: السعة.
أوفى: على الشيء: إذا أشرف عليه.
سلع: جبل في أرض المدينة.
ركض: الركض: ضرب الراكب الفرس برجليه ليسرع في العدو.
آذن: أعلم.
أتأمم: بمعنى: أتيمم: أي أقصد.
فوجاً: الفوج: الجماعة من الناس.
لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال، وهو يبرق وجهه من السرور ويقول:"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله عز وجل" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك منه، قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال: وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أني حفظني الله تعالى فيما بقي، قال: فأنزل الله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) حتى بلغ: (إنه بهم رؤوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) حتى بلغ: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)(1) قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا؛ إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم
= يبرق: برق وجهه: إذا لمع وظهر عليه أمارات السرور والفرح.
انخلع من مالي: أي أخرج من جميعه، كما يخلع الإنسان قميصه.
ساعة العسرة: سمي جيش تبوك جيش العسرة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى الغزو في شدة الحر، فعسر عليهم، وكان وقت إدراك الثمار.
(1)
التوبة: 117 - 119.
فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) (1).
قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه، فبذلك قال الله تعالى:(وعلى الثلاثة الذين خلفوا) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
وفي رواية (2): ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك، حتى طال علي الأمر وما من شيء أهم إلي من أن أموت، فلا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي علي، فأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم، حين بقي الثلث الآخر من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أم سلمة، تيب على كعب"، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: "إذا يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليلة" حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، آذن بتوبة الله علينا.
وفي رواية (3): أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.
= رجس: الرجس: النجس.
(1)
التوبة: 95 - 96.
إرجاء: الإرجاء: التأخير.
(2)
البخاري (8/ 342) 65 - كتاب التفسير - 18 - باب (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) - إلى قوله - (إن الله هو التواب الرحيم).
يحطمكم الناس: أي يطؤؤنكم ويزدحمون عليكم، وأصل الحكم: الكسر.
(3)
البخاري (6/ 113) 56 - كتاب الجهاد - 103 - باب من أراد غزوة فورى بغيرها، ومن أحب الخروج يوم الخميس.
وفي رواية (1): طرف من هذا الحديث، وفيها زيادة معنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه.
قال محقق الجامع: في هذا الحديث فوائد كثيرة، منها: إباحة الغنيمة لهذه الأمة، إذ قال: يريدون عيراً لقريش، وفضيلة أهل بدر والعقبة، والمبايعة مع الإمام، وجواز الحلف من غير استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف عليه، ورد الغيبة، وهجران أهل البدعة، وأن للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بإمساك الكلام عنه، واستحباب صلاة القادم، ودخوله المسجد أولاً، وتوجه الناس إليه عند قدومه، والحكم بالظاهر وقبول المعاذير، واستحباب البكاء على نفسه، وأن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطلها، وفضيلة الصدق، وأن السلام ورده كلام، وجواز دخول بستان صديقه بغير إذنه، وأن الكتابة لا يقع بها الطلاق ما لم ينوه. وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب، وخدمة المرأة لزوجها، والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه، إذ إن كعباً لم يستأذن في خدمة امرأته لذلك، وجواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى إذا كان لمصلحة، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة واندفاع الكربة، واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة، وسروره بما ينسر أصحابه، والتصدق بشيء عند ارتفاع الحزن، والنهي عن التصدق بكل المال عند خوف عدم الصبر، وإجازة التبشير بخلعة، وتخصيص اليمين بالنية، وجواز العارية ومصافحة القادم، والقيام له، واستحباب سجدة الشكر، والتزام مداومة الخير الذي انتفع به.
فائدة: قال الدكتور السباعي:
وفي غزوة تبوك أو العسرة آيات بينات على ما يفعله الإيمان الصادق في نفوس المؤمنين من إثارة عزائمهم للقتال واندفاع أيديهم في بذل المال ومن استعذابهم الحر والعناء والتعب
(1) مسلم (1/ 496) 6 - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - 12 - باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه.
الشديد في سبيل الله ومرضاته، ولذلك لما تخلف ثلاثة من المؤمنين الصادقين في إيمانهم عن هذه الغزوة من غير عذر، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم، فامتنع أزواجهم وآباؤهم عن مكالمتهم فضلاً عن جمهور المسلمين. وقد ربط بعضهم نفسه بعمد المسجد، واحتبس آخر نفسه في البيت، حتى تاب الله عليهم بعد أن أخذ المسلمون درساً بليغاً فيمن يتخلف عن أداء الواجب لغير عذر، ويؤثر الراحة على التعب، والظل الظليل على حر الشمس وشدتها.
* * *