الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: في تهديم ذي الخلصة
697 -
* روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كان بيت في الجاهلية يقال له؛ ذو الخلصة، والكعبة اليمانية، والكعبة الشامية، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فنفرت في مائة وخمسين راكباً، فكسرناه، وقتلنا من وجدنا عنده، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فدعا لنا ولأحمس.
وفي رواية (2) عن جرير قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت: بلى. فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال:"اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً" قال: فما وقعت عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد، يقال له الكعبة. قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها. قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك. قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك. قال: فكسرها وشهد. ثم بعث جرير رجلاً من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك. فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال فبرك النبي صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
697 - البخاري (8/ 70) 64 - كتاب المغازي - 62 - باب غزوة ذي الخلصة.
ومسلم (4/ 1925) 44 - كتاب فضائل الصحابة - 29 - باب ن فضائل جرير بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه.
(2)
البخاري (8/ 70) 64 - كتاب المغازي - 62 - باب غزوة ذي الخلصة.
ومسلم بعضه (4/ 1925) 44 - كتاب فضائل الصحابة - 29 - باب من فضائل جرير بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه.
ذي الخلصة: الخلصة: قيل: كان اسم صنم لدوس، وكان في ذلك البيت، وقيل ذو الخلصة: هو البيت الذي كان لخثعم باليمن، يحجون إليه تشبيهاً ببيت الله الحرام.
يستقسم بالأزلام: الأزلام: القداح، كانوا يتفاءلون بها عندما يعرض لهم من الحاجات، كالسفر والزواج وغير ذلك، وكان مكتوب عليها: افعل، لا تفعل، فما خرج له منها كان يتبعه: إما أمر وإما نهي، والاستقسام: طلب ما قسم لهم مما هو مغيب عنهم من خير أو شر وصلاح وفساد.
جمل أجرب: شبه ما بها من آثار النار والإحراق بالجمل الأجرب.
قال ابن حجر في الفتح:
وقد وقع ذكر ذي الخلصة في حديث أبي هريرة عند الشيخين في كتاب الفتن مرفوعاً "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة وكان صنماً تعبده دوس في الجالهية. والذي يظهر لي أنه غير المراد في حديث الباب، وإن كان السهيلي يشير إلى اتحادهما؛ لأن دوسا قبيلة أبي هريرة وهم ينتسبون إلى دوس بن عدثان بضم المهملة وبعد الدال الساكنة مثلثة ابن عبد الله بن زهران، ينتهي نسبهم إلى الأزد، فبينهم وبين خثعم تباين في النسب والبلد. وذكر ابن دحية أن ذا الخلصة المراد في حديث أبي هريرة كان عمرو بن لحي قد نصبه أسفل مكة، وكانوا يلبسونه القلائد ويجعلون عليه بيض النعام ويذبحون عنده، وأما الذي لخثعم فكانوا قد بنوا بيتاً يضاهون به الكعبة فظهر الافتراق وقوي التعدد. والله أعلم. قوله (والكعبة اليمانية والكعبة الشامية) كذا فيه، قيل وهو غلط والصواب اليمانية فقط، سموها بذلك مضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شامية فسموا التي بمكة شامية والتي عندهم يمانية تفريقاً بينهما. والذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب وأنها كان يقال لها اليمانية باعتبار كونها باليمن والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام.
وقال تعليقاً على أن من كان مع جرير كانوا مائة وخمسين:
وجدت في "كتاب الصحابة لابن السكن" أنهم كانوا أكثر من ذلك، فذكر عن قيس ابن غربة الأحمسي أنه وفد في خمسمائة، قال: وقدم جرير في قومه وقدم الحجاج بن ذي الأعين في مائتين، قال: وضم إلينا ثلاثمائة من الأنصار وغيرهم، فغزونا بني خثعم. فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير وتكملة المائتين أتباعهم وكأن الرواية التي فيها سبعمائة من كان من رهط جرير وقيس بن غربة لأن الخمسين كانوا من قبيلة واحدة، وغربة بفتح المعجمة والراء المهملة بعدها موحدة ضبطه الأكثر.
وقوله "يستقسم" أي يستخرج غيب ما يريد فعله من خير أو شر، وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى (وأن تستقسموا بالأزلام)(1) وحكى أبو الفرج الأصبهاني أنهم كانوا
(1) المائدة: 3.
يستقسمون عند ذي الخلصة، وأن أمرأ القيس لما خرج يطلب بثأر أبيه استقسم عنده فخرج له ما يكره، فسب الصنم ورماه بالحجارة وأنشد:
لو كنت يا ذا الخلص الموتورا
…
لم تنه عن قتل العداة زورا
قال: فلم يستقسم عنده أحد بعد حتى جاء الإسلام. قلت: وحديث الباب يدل على أنهم استمروا يستقسمون عنده حتى نهاهم الإسلام، وكأن الذي استقسم عنده بعد ذلك لم يبلغه التحريم أو لم يكن أسلم حتى زجره جرير.
وقوله (ألا تريحني) هو بتخفيف اللام طلب يتضمن الأمر، وخص جريراً بذلك لأنها كانت في بلاد قومه وكان هو من أشرافهم، والمراد بالراحة راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب النبي صلى الله عليه وسلم من بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى. وروى الحاكم في "الإكليل" من حديث البراء بن عازب قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مائة رجل من بني بجيلة وبني قشير مع جرير بن عبد الله، فسأله عن بني خثعم فاخبره أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثمائة من الأنصار، وأمره أن يسير إلى خثعم، فيدعوهم ثلاثة أيام. فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم وهدم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وضع فيهم السيف.
قوله (فدعا لنا ولأحمس) بمهملة وزن أحمر وهم إخوة بجيلة بفتح الموحدة وكسر الجيم رهط جرير، ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وبجيلة امرأة نسبت إليها القبيلة المشهورة، ومدار نسبهم أيضاً على أنمار. وفي العرب قبيلة أخرى يقال لها: أحمس ليست مرادة هنا ينتسبون إلى أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار. ووقع في الرواية التي بعد هذه "فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات" أي دعا لهم بالبركة. ووقع عند الإسماعيلي من رواية ابن شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد "فدعا لأحمس بالبركة".
وفي الحديث: مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس من بناء وغيره سواء كان إنساناً أو حيواناً أو جماداً، وفيه اسمتالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم، والاستمالة بالدعاء والثناء والبشارة في الفتوح، وفضل ركوب الخيل في الحرب، وقبول خبر الواحد، والمبالغة في
نكاية العدو، ومناقب لجرير ولقومه، وبركة يد النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه، وأنه كان يدعو وتراً وقد يجاوز الثلاث. وفيه تخصيص لعموم قول أنس (كان إذا دعا دعا ثلاثاً) فيحمل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك، وهو ظاهر في أحمس لما اعتمدوه من دحض الكفر ونصر الإسلام ولاسيما مع القوم الذين هم منهم.
* * *