الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: في قتل كعب بن الأشرف في ربيع الأول من السنة الثالثة
قال ابن حجر: قال ابن إسحاق وغيره: كان عربياً من بني نبهان وهم بطن من طيء، وكان أبوه أصاب دماً في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعباً، وكان طويلاً جسيماً ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن أبي وداعة السهمي والد المطلب. فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه (إن كعب بن الأشرف كان شاعراً، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر. فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً ليقتلوه. وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع الأول من السنة الثالثة. أ. هـ.
358 -
* روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: ائذن لي فلأقل، قال:"قل"، قال: فأتاه، فقال له، وذكر ما بينهما، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضاً والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه، حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره؟ قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد، قال: ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم؟ قال: يسب ابن أحدنا، فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن
358 - مسلم (3/ 1425) - 32 - كتاب الجهاد والسير - 42 - باب: قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود. وَسْقاً: الوسْق مفتوح الواو: ستون صاعاً.
نرهنك اللأمة - يعني: السلاح - قال: فنعم، وواعده أن يأتيه بالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر، قال: فجاؤوا، فدعوه ليلاً، فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمرو، قالت له امرأته: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلاً لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل، نزل وهو متوشح، فقالوا: نجد منك ريح الطيب؟ قال: نعم، تحتي فلانة، هي أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم، فشم، فتناول فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال فاستمكن من رأسه، ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه.
359 -
* وروى البخاري نحوه، وفيه: قد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين وحدثنا عمرو بن دينار غير مرة، فلم يذكر وسقاً أو وسقين، فقلت له: فيه وسقاً أو وسقين؟ فقال: أرى فيه وسقاً أو وسقين. وفيه: فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، وفيه فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلاً، ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، وفيه: ولو وجداني نائماً ما أنبهاني، وقال، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بالليل لأجاب. وفيه: قال لهما: إذا ما جاء، فإني قائل بشعره، فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه - وقال مرة: أشم ثم أشمكم - فنزل إليهم متوشحا، وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحاً - أي أطيب - قال كعب: وكيف لا؟ وعندي أعطر نساء العرب، وأجمل العرب، وقال في آخره: ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه. وفيه: فجاء محمد بن مسلمة معه برجلين. قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر.
= اللامة: مخففة: الدرع، وجمعها لأم، وقيل: هي آلة الحرب.
متوشح: التوشح بالرداء: هو أن تجعله كالوشاح، وهو شيء مضفور من سيور مرصع، تجعله المرأة على خصرها، فإذا جعل الرداء في ذلك الموضع كان متوشحاً به.
359 -
البخاري (7/ 336)، 64 - كتاب المغازي - 15 - باب: قتل كعب بن الأشرف.
نفح: الطيب: إذا فاحت رائحته، وكذلك نضح طيباً، أي: فاح، وأصله من العرق، أي: عرق ففاحت ريحه.
قال صاحب الرحيق المختوم: كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حنقاً على الإسلام والمسلمين، وإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وتظاهراً بالدعوة إلى حربه.
كان من قبيلة طيء - من بني نبهان - وأمه من بني النضير، وكان غنياً مترفاً معروفاً بجماله في العرب، شاعراً من شعرائها. وكان حصنه في شرق جنوب المدينة في خلفيات ديار بني النضير.
ولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدر قال: أحق هذا؟ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ويمدح عدوهم، ويحرضهم عليهم، ولم يرضى بهذا القدر حتى ركب إلى قريش فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم، ويذكي حقدهم على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ فقال: أنتم أهدى منهم سبيلاً، وأفضل، وفي ذلك أنزل الله تعالى:
ثم رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بسلاطة لسانه أشد الإيذاء.
وحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله، ورسوله"، فانتدب له محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة - واسمه سلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاعة - والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، وكان قائد هذه المفرزة محمد ابن مسلمة. اهـ.
(1) النساء: 51.
قال صاحب الفتح: قوله (آذى الله ورسوله) في رواية محمد بن محمود بن محمد بن مسلمة عن جابر عند الحاكم في الإكليل "فقد آذاناه بشعره وقوى المشركين" وأخرج ابن عائذ من طريق الكلبي أن كعب بن الأشرف قدم على مشركي قريش فخالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين، ومن طريق أبي الأسود عن عروة (أنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ويحرض قريشاً عليهم، وأنه لما قدم على قريش قالوا له: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لنا بابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا" اهـ.
أقول: هذه هي الأسباب التي أدت للحكم عليه بالقتل، وعلى كل الأحوال فهو: إما محارب فدمه هدر وإما معاهد فقد نقض بهذا عهده.
قال في الفتح: قوله: (فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله)؟ في مرسل عكرمة (فقال محمد بن مسلمة هو خالي). قوله: (قال نعم) في رواية محمد بن محمود (فقال أنت له) وفي رواية ابن إسحاق (قال فافعل إن قدرت على ذلك) وفي رواية عروة (فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال محمد بن مسلمة: أقر صامتاً) ومثله عند سمويه في فوائده، فإن ثبت احتمل أن يكون سكت أولاً ثم أذن له، فإن في رواية عروة أيضاً أنه قال له:(إن كنت فاعلاً فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، قال فشاوره فقال له: توجه إليه وإشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاماً) قوله (فائذن لي أن أقول شيئاً، قال: قل) كأنه استأذنه أن يفتعل شيئاً يحتال به، ومن ثم بوب عليه المصنف:(الكذب في الحرب) وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه، ولفظه (فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة) وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم فقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم). قوله:(إن هذا الرجل) يعني النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: (قد سألنا صدقة) في رواية الواقدي (سألنا الصدقة، ونحن لا نجد ما نأكل) وفي مرسل عكرمة (فقالوا: يا أبا سعيد، إن نبينا أراد منا الصدقة، وليس لنا مال نصدقه). قوله: (قد عنانا) بالمهملة وتشديد النون الأولى من العناء وهو التعب. قوله: (قال وأيضاً) أي وزيادة على ذلك، وقد فسره بعد ذلك
قوله: (والله لتملنه) بفتح المثناة والميم وتشديد اللام والنون من الملال، وعند الواقدي (إن كعباً قال لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه، قال: سررتني). قوله: (وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين، وحدثنا عمرو غير مرة فلم يذكر وسقاً أو سقين) قائل ذلك على بن المديني، ولم يقع ذلك في رواية الحميدي، ووقع في رواية عروة (وأحب أن تسلفنا طعاماً. قال: أين طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه. قال: ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل). (تنبيه): وقع في هذا الرواية الصحيحة أن الذي خاطب كعباً بذلك هو محمد ابن مسلمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنه أبو نائلة، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، ويحتمل أن يكون كل منهما كلمه في ذلك، لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته. وفي مرسل عكرمة في الكل بصيغة الجمع (قالوا)، وفي مرسل عكرمة (وائذن لنا أن نصيب منك فيطمئن إلينا، قال: قولوا ما شئتم) وعنده (أما مالي فليس عندي اليوم، ولكن عندي التمر) وذكر ابن عائذ أن سعد بن معاذ بعث محمداً ابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ. قوله: (أرهنوني) أي ادفعوا لي شيئاً يكون رهناً على التمر الذي تريدونه. قوله: (وأنت أجمل العرب) لعلهم قالوا له ذلك تهكماً، وإن كان هو في نفسه كان جميلاً. زاد ابن سعد من مرسل عكرمة (ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك) وفي المرسل الآخر الذي أشرت إليه (وأنت رجل حسان تعجب النساء) وحسان بضم الحاء وتشديد السين المهملتين.
قوله (دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه) في رواية عروة (وضربه محمد بن مسلمة فقتله وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بجرف بعاث تخلف الحارث ونزف، فلما افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوه، ثم أقبلوا سراعاً حتى دخلوا المدينة) وفي رواية الواقدي (إن النبي صلى الله عليه وسلم تفل على جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه). وفي مرسل عكرمة (فبزق فيها ثم ألصقها فالتحمت) وفي رواية ابن الكلبي (فضربوه حتى برد، وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففاتوهم) وفي رواية ابن سعد (أن محمد بن مسلمة لما أخذ بقرون شعره قال لأصحابه:
اقتلوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه فلم تغن شيئاً. قال محمد: فذكرت مغولاً (1) كان في سيفي فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فغططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين). قوله: (فأخبروه) في رواية عروة (فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله تعالى) وفي رواية ابن سعد (فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، وفي مرسل عكرمة (فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين) زاد ابن سعد (فخافوا فلم ينطقوا). قال السهيلي: في قصة كعب بن الأشرف قتل المعاهد إذا سب الشارع، خلافاً لأبي حنيفة. قلت: وفيه نظر، وصنيع المصنف في الجهاد يعطي أن كعباً كان محارباً حيث ترجم لهذا الحديث "الفتك بأهل الحرب" وترجم له أيضاً "الكذب في الحرب" وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته، وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته اهـ.
360 -
*روى أبو داود عن كعب بن مالك رضي الله عنه وكان كعب بن الأشرف، يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرِّض عليه كفار قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمر الله عز وجل نبيه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً)(3) فأبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن
(1) مغولاً: شبه خنجر أو السكين التي تكون في السوط.
360 -
أبو داود (3/ 154)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة، ورجاله ثقات.
طرق: طرقت الرجل: إذا أتيته ليلاً.
(2)
آل عمران، الآية (186).