المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هزيمة الله عز وجل للأحزاب: - الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية - جـ ٢

[سعيد حوى]

فهرس الكتاب

- ‌السنة الثالثة للهجرة

- ‌هذه السنة في سطور

- ‌غزوة ذي أمر (بِنَجْدٍ)

- ‌غزوة بَحران

- ‌سرية زيد بن حارثة (إلى القردة)

- ‌فصل: في قتل كعب بن الأشرف في ربيع الأول من السنة الثالثة

- ‌دروس من قتل كعب بن الأشرف

- ‌فصل: في غزوة أحد

- ‌عرض عام

- ‌موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق:

- ‌تبدد المسلمين في الموقف:

- ‌احتدام القتال حول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌تضاعف ضغط المشركين:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم يواصل المعركة وينقذ الموقف:

- ‌آخر هجوم قام به المشركون:

- ‌التثبت من موقف المشركين:

- ‌1 - بين يدي الالتحام

- ‌2 - الالتحام

- ‌3 - بعد المعركة

- ‌تعليق:

- ‌4 - عبر أحد وبعض دروسها

- ‌5 - فقهيات

- ‌فصل: في غزة حمراء الأسد

- ‌هوامش على غزوة أحد

- ‌تقدير الموقف في نهاية السنة الثالثة

- ‌السنة الرابعة للهجرة

- ‌السنة الرابعة في سطور

- ‌فصل: في سرية أبي سلمة لبني أسد

- ‌فصل: في سرية عبد الله بن أنيس لخالد بن سفيان الهذلي

- ‌فوائد:

- ‌فصل: في بعث الرجيع

- ‌فوائد:

- ‌فصل: في مأساة بئر معونة

- ‌فصل: في إجلاء بني النضير

- ‌تعليقات على حادثة النضير:

- ‌فصل: في غزوتي الرد

- ‌1 - غزوة بني لحيان:

- ‌2 - غزوة ذات الرقاع:

- ‌تعليقات:

- ‌فصل: في غزوة بدر الآخرة

- ‌دروس بدر الآخرة:

- ‌فوائد عامةمن أحداث السنة الرابعة

- ‌تقويم الموقف في نهاية السنة الرابعة

- ‌السنة الخامسة للهجرة

- ‌السنة الخامسة في سطور

- ‌فصل: في غزوة دومة الجندل

- ‌فصل: في غزوتي الأحزاب وقريظة

- ‌1 - من تحقيقات كتاب السير:

- ‌2 - روايات في غزوة الأحزاب:

- ‌فوائد:

- ‌روايات في يوم الخندق

- ‌فقه هذه الروايات:

- ‌هزيمة الله عز وجل للأحزاب:

- ‌فوائد من غزوتي الأحزاب وقريظة

- ‌فصل: في قتل أبي رافع

- ‌فصل: في زواجه عليه الصلاة والسلام بزينب بنت جحش

- ‌جوانب من كمال شخصيته عليه السلام:

- ‌فوائد عامة من أحداث السنة الخامسة

- ‌تقويم الموقف في نهاية السنة الخامسة

- ‌السنة السادسة للهجرة

- ‌أحدث السنة السادسة في سطور

- ‌أهم أحداث هذه السنة في سطور

- ‌فصل: في غزوة نجد وإسلام ثمامة بن أثال

- ‌فصل: في غزوة المريسيع

- ‌1 - وفي هذه الغزوة حدثت حادثة الإفك:

- ‌فوائد من حديث الإفك

- ‌تحقيق حول وجود سعد بن معاذ في قصة الإفك:

- ‌2 - وفي هذه الغزوة قامت فتنة بين المهاجرين والأنصار:

- ‌فصل: في غزوة فزارة

- ‌فصل: في سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين

- ‌فصل: في صلح الحديبية

- ‌1 - النصوص:

- ‌2 - في الصلح: بنوده وحكمه:

- ‌3 - فقهيات

- ‌تعليقات على قصة الحديبية:

- ‌وصلهجوم عبد الرحمن الفزاري على المدينة المنورة

- ‌فصل في: مكاتبته عليه الصلاة والسلام الملوك والأمراء

- ‌فوائد عامة من أحداث السنة السادسة

- ‌تقويم الموقف في نهاية السنة السادسة

- ‌السنة السابعة للهجرة

- ‌أهم أحداث هذه السنة في سطور

- ‌لنلق قبل البدء نظرة كلية على أحداث هذه السنة:

- ‌فصل: في سرية أبان بن سعيد إلى خيبر

- ‌فصل: في غزوة خيبر ووادي القرى

- ‌تقديم:

- ‌فقهيات

- ‌وصل: قصة الحجاج بن علاط

- ‌فصل: في غزوة الرقاع

- ‌فصل: في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح

- ‌سرية غالب الليثي إلى الحرقات من جهينةوهي معروفة ببعث أسامة بن زيد:

- ‌فصل: في عمرة القضاء

- ‌تعليقات على عمرة القضاء:

- ‌نظرة على أحداث السنة السابعة

- ‌السنة الثامنة للهجرة

- ‌أحداث السنة الثامنة في سطور

- ‌فصل: في إسلام خالد وعمرو وعثمان بن طلحة

- ‌فصل: في سرية شجاع بن وهب

- ‌فصل: في غزوة مؤتة من أرض الشام

- ‌فصل: في غزوة ذات السلاسل

- ‌فصل: في فتح مكة

- ‌تقديم:

- ‌دروس من فتح مكة

- ‌فصل: في سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة

- ‌تعليق:

- ‌فصل: في غزوة حنين

- ‌فصل: في غزوة أوطاس

- ‌فصل: في غزوة الطائف

- ‌فصل: في إسلام كعب بن زهير

- ‌فوائد عامة من أحداث السنة الثامنة

- ‌السنة التاسعة للهجرة

- ‌أحداث السنة التاسعة في سطور

- ‌من أهم أحداث السنة التاسعة

- ‌فصل: في غزوة تبوك

- ‌فصل: في أسر أكيدر دومة الجندل

- ‌فصل: في الحج سنة تسع

- ‌فصل: في تهديم ذي الخلصة

- ‌تقويم الموقف في نهاية السنة التاسعة

- ‌السنتان العاشرة والحادية عشرة

- ‌أحداث هاتين السنتين في سطور

- ‌ سنة عشر:

- ‌ سنة إحدى عشرة:

- ‌فصل: في نماذج من البعوث

- ‌1 - بعث خالد وعلي إلى اليمن قبل حجة الوداع:

- ‌2 - بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن:

- ‌3 - بعث أبي عبيدة إلى اليمن:

- ‌فصل: في نماذج من الوفود

- ‌1 - وفد بني تميم:

- ‌2 - قدوم الأشعريين وأهل اليمن:

- ‌3 - وفد عبد القيس:

- ‌4 - وفد طيء:

- ‌5 - وفد بني حنيفة:

- ‌فائدة:

- ‌فصل: في حجة الوداع

- ‌فصل: في وفاته عليه الصلاة والسلام

- ‌تعليق:

- ‌نظرة عامة على أحداث السنتين العاشرة والحادية عشرة

الفصل: ‌هزيمة الله عز وجل للأحزاب:

إلا هذا؟ على أنه لا مانع أن يفوض المسلمون من شاؤوا في أمر أو حكم فضلاً عن أن يفوضوا أميرهم، وفي حادثة حكم سعد في بني قريظة مأنس لمن يرى ذلك.

(3)

قوله عليه الصلاة والسلام في تعليل مفاوضته لغطفان على ثلث ثمار المدينة (إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة) دليل لما ذكر من قبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستهدف في عمله السياسي ألا يجتمع الأعداء عليه صفاً واحداً وموقفه ههنا دليل على أن هذا كان هدفاً له، وهذا يصل بنا إلى عدد من الأمور:

1 -

أن تحاول الحركة الإسلامية التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.

2 -

أن محاولة التحالفات مع بعض الأطراف لا حرج منها، فالهدف الاستراتيجي حيد من تستطيع تحييده، اجعل في جانبك من تستطيع كسبه، فتش عن المتعاطفين معك مهما كانت الأسباب، واجعل ثقتك في هذا بالله أولاً واحكم التوكل عليه، ولا تنس الفتوى والشورى والمصلحة الآنية والمستقبلية للإسلام والمسلمين.

* * *

‌هزيمة الله عز وجل للأحزاب:

462 -

* روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: "نعم: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". قال فضرب الله عز وجل وجوه أعدائه بالريح.

463 -

* روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم

462 - أحمد في مسنده (3/ 3).

463 -

البخاري (6/ 106) 56 - كتاب الجهاد - 98 - باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة.

ومسلم (3/ 1363) 32 - كتاب الجهاد والسير - 7 - باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.

ص: 687

وزلزلهم" وفي (1) رواية: "اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم".

464 -

* روى البزار عن حذيفة أن الناس تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جاثم من النوم، فقال:"يا ابن اليمان! قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب. فانظر إلى حالهم" قلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما قمت إليك إلا حياء من البرد. قال: "انطلق يا ابن اليمان، فلا بأس عليك من برد ولا حر، حتى ترجع إلي" فانطلقت حتى آتي عسكرهم. فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، وقد تفرق الأحزاب عنه، فجئت حتى أجلس فيهم، فأحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم من غيرهم، فقال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، قال: فضربت بيدي على الذي عن يميني فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده. فلبثت فيهم هنيهة، ثم قمت، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي، فأومأ إلي أن أدنو. فدنوت حتى أرسل علي من الثوب الذي كان عليه ليدفئني، فلما فرغ من صلاته قال:"يا ابن اليمان! اقعد، ما خبر الناس؟ " قلت: يا رسول الله! تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلا في عصبة يوقد النار، وقد صب الله عليهم من البرد مثل الذي صب علينا، ولكنا نرجو من الله ما لا يرجون.

465 -

* روى الطبراني عن ابن عمر قال: بعثني خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته وهو بالخندق فأذن لي، وقال: "من لقيت، فقل لهم إن

(1) البخاري (6/ 120) 56 - كتاب الجهاد - 112 - باب كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس.

464 -

البزار: كشف الأستار (2/ 335)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الخندق.

وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 136)، وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.

جاثم: من النوم: جثم: لزم مكانه.

إلا حياء من البرد: أي: إلا حياء منك بسبب شدة البرد.

465 -

أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 135)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح. فاستأذنته: أي في الرجوع إلى بيتي من شدة البرد.

ص: 688

رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا" وكان ذلك في برد شديد فخرجت ولقيت الناس فقلت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا، قال، فلا والله ما عطف علي منهم اثنان أو واحد.

الظاهر أن الناس لم يلتفتوا لكلمة ابن عمر لصغره؛ ولأن الإذن كان قد حصل مباشرة قبل ذلك، والبرد شديد.

466 -

* روى مسلم عن يزيد بن شريك رحمه الله قال: كنا عند حذيفة، فقال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاتلت معه وأبليت، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، ثم قال:"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد ثم قال:"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، فقال:"قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم" فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال:"اذهب، فائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي"، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت،

= عطف: رجع وانصرف.

466 -

مسلم (3/ 1414) 32 - كتاب الجهاد والسير - 36 - باب غزوة الأحزاب.

لا تذعرهم: أي: لا تفزعهم ولا تحركهم علي.

يصلي ظهره: صليت اللحم أصليه صليا: إذا شويته، وصليت الرجل ناراً: إذا أدخلته فيه، فجعلته يصلاها، والمراد به هاهنا: إدفاء ظهره بالنار.

كبد القوس: وسطها.

قررت: أقر: أي أصابني القر، وهو البرد.

ص: 689

فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت علي يصلي فيها. فلم أزل نائماً حتى أصبحت، فلما أصبحت قال:"قم يا نومان".

467 -

* روى البخاري عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: - حين أجلى الأحزاب عنه - "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم".

قال الحافظ في "الفتح": وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه صلى الله عليه وسلم اعتمر في السنة المقبلة، فصدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم.

وروي (1) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب، وقد جمعوا له جموعاً كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ولا يغزوكم بعدها أبداً، ولكن تغزوهم".

468 -

* روى الطبراني عن ابن شهاب قال: استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ بن أوس بن عبد عمرو. ومن الأنصار ثم من بني سلمة: ثعلبة بن غنمة.

قال ابن كثير في البداية والنهاية:

قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بني عبد الأشهل، وهم: سعد بن معاذ وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل. والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشيمان السلميان وكعب بن زيد النجاري أصابه سهم غرب فقتله قال: وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق بفرسه فتورط فقتل هناك وطلبوا جسده بثمن كبير وعمرو بن عبد ود العامري قتله علي بن أبي طالب

= يا نومان: النومان: كثير النوم، قال الجوهري: وهو مختص بالنداء.

467 -

البخاري (7/ 405) 64 - كتاب المغازي - 29 - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب.

(1)

البزار: كشف الأستار (3/ 336) كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الخندق.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 139) رواه البزار، ورجاله ثقات.

468 -

أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 143)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

ص: 690

قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال: قتل علي يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو. قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد ود ويقال: عمرو بن عبد أهـ.

469 -

* روى أحمد عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي - يعني حس الأرض - قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة قالت: فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:

لبث قليلاً يدرك الهيجا جمل

ما أحسن الموت إذا حان الأجل

قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة له يعني مغفراً، فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها، قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر ويحك، إنك قد أكثرت منذ اليوم: وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله عز وجل، قالت ويرمي سعداً رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله عز وجل

469 - أحمد في مسنده (6/ 141). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 136): رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات.

- وأورده الحافظ ابن الكثير في تاريخه (4/ 214) ثم قال: وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة. وفيه التصريح بدعاء سعد مرتين مرة قبل حكمه في بني قريظة ومرة بعد ذلك كما قلنا أولاً ولله الحمد والمنة.

المجنة: بكسر الميم وفتح الجيم، هو الترس؛ لأنه يواري حامله أي يستره والميم زائدة.

المغفر: بوزن المنبر، هو ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد ونحوه.

السبغة: شيء من حلق الدروع، والزرد يعلق بالمغفر دائراً معه يستر الرقبة وجيب الدرع.

التحوز: المراد بالتحوز: الإشارة إلى قوله تعالى: (أو متحيزاً إلى فئة).

الأكحل: عرق في وسط الذراع في كل عضو منه شعبة.

ص: 691

سعد فقال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت فرقأ كلمه وبعث الله عز وجل الريح على المشركين فكفى الله عز وجل المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فوضع السلاح، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد، قالت: فجاءه جبريل عليه السلام وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أقد وضعت السلاح؟ والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر على بني غنم وهم جيران المسجد حوله، فقال:"من مر بكم؟ " فقالوا: مر بنا دحية الكلبي. وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل عليه السلام، فقالت: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم واشتد البلاد قيل لهم. انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "انزلوا على حكم سعد بن معاذ" فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، قالت: وإنه لا يرجع إليهم شيئاً ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنى لي أن لا أبالي في الله لومة لائم، قال: قال أبو سعيد: فلما طلع على (1)

= رقأ: الدمع والدم: جف وسكن وانقطع.

كلمة: بفتح الكاف وسكون اللام، أصل الكلم: الجرح، والكليم: الجريح.

صياصيهم: أي حصونهم، جمع صيصية، وكل شيء امتنع به وتحصن به فهو صيصية.

أدم: الأدم: الجلود.

ثناياه: الثنايا: الأسنان المتقدمة.

النقع: هو الغبار كما فسره الراوي، والمعنى أن أثر غبار الحرب باق عليه.

الإكاف: هو ما يشد على ظهره الحمار، كالرجل للبعير والسرج للفرس.

أنى: معناه: آن لي أن لا أبالي، بمعنى آن، قال في النهاية: هل أنى الرحيل؟ أي: حان وقته، تقول: أنى يأنى، وفي رواية هل آن؟.

ص: 692

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقال عمر: سيدنا الله عز وجل، قال: أنزلوه فأنزلوه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احكم فيهم" قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. وقال يزيد ببغداد: ويقسم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل وحكم رسوله" قالت: ثم دعا سعد قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت: فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله عز وجل (رحماء بينهم) قال علقمة قلت: أي أمة فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.

قال في فتح الباري:

واختلف في عدة مقاتلي بني قريظة: فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة، كانوا سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة. وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعاً، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل إنهم كانوا تسعمائة.

وفي قصة بني قريظة من الفوائد وخبر سعد بن معاذ جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت. وفيها تحكيم الأفضل من هو مفضول. وفيها جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي خلافية في أصول الفقه. والمختار الجواز سواء كان بحضور النبي (1)

= قال يزيد ببغداد: معناه أن شيخ الإمام أحمد حدثه مرة أخرى ببغداد بلفظ (ويقسم) بالياء والتحتية بدل التاء الفوقية.

الخرص: بضم الخاء المعجمة وسكون الراء: الحلقة الصغيرة من الحلي، وهو حلي الأذن، أنه لم يبق من جرح سعد إلا مثل حلقة الخرص من قلة ما بقي منه.

ص: 693

صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعياً، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته صلى الله عليه وسلم كما في هذه القصة وقصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قتيل أبي قتادة كما سيأتي في غزوة حنين وغير ذلك.

ومن فوائد هذه القصة ما ذكره البوطي: القيام إكراماً للقادم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار حينما أقبل نحوهم سعد بن معاذ راكباً دابته أن يقوموا إليه تكريماً له، ودل على هذا التعليل قوله: لسيدكم أو خيركم، وقد استدل عامة العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين والعلماء بالقيام إليهم في المناسبات الداعية إلى ذلك عرفاً.

يقول الإمام النووي تعليقاً على هذا الحديث: فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياماً طول جلوسه. قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح.

ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضاً على ذلك، ما جاء في حديث كعب بن مالك المتفق عليه، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك، قال: فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام غلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة -.

ومن ذلك أيضاً ما رواه الترمذي وأبو داود (1) والبخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآها أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها، ثم

(1) الترمذي (5/ 700)، 50 - كتاب المناقب - 61 - باب فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم.

- وأبو داود (4/ 355)، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام.

ص: 694

أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي صلى الله عليه وسلم رحبت به ثم قامت غليه فقبلته.

واعلم أن هذا كله لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار" لأن مشروعية إكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعي السعي منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته، بل إن من أبرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهاداً في طلب هذا الشيء. أرأيت إلى الفقير المحتاج؟ إن الأدب الإسلامي يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاقة والحاجة للناس، ولكن هذا الأدب الإسلامي نفسه يوصي الأغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم وإعطائهم من فضول أموالهم. أهـ.

470 -

* روى الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله - أو أبجله - فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه فحكم: أن يقتل رجالهم، ويستحيا نساؤهم، يستعين بهن المسلمون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أصبت حكم الله فيهم". وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه، فمات.

471 -

* روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: حاربت

470 - الترمذي (4/ 144)، 22 - كتاب السير - 29 - باب ما جاء في النزول على الحكم، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

أبجله: الأبجل: عرق، وهو من الفرس والبعير بمنزلة الأكحل من الإنسان.

فحسمه: الحسم: الكي لينقطع الدم.

تستحيا: الاستحياء: الإبقاء، وهو استفعال من الحياة.

471 -

البخاري (7/ 329) - 64 - كتاب المغازي - 14 - حديث بني النضير.

ومسلم نحوه (3/ 1387)، 32 - كتاب الجهاد والسير - 20 - باب إجلاء اليهود من الحجاز.

ص: 695

قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم، لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.

472 -

* روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم، موكب جبريل، حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة.

473 -

* روى الطبراني عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الأحزاب نزع لمته واغتسل واستجمر، زاد دحيم في حديثه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتبدا لي جبريل عليه السلام، فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد" فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعاً، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فلبس السلاح وخرجوا، فلم يأتوا بني قريظة حتى غابت الشمس، فاختصم الناس في غزوتها في صلاة العصر، فقال بعضهم: قد عزم علينا أن لا نصلي العصر حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس علينا إثم، فصلت طائفة منهم العصر إيماناً واحتساباً، وطائفة أخرى لم تصل حتى أتوا بني قريظة بعد ما غابت الشمس فصلوها إيماناً واحتساباً، فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين.

وروي (1) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأ؛ زاب: "لا

472 - البخاري (7/ 407)، 64 - كتاب المغازي - 30 - باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، ومحاصرته إياهم.

ساطعا: أي: مرتفعاً.

473 -

المعجم الكبير (16/ 80) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 140): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة.

استجمر: تبخر بعود الطيب.

عذيرك: المراد: من يعذرك كمحارب إذا وضعت السلاح.

عزمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي: في طاعته التي عزم علينا بها.

(1)

البخاري (7/ 407) 64 - كتاب المغازي - 30 - باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب.

ص: 696

يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم.

قال في الفتح:

قوله (لا يصلين أحد العصر) كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم "الظهر" مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلماً أبو يعلى وآخرون.

وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلها فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة فقيل للطائفة الأولى الظهر، وقيل للطائفة التي بعدها العصر، وكلاهما جمع لا بأس به.

قال السهيلي وغيره: في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه.

وفيه: أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب. قال السهيلي: ولا يستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان وخطأ في حق غيره، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، قال: والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان قال: فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل فهو مصيب انتهى. والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد، وخالف الجاحظ والعنبري. وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضاً: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره، ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب وأن حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده، وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد. ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه.

ص: 697

وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحاً للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلوا العصر بعد ما غربت الشمس وذلك لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا أن يكون ذلك عاماً في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولاسيما والزمان زمان التشريع، والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة، وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعنف أحداً من الطائفتين، فلو كان هناك من إثم لعنف من أثم، أهـ.

474 -

* روى أبو داود والترمذي عن عطية القرظي رضي الله عنه قال: عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت، فخلي سبيلي.

وللنسائي (1) قال: كنت يوم حكم سعد في بني قريظة غلاماً، فشكوا في، فلم يجدوني أنبت، فاستبقيت، فها أنا ذا بين أظهركم.

(أنبت) أراد بالإنبات: نبات شعر العانة، فجعله علامة على البلوغ، وليس ذلك حداً إلا في أهل الشرك عند الأكثرين، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: الإنبات حد يقام به الحد على من أنبت، ويحكى مثل ذلك عن مالك رحمه الله، فأما من جعله مخصوصاً بأهل الشرك فيشبه أن يكون أن أهل الشرك لا يوقف على بلوغهم من جهة السن، ولا يمكن الرجوع إلى قولهم لأنهم متهمون في ذلك لدفع القتل عنهم، وأداء الجزية، وغير ذلك من الأحكام، بخلاف المسلمين، فإنهم يمكن أن تعرف أوقات بلوغهم وولادتهم.

474 - أبو داود (4/ 141)، كتاب الحدود، باب الغلام يصيب الحد.

والترمذي واللفظ له (4/ 145)، 22 - كتاب السير - 29 - باب ما جاء في النزول على الحكم.

وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.

(1)

النسائي: (6/ 155) كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي.

ص: 698