الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً)(1).
والجمع بين الروايات القائلة بتأخير العصر وحدها والروايات القائلة بتأخير الظهر والعصر والمغرب، أن هذا كان في يوم، وهذا كان في يوم، على رأي النووي رحمه الله.
فقه هذه الروايات:
وفي فقه هذه الروايات يقول ابن كثير في البداية والنهاية:
وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث وقد حررنا ذلك نقلاً واستدلالاً عند قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)(2)، وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله صلى الله عليه وسلم يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة - كما سيأتي - "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"(3) وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف واحداً من الفريقين، واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر حين صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن.
وقال الدكتور البوطي: لقد فاتت النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر كما قد رأيت في هذه الموقعة،
(1) البقرة: 239.
(2)
البقرة: 238.
(3)
أخرجه البخاري (7/ 407)، 64 - كتاب المغازي - 30 - باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب.
ومسلم (3/ 1391) 22 - كتاب الجهاد والسير - 23 باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين. ولكن بلفظ: "أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة
…
".
لشدة انشغاله، حتى صلاها قضاء بعد ما غربت الشمس، وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته، أكثر من صلاة واحدة، صلاها تباعاً بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها.
وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة. ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزاً إذ ذاك ثم نسخ حينما شرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالاً وركباناً عند التحام القتال بينهم وبين المشركين، إذ النسخ - على فرض صحته - ليس وارداً على مشروعية القضاء، وإنما هو وارد على صحة تأخير الصلاة بسبب الانشغال. أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخاً لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضاً، بل هي مسكوت عنها، فتبقى على مشروعيتها السابقة.
ومن أدلة هذه المشروعية أيضاً ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند منصرفه إلى المدينة من غزوة الأحزاب "لا يصلين أحد العصر - أو الظهر - إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم وقت الصلاة في الطريق فقال البعض: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فصلاها الفريق الأول بعد وصولهم إلى بني قريظة قضاء.
إذا ثبت وجوب قضاء المكتوبة بعد فواتها، فسيان أن يكون سبب الفوات نوماً أو إهمالاً وتركاً متعمداً، إذ لم يرد - بعد ثبوت الدليل العام على وجوب قضاء الفائتة عموماً - أي دليل يخصص مشروعية القضاء ببعض أسباب التفويت دون بعضها الآخر، والذين تركوها في طريقهم إلى بني قريظة، لم يكونوا نائمين ولا ناسين. فمن الخطأ إذاً أن تخصص مشروعية قضاء الفائتة المكتوبة - مع ذلك - بما عدا التفويت المتعمد. وهو أشبه ما يكون بمن يخصصها ببعض المكتوبات دون بعض، بدون أي مخصص شرعي.
وربما توهم البعض أنه قد ثبت دليل يخصص عموم أدلة مشروعية القضاء، وهو المفهوم المخالف لحديث:"من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، ولكن هذا وهم لا ينبغي أن يدخل على طالب علم متبصر. فالمقصود بالحديث ليس هو أمر الناسي والنائم بقضاء الصلاة، دون غيرهما، ولكن المقصود التركيز على القيد، وهو "إذا ذكرها" وذلك
للتنبيه إلى أنه لا يشترط لمن فاتته صلاة وأراد تداركها أن ينتظر حلول وقتها من اليوم الثاني ثم يؤديها إذ ذاك. بل عليه أن يبادر إلى قضائها بمجرد التذكر، في أي وقت كان. فإذا عرفت أن هذا هو مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تدل على ذلك صيغة الحديث نفسها وكما ذكر ذلك علماء الحديث وشراحه عرفت أنه لا دلالة تشريعية تتعلق بالمفهوم المخالف للنوم أو النسيان في الحديث. أهـ.
أقول: ثم إن المذاهب الأربعة اتفقت على وجوب القضاء على الناسي والنائم والمتعمد.
461 -
* روى البزار عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلاً ورجالاً فقال: "حتى أستأمر السعود" - سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يعني يشاورهما -، فقالا: لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام؟ فرجع إليه الحارث فأخبره، فقال: غدرت يا محمد قال: فقال حسان:
يا حار من يغدر بذمة جاره
…
منكم فإن محمداً لا يغدر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم
…
واللؤم ينبت في أصول السخبر
وأمانة النهدي حيث لقيتها
…
مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
قال: فقال الحارث: كف عنا يا محمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه.
ورواه الطبراني (2) ولفظه عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد شاطرنا تمر المدينة فقال: "حتى أستأمر السعود" فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود، فقال: "إني قد
461 - البزار: كشف الأستار (3/ 331)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الخندق. الدنية: الخصلة المذمومة.
السخبر: شجر تألفه الحيات فتسكن في أصوله.
(2)
مجمع الزوائد (6/ 132)، وقال عنه وعن رواية البزار السابقة: رواه البزار والطبراني
…
ورجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.
أقول: ذكر سعد بن خيثمة وسعد بن الربيع وهم من الراوي لأن خيثمة استشهد في بدر وابن الربيع استشهد يوم أحد قبل الخندق.
علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وإن الحارث سألكم تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا ثم تنظروا في أمركم بعد".
فقالوا: يا رسول الله أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك وهواك فرأينا تبع لهواك ورأيك وإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو ذا تسمعون ما يقولون" قالوا: غدرت يا محمد. فقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
يا حار من يغدر بذمة جاره
…
منكم فإن محمداً لا يغدر
وأمانة المري حين لقيتها
…
كسر الزجاجة صدعها لا يجبر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم
…
واللؤم ينبت في أصول السخبر
هذا الحديث يطرح ثلاثاً من أخطر القضايا التي تواجه الأمة الإسلامية دائماً:
القضية الأولى: قضية المصالحة على مال.
والقضية الثانية: قضية الشورى.
والقضية الثالثة: تفتيت الصف المعادي.
(1)
فلو أن كيان المسلمين في قطر أو في العالم تعرض لخطر الاستئصال، أو أن أمنهم أصبح في خطر فهل لهم في هذه الحالة أن يعطوا تنازلات مادية ولو بأن يدفعوا مالاً؟ الظاهر من الحديث أن ذلك جائز ولكنه ليس مفروضاً، وقد نص فقهاء الحنفية على هذه المسألة فأجازوا دفع المال للعدو إذا أصبح يهدد الوجود الإسلامي.
والمسألة في عصرنا قد تأخذ طابعاً أكثر تعقيداً فقد تصبح في خطر خفي أو تتعرض لخطر خفي وجهة ما هي القادرة على الإنقاذ، وهي لا تفعل إلا بشروط، فإذا كانت الشروط مادية بحتة فللمسلمين ذلك، ولهم ألا يفعلوا والفتوى من أهلها، والشورى والمصلحة هي التي تحكم هذه الأمور، وقد تشتبك المصالح وتتعارض مصالح الأمة
والأفراد. والحاكم والمحكوم، وكل ذلك ينبغي أن يخضع إلى موازنات عند أهل التقوى لتقرير ما هو المصلحة في النهاية.
(2)
والقضية الثانية هي إلزامية الشورى، فههنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل على رأي السعدين وهما ممثلا الأنصار، وبعض الروايات تذكر أن هذا النزول كان بعد أن كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم العقد ولكنه لم يمضه، وكذلك نزل عليه الصلاة والسلام على رأي الأكثرية يوم أحد، هذا النزول على رأي ممثلين لجهة أو على رأي الأكثرية يجعلنا نقول بإلزامية الشورى للأمير ولكنها إلزامية تخضع لقواعد فصلناها في أكثر من مكان في كتبنا، فالشورى ينبغي أن تعطى لأهلها وإذا أعطيت لأهلها فرأي أكثريتهم ملزم في نفي الضرر أو في استجلاب المصلحة، ومع ذلك يعطي الأمير فرصة تعميم الشورى على دائرة أدنى أو أعلى، ولكن يبقى رأي الأكثرية هو الملزم، وكل ذلك على ضوء القواعد الدستورية أو النظامية المتفق عليها بين المسلمين، وإنما نشترط هذا لأن بعض العلماء لا يرى إلزامية الشورى للأمير، فإذا ما وجد شرط الإلزامية لم يعد لأحد متكأ في رفض شورى الأكثرية من أهلها (فالمسلمون عند شروطهم)(1)، وعندئذ فللمرشح للإمرة الحق في أن يقبل الإلزامية فيكون أميراً أو يرفض فلا يكون، وللذين يرفضون إلزامية الشورى نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل على رأي الأكثرية يوم أحد وهو يعلم أن رأيهم خطأ، وها هو هنا نزل على رأي ممثلي الأنصار وهم أصحاب العلاقة مع أنه كان مقتنعاً بوجهة النظر الأخرى، أليس هذا يدل في حده الأدنى على سنية النزول على رأي الأكثرية صاحبة العلاقة، فإذا كانت المسألة في حدها الأدنى سنة، ألا يحق للمسلمين أن يعتمدوها؟ ألم يشترط الخضر على موسى وهو - أي الخضر - دونه؟ والتزم موسى، ألا يكفي هذا للقول: بأن المسلمين إذا اشترطوا على أميرهم أن ينزل على شوراهم فلهم ذلك! أليس مصلحة المسلمين في عصرنا تستدعي ذلك؟ وهل يسع عصرنا
(1) ذكره البخاري معلقاً (4/ 451) 37 - كتاب الإجارة - 14 - باب أجر السمسرة.
- وأبو داود مطولاً (3/ 304)، كتاب الأقضية، باب في الصلح. عن أبي هريرة بلفظ (على شروطهم).