الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً: إجماع الأمة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:
…
لقد كان معلوماً لدى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي قريب جداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم، وأنه لن يترك أمراً مخالفاً يمر، فما قاله عليه الصلاة والسلام باجتهاده دون وحى، فإنما هو من الإسلام وإلا جاء الوحي. يشهد لذلك ما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال:"كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل" قال سفيان – أحد رجال إسناد هذا الحديث – موضحاً كلام جابر: لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن" (1) .
(1) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتبا النكاح، باب حكم العزل 5/266 رقم 1440، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب العزل 9/215 أرقام 5307 – 5209.
قال فضيلة الدكتور عبد المهدى عبد القادر: "ويظهر لى من كلام جابر هذا أن جابراً استدل على شرعية العزل بتقرير الله سبحانه وتعالى (1) وعليه فجابر يرى أن الوحي لا يقتصر على مراقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يراقب الأمة كلها، فأيما فعل فعلوه مخالفاً الإسلام نبه الوحي عليه، وأيما فعل فعلوه زمن الوحي وأقرهم عليه الوحي فهو من الإسلام"(2) وهذا هو الذى يفيده أيضاً ما رواه ابن سعد فى الطبقات عن الواقدى عن شيوخه قال: قد قتل مجذر بن ذياد، سويد بن الصامت، فى وقعة التقيا فيها فى الجاهلية. فظفر المجذر بسويد فقتله، وذلك قبل الإسلام. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم الحارث بن سويد (3) ومجذر بن زياد (4) وشهدا بدراً. فجعل الحارث يطلب مجذراً ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه.
…
فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه، فضرب عنقه. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمراء الأسد، أتاه جبريل، فأخبره أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد غيلة، وأمره أن يقتله
…
الحديث" (5) .
…
قال ابن الأثير: اتفق أهل النقل على أن الحارث بن سويد هو الذى قتل المجذر بن زياد. فقتله النبى صلى الله عليه وسلم (6) .
(1) وإن كان ابن دقيق العيد استغربه فقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب. فتح البارى 9/216 أرقام 5207 – 5209.
(2)
المدخل إلى السنة النبوية ص72.
(3)
له ترجمة فى: أسد الغابة 1/613 رقم 899، والإصابة 1/280 رقم 1423.
(4)
له ترجمة فى: تجريد أسماء الصحابة 2/51، وأسد الغابة 5/59 رقم 4677، والاستيعاب 4/1459 رقم 2520، وتاريخ الصحابة ص238 رقم 1305.
(5)
الطبقات الكبرى 3/552.
(6)
أسد الغابة 1/613 ترجمة الحارث بن سويد رقم 899.
.. وهذا الاتفاق الذى نقله ابن الأثير، يقتضى الحكم بصحة الحديث وإن لم يكن إسناده على شرط الصحة، كما تقرر فى علم الحديث (1) وهو ما ذكره السيوطى فى حكمه على هذا الحديث فى كتابه الباهر فى حكم النبى صلى الله عليه وسلم بالباطن والظاهر (2) .
…
هذا ودلالة الحديث على مراقبة الوحي للأمة واضحة بإخبار جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الحارث قتل مجذر غيلة، وأمره أن يقتله وهذه المراقبة للأمة كانوا على يقين بها، وهذا هو الذى يفيده حديث ابن عمر رضى الله عنه قال:"كنا نتقى الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبى صلى الله عليه وسلم هيبة أن ينزل فينا شئ، فلما توفى النبى صلى الله عليه وسلم تكلمنا وانبسطنا"(3) ومنه حديث عمر حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فلم يجبه. فقال – أى عمر – ثكلتك أمك يا عمر، ثم قال: وخشيت أن ينزل فى قرآن" (4) .
(1) ينظر: تدريب الراوى 1/67، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية 1/202، والاستذكار لابن عبد البر 2/98 نص رقم 1569.
(2)
ص58.
(3)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب الوصاية بالنساء 9/161 رقم 5187.
(4)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة الحديبية 7/518 رقم 4177.
.. ومنه حديث سلمة بن صخر البياضى (1) إذ أتى زوجته فى رمضان فقال لقومه: امشوا معى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا والله لا نمشى معك، ما نأمن أن ينزل فيك القرآن، أو أن يكون فيك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يلزمنا عارها
…
الحديث (2) .
…
ومن إنكار الوحي عليهم حديث زيد بن خالد الجهنى (3) قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الصبح بالحديبية فى إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى، كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى، مؤمن بالكواكب" (4) .
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: تجريد أسماء الصحابة 1/232، وأسد الغابة 2/525 رقم 2176، والاستيعاب 2/641 رقم 1023، وتاريخ الصحابة ص119 رقم 554.
(2)
أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار 2/217 رقم 2273، وأبو داود فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار 2/265 رقم 2213، والترمذى فى سننه كتاب الطلاق، باب ما جاء فى كفارة الظهار 3/503 رقم 1200 وقال حديث حسن، وأخرجه ابن ماجه فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار 1/647 رقم 2062.
(3)
صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب 2/549 رقم 845، وأسد الغابة 2/355 رقم 1832، ومشاهير علماء الأمصار ص23 رقم 54، والإصابة 1/565 رقم 2895.
(4)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب كفر من قال مطرنا بالنوء 1/336 رقم 125 والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم 2/338 رقم 846.
.. وهكذا يتضح أن الوحي كان يراقب تصرفاته صلى الله عليه وسلم، ويراقب الأمة أيضاً. وفى كل ذلك دلالته على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده. وعلى ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه؛ وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا، وهل وقع عن وحى أو اجتهاد، وأيضاً فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله صلى الله عليه وسلم معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرو فى شئ منها استدراكه صلى الله عليه وسلم لغلط فى قول قاله، أو اعترافه بوهم فى شئ أخبر به، ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته صلى الله عليه وسلم عما أشار به على الأنصار فى تلقيح النخل (1) وكان ذلك رأياً لا خبراً يعنى: فلا يدخله الصدق والكذب (2) .
قلت: وهذا الذى أدين الله تعالى به فى أخبار النبى صلى الله عليه وسلم، فقد كانت أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله كلها تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء سواء كانت بوحى أو اجتهاد لعصمة رب العزة له فى أحواله صلى الله عليه وسلم كلها.
(1) سيأتى بعد قليل ذكره كاملاً وتخريجه وتوجيهه بما لا يتعارض مع عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده.
(2)
ينظر: الشفا 2/135، 136 بتصرف، والمنهاج شرح مسلم 3/73 رقم 574، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى ص73، 74.
.. أما زعم أعداء السنة المطهرة بأن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، وذهاب بعض المسلمين إلى تقسيم السنة إلى قسمين سنة تشريعية ملزمة عامة ودائمة، وسنة غير تشريعية ولا ملزمة واستدلالهم على ذلك باجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عموماً، وحديث تأبير النخل خصوصاً. فذلك منهم طعن فى عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده.
فإلى تفصيل شبهتهم فى ذلك والرد عليها
…