الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عجبت ولم تشكك بأن محمداً
…
***
…
نبى وبرهان فمن ذا يقاومه؟ !
عليك بكف الناس عنه فإننى
…
***
…
أرى أمره يوماً ستبدو معالمه (1) .
…
وبعد: فهل فى كل ما سبق من دلائل حفظ الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم من محاولات كفار قريش قتله، شك فى عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل فى فترة مكة، حتى على فرض مدنية الآية الكريمة:{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} (2) ؟!!.
…
إن خصوصية عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة فى مكة على ما سبق، وفى المدينة أيضاً.
…
وإليك
نماذج من كفاية الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم
من مؤامرات أعدائه لقتله أو النيل منه، فى المدينة المنورة:
(1) ينظر: الروض الأنف للسهيلى 2/322، ودلائل النبوة للبيهقى 2/489، ودلائل النبوة لأبى نعيم 2/337 رقم 237.
(2)
الآية 67 المائدة.
1-
ما حدث بعد غزوة بدر الكبرى من محاولة عمير بن وهب (1) قتل النبى صلى الله عليه وسلم، وكتمه ذلك سراً بينه وبين صفوان بن أمية (2) على أن يؤدى عنه صفوان دينه، ويعوله فى أهله وعياله، ولا ينقسهم شيئاً ما بقوا، فلما قدم عمير المدينة، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابنه "وهب" وقع أسيراً يوم بدر، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه فى عنقه قال: أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا، ثم قال: انعموا صباحاً – وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة" فقال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، قال:"فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه، قال: "فما بال السيف فى عنقك" قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً؟ قال: "أصدقنى ما الذى جئت له؟ " قال: ما جئت إلا لذلك، قال: "بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين على، وعيال عندى، لخرجت حتى أقتل محمداً: فتحمل لك صفوان بن أمية، بدينك، وعيالك، على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك" قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إنى لأعلم أن ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول
(1) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة 4/288، 289 رقم 4096، والاستيعاب 3/1221 – 1223 رقم 1997، والإصابة 5/36 رقم 6073، وتاريخ الصحابة ص135 رقم 660.
(2)
أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة 3/24 رقم 2510، والاستيعاب 2/718 رقم 1214، والإصابة 2/187 رقم 4093.
الله صلى الله عليه وسلم: "فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره" ففعلوا" (1) .
فتدبر ما فى القصة السابقة، من يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، بعد أن أخبر عمير بما كان بينه وبين صفران من اتفاق على قتلهصلى الله عليه وسلم، وإعلامه بأن الله عز وجل حائل بينه، وبين ما جاء من أجله.
(1) أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) 2/339، 340 نص رقم 827 من حديث عروة بن الزبير مرسلاً، والقصة أخرجها الطبرانى فى الكبير 17/56، 57 عن عروة أيضاً وعن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلاً، وإسنادها جيد كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 8/286، 287، وأخرجها أيضاً البيهقى فى دلائل النبوة 3/147–149،وينظر: الإصابة فى معرفة الصحابة لابن حجر 5/37.
2-
وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رجلاً من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: اقتل لكم محمداً، فقالوا: كيف تقتله؟ قال: أفتك به، فأقبل إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيفه فى حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا، قال: نعم، فأخذه واستله وجعل يهزه ويهم، فيكبته الله، فقال: يا محمد أما تخافنى؟ قال: لا، وما أخاف منك؟ قال: أما تخافنى، وفى يدى السيف؟ قال: لا، يمنعنى الله منك، ثم أغمد السيف، ورده إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} (1) .
(1) الآية 11 المائدة، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة1/195 رقم 145 من طريق ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) 3/186،187 رقم1332، وفى سنده عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة فى عصره ومفتيها، كان زاهداً ثم أحدث فتركه الأئمة مات سنة 143هـ وقيل144هـ، له ترجمة فى: الضعفاء للنسائى ص184 رقم469، والضعفاء لأبى نعيم ص118 رقم164، وتاريخ بغداد12/166 رقم6652، ووفيات الأعيان1/130 رقم 476، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة ذات الرقاع7/490، 491 رقمى4135،4136، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف3/389 رقم843، والحاكم فى المستدرك3/31،32 رقم4322 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبى.
3-
وقيل فى سبب نزول هذه الآية، ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن عمرو بن أمية الضمرى (1) حين انصرف من بئر معونة (2) لقى رجلين كلابيين معهما أمان من رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً من النبىصلى الله عليه وسلم، ففداهما رسول اللهصلى الله عليه وسلم ومضى إلى بنى النضير، ومعه أبو بكر وعمر وعلى، فتلقوه بنو النضير فقالوا: مرحباً يا أبا القاسم؛ ماذا جئت له؟ قال: رجل من أصحابى قتل رجلين من كلاب معهما أمان منى، طلب منى ديتهما، فأريد أن تعينونى، قالوا: نعم والحب لك والكرامة يا أبا القاسم، اقعد حتى نجمع لك، فقعد رسول اللهصلى الله عليه وسلم تحت الحصن، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلى بين يديه، وقد توامر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجراً (3)، وقال بعض أهل العلم: بل ألقوه، فأخذه جبرئيل عليه السلام، وأخبر النبى بما توامر الفسقة، وما هموا به، فقام رسول اللهصلى الله عليه وسلم واتبعه أبو بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم، فأنزل الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} (4)
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة4/181 رقم3862، والرياض المستطابة ص214،215.
(2)
مكان فى الطريق الداخلى بين مكة والمدينة. معجم البلدان5/159، وسرية بئر معونة، وتعرف أيضاً بسرية القراء كانت فى صفر سنة4 هـ. ينظر البداية والنهاية4/73، والسيرة النبوية لابن هشام3/164 نص رقمى1295،1296.
(3)
جاء فى مغازى الواقدى ص282، وسيرة ابن إسحاق، أن الذى هَمَّ بإلقاء الحجر (عمرو بن جحاش بن كعب النضيرى) ينظر: دلائل النبوة لأبى نعيم2/491 رقم427، والسيرة النبوية لابن هشام3/170 نص رقم 1308.
(4)
الآية 11 المائدة، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة2/489رقم425، وابن جرير الطبرى فى تاريخه2/551،552، وابن إسحاق أورده معضلاً (السيرة النبوية لابن هشام) 3/170 نص رقم 1308، والبيهقى فى دلائل النبوة3/354،355، وابن عبد البر فى الدرر فى اختصار المغازى والسير ص164،165 وابن كثير فى البداية والنهاية 4/76 ثلاثتهم عن ابن إسحاق.
، وفى رواية عن عروة بن الزبير زاد:"وأمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم بإجلائهم، لما أرادوا برسول اللهصلى الله عليه وسلم، فلما أخذهم بأمر الله وأمرهم أن يخرجوا من ديارهم، فيسيروا حيث شاؤوا، قالوا: أين تخرجنا، قال صلى الله عليه وسلم: إلى الحشر"(1) .
فتأمل ما فى حديث جابر من عصمة المولى عز وجل لنبيهصلى الله عليه وسلم من الإعراب حيث أغمد السيف ورده هو بنفسه إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ يراجع رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى قتله، فما الذى أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله؟!
إن مراجعة الأعرابى لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى الكلام، دليل على أن الله عز وجل منعه، بدليل ما ورد فى الحديث من تلويحه بالسيف، فيكبته الله.
وفى جوابهصلى الله عليه وسلم "يمنعنى الله منك" إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعاد الأعرابى كلامه، لم يزدهصلى الله عليه وسلم على ذلك الجواب، وفى ذلك غاية التهكم، وعدم المبالاة به، وفى ذلك دليل على قوة صبره وشجاعته، ويقينه بعصمة المولى عز وجل له.
(1) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة2/490،491 رقم426 مرسلاً عن عروة. وينظر السيرة النبوية لابن هشام3/172 نص رقم 1313، وشرح الزرقانى على المواهب2/510،529-533.
وفى حديث ابن عباس بيان لعصمة رسول اللهصلى الله عليه وسلم من محاولة يهود بنو النضير قتلهصلى الله عليه وسلم، كما فعل أسلافهم مع أنبيائهم سابقاً، ولكن عصمة رب العزة، سواء بتلقى جبريل الحجر قبل أن يقع عليهصلى الله عليه وسلم، أو بإخباره بمؤامرتهم، وبما هموا به، وقيامهصلى الله عليه وسلم قبل أن يلقوا الحجر. ففى تلك القصة تأكيد لخصوصية عصمتهصلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، كما قال عز وجل:{وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} (1) فقوله "من قبل" بيان لخصوصية عصمته فى بدنه من القتل لأن اليهود وإن وقع منهم قبلهصلى الله عليه وسلم قتل أنبياءهم بإذن الله تعالى، إلا أنهم مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم، لم ولن يفلحوا فى قتله مهما حاولوا، بدليل الآية الكريمة، وهو ما أكدته السنة المطهرة كما فى هذه القصة، وكما فى الحديث التالى.
(1) الآية 91 البقرة.
4-
عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن امرأة يهودية (1) أتت رسول اللهصلى الله عليه وسلم بشاه مسمومة، فأكل منها. فجئ بها إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك. قال: "ما كان الله عزوجل ليسلطك على ذاك" قال: أو قالصلى الله عليه وسلم: "علىَّ" قال قالوا ألا نقتلها؟ قال: لا (2)، قال: فما زلت أعرفها فى لهوات (3) رسول اللهصلى الله عليه وسلم (4) .
(1) هى زينب ابنة الحارث، امرأة سلام بن مشكم، كما فى السيرة النبوية لابن هشام3/346 نص رقم 1566.
(2)
وذلك قبل موت بشر بن البراء من تلك الأكلة المسمومة، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً. قال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قتلها. ينظر: المنهاج شرح مسلم7/434 رقم2190، وفتح البارى7/569 رقم4249، 10/257 رقم5777.
(3)
جمع لهاة، وهى اللحمات فى سقف أقصى الفم. النهاية فى غريب الحديث4/243.
(4)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب السلام، باب السم7/433 رقم2190، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين5/272رقم2617.
ففى قولهصلى الله عليه وسلم "ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال: علىَّ" فيه بيان عصمتهصلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، كما قال الله تعالى:{والله يعصمك من الناس} (1) وهى معجزة لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام الشاة له، فقد جاء فى غير مسلم، أنهصلى الله عليه وسلم قال:"ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة"(2) .
(1) جز من الآية 67 المائدة.
(2)
أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلاً سماً أو أطعمه فمات، أيقاد منه4/174 رقم4512 وفيه خالد بن خلى الحمصى- صدوق- كما قال الحافظ فى التقريب1/257 رقم1629 وبقية رجاله ثقات- فالإسناد حسن، وأخرجه ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام3/346 نص رقم1566.
5-
وعن سلمة بن الأكوع رضى الله عنه (1) أنه كان مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق (2) ومعها مهرة لها يتبعها فقال: من أنت؟ فقال: "أنا نبى" قال: ما نبى؟ قال "رسول الله" قال: متى تقوم الساعة؟ فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله" قال: أرنى سيفك، فأعطاه النبىصلى الله عليه وسلم سيفه، فهزه الرجل ثم رده عليه، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "أما أنك لم تكن تستطيع الذى أردت"(3) زاد الطبرانى فى روايته، ثم قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم:"إن هذا أقبل، فقال آتية فاسأله، ثم أخذ السيف، فأقتله، ثم أغمد السيف"(4) .
فتأمل يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، إذ أخبره ربه عز وجل بحال الرجل القادم عليه، وأنه سيسأل رؤية سيفهصلى الله عليه وسلم ليقتله به، ومع ذلك عندما يأتى الرجل يعطيه النبىصلى الله عليه وسلم السيف عندما سأله، ويهز الرجل السيف محاولاً قتل رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ولكن يكبته الله ويمنعه، فلا يملك إلا رد السيف إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم ويخبره بما كان فى نفسه من نية قتلهصلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن يستطيع ذلك، لعصمة الله لهصلى الله عليه وسلم.
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة2/517 رقم2155، والاستيعاب2/639 رقم 1016، ومشاهير علماء الأمصار ص28 رقم80، والإصابة2/66 رقم3374.
(2)
أى حامل، يقال عقت له فرسه، أى: حملت. النهاية فى غريب الحديث3/251.
(3)
أخرجه الحاكم فى المستدرك1/49 رقم14 وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.
(4)
أخرجه الطبرانى فى الكبير7/20 ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد8/227.
6-
وعن جعدة بن خالد بن الصَّمة رضى الله عنه (1) قال: شهدت النبى صلى الله عليه وسلم وأتى برجل، فقيل يا رسول الله، هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: لم تراع، لم تراع (2) لو أردت ذلك لم يسلطك الله على قتلى" (3) .
7-
وعن فضالة بن عمير الليثى رضى الله عنه (4) قال: أردت قتل النبىصلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنوت منه، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "أفضالة"؟ قلت: نعم! فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شئ، كنت أذكر الله عز وجل، فضحك النبىصلى الله عليه وسلم ثم قال:"استغفر الله" ثم وضع يده على صدرى، فسكن قلبى، فوالله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شئ أحب إلىَّ منه" (5) نعم: هكذا النبوة يقين بعصمة الله تعالى وحفظه، وعلم بالغيب، ورحمة وسكن، وهداية للعصاة.
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب1/241 رقم326، وأسد الغابة1/537 رقم750، وتجريد أسماء الصحابة1/84.
(2)
كلمة تقال عند تسكين الروع تأنيساً، وإظهاراً للرفق بالمخاطب أهـ فتح البارى10/472 رقم6033.
(3)
أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة1/194 رقم143، وأحمد فى مسنده3/471، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد8/226 رواه أحمد والطبرانى باختصار ورجاله رجال الصحيح غير أبى إسرائيل الجشمى وهو ثقة، وأخرجه ابن الأثير فى أسد الغابة1/537،538 رقم750.
(4)
أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة4/347 رقم4233، والاستيعاب4/1263 رقم2083، والإصابة5/211 رقم 7015.
(5)
أخرجه ابن هشام فى السيرة النبوية4/40،41 نص رقم1692، وأورده ابن كثير فى البداية والنهاية4/306، وابن عبد البر فى الدر فى اختصار المغازى ص222 كلاهما نقلاً عن ابن هشام.
8-
وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه (1) قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول اللهصلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار (2) يسوقه، أو أنا أسوقه، وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة (3) ، فإذا أنا باثنى عشر راكباً، قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا، يا رسول الله، كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا، قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العقبة، فليقوه منها. قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، أكره أن تحدث العرب بينها: أن محمداً قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة (4) . قلنا: يا رسول الله! وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك" (5) .
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة 73 رقم267، والرياض المستطابة ص49،50، وأسد الغابة1/706 رقم1113، والاستيعاب1/334 رقم492.
(2)
هو عمار بن ياسر صحابى جليل له ترجمة فى: الرياض المستطابة ص211-213، ومشاهير علماء الأمصار ص54 رقم266، والاستيعاب3/1135 رقم1863، وأسد الغابة4/122 رقم3804.
(3)
واحدة عقبات وهى الجبال، والمراد مكان مرتفع. ينظر: مختار الصحاح ص444، والقاموس المحيط1/106.
(4)
هى خراج ودمل كبير تظهر فى الجوف فتقتل صاحبها غالباً. النهاية فى غريب الحديث 2/94.
(5)
أخرجه البهيقى فى دلائل النبوة 5/260، 261، والطبرانى فى الأوسط 8/102 رقم 8100، وفيه عبد الله بن سلمة، وثقة جماعة، وقال البخارى لا يتابع على حديثه، وفى الصحيح بعضه. كذا قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/109، 110.
وللحديث شاهد صحيح أخرجه أحمد فى مسنده عن أبى الطفيل رضى الله عنه (1) .
وأصل هذه القصة أخرجها الإمام مسلم فى صحيحه مختصرة عن حذيفة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "فى أمتى اثنا عشر منافقاً، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل فى سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. سراج من النار يظهر فى أكتافهم حتى ينجم من صدورهم"(2) وكان حذيفة رضى الله عنه على علم بأسمائهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الصحابة (3)، ولما سئل رضى الله عنه:"كيف عرفت المنافقين، ولم يعرفهم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ولا عمر؟ قال: إنى كنت أسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنام على راحلته، فسمعت ناساً منهم يقولون: لو طرحناه عن راحلته، فاندقت عنقه فاسترحنا منه، فسرت بينه وبينهم، وجعلت أقرأ وأرفع صوتى، فانتبه النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة، قال: من هؤلاء خلفك؟ قلت: فلان وفلان حتى عددت أسماءهم، قال: وسمعت ما قالوا؟ قلت: نعم، ولذلك سرت بينك وبينهم، فقال: إن هؤلاء فلاناً وفلاناً، حتى عدد أسماءهم، منافقون، لا تخبرن أحداً"(4) ، وفيهم أنزل
(1) مسند أحمد 5/453، 454 ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 6/195 وأخرجه أيضاً الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/110.
(2)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم 9/137 رقم 2779.
(3)
ولهذا كان رضى الله عنه يقال له "صاحب السر الذى لا يعلمه غيره" ينظر: تفسير القرآن العظيم 4/123، وزاد المعاد 3/548.
(4)
أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة 2/528 رقم 456، والطبرانى فى الكبير وفيه: مجالد بن سعيد وقد اختلط، وضعفه جماعة، كذا قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/109، قلت: ولكنه توبع؛ حيث أصل حديثه فى صحيح مسلم وغيره.
قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا} (1) .
إن فى تلك الآية الكريمة يمتن رب العزة على نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم بعصمته من مؤامرة نفراً من المنافقين هموا بقتله صلى الله عليه وسلم، وهو عائد من تبوك فى طريقه إلى المدينة، بطرحه من فوق عقبة فى الطريق، وقد جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر منافقاً، وأخبرهم بقولهم، وبما هموا به من قتله، ولكنهم حلفوا بالله ما قالوا، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجاوز عنهم، حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه، بعد أن أظهره الله عز وجل على أعداءه، ولكن مع ذلك لحقتهم لعنة الله فى الدنيا، وموتهم شر ميتة بالدبيلة، وفى الآخرة لهم عذاب جهنم، جزاء نفاقهم وما همو به من قتله صلى الله عليه وسلم، ولم ينالوا ذلك لعصمة رب العزة له صلى الله عليه وسلم.
وبعد: فما ذكر من هذه النماذج الصحيحة فى عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل، غنىٌ عن غيره مما لم يذكر من الصحيح، أو ورد ضعيفاً.
وإذا تقرر هنا فى هذا الفصل تفصيل دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فقد حان الآن بيان شبهات الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها، فإلى تفصيل ذلك فى الفصل التالى.
(1) الآية 74 التوبة، وسبب النزول، أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة 5/258، 259، عن ابن إسحاق، ونقله عنه ابن كثير فى البداية والنهاية 5/18.