الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
.. فزعموا أن دور النبى صلى الله عليه وسلم فى رسالته قاصراً على بلاغ كتاب الله عز وجل فقط، وأنه ليست له سنة نبوية، وأن طاعته صلى الله عليه وسلم الواردة فى القرآن الكريم، تعنى الطاعة لكتاب الله عز وجل، وتنحصر فيها، ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن القول بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم شرك وتأليه له صلى الله عليه وسلم، وأن من يقول بطاعته فقد كفر وأشرك بربه!.
…
وقبل تفصيل تلك الشبهات والرد عليها، أرى لزاماً على تأصيل المسألة أولاً: وذلك بالتعريف بالوحي، وكيفياته، ثم تفصيل دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي الإلهى من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة. فإلى تفصيل ذلك فى المبحثين التاليين:
المبحث الأول: التعريف بالوحي لغة، وشرعاً، وكيفياته
أولاً: التعريف بالوحي:
أ- من حيث اللغة:
…
ذكر غير واحد من علماء هذا الشأن أن أصل الوحي فى الأسلوب العربى، معناه: الخفاء، والسرعة، والإشارة.
…
فالواو والحاء والحرف المعتل أصل يدل على إلقاء علم فى خفاء إلى غيرك، فكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه، فهو وحى كيف كان. وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة بعض الجوارح، وبالكتابة، والرسالة والإلهام.
…
وأوحى ووحى لغتان يقال: وحيث إليه الكلام، وأوحيت، ووحى، وحياً وأوحى. لكن أوحى بالهمزة أفصح من - وحى - بدونها. ولذلك جرى استعمال القرآن على ما هو الأفصح فى الفعلين أهـ بتصرف (1) .
(1) ينظر: لسان العرب 6/412، والقاموس المحيط 4/391، ومعجم مقاييس اللغة ص1085، وتاج العروس 10/384 - 386، ومختار الصحاح ص713، والأشباه والنظائر فى القرآن الكريم لمقاتل سليمان ص168، 169، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص586 - 588.
.. وقد استعمل القرآن الكريم الوحي بمعناه اللغوى، وهو: الإعلام الخفى السريع، ويتناول الوحي بهذا المعنى عدة أنواع كما جاءت فى القرآن الكريم:
الإشارة السريعة على سبيل الرمز كما فى قوله تعالى: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً} (1) وكما فى قوله تعالى: {قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً} (2) .
الإلهام الغريزى للإنسان (3) ومنه ما يطلق عليه إلهام الخواطر، وهو ما يلقيه الله تعالى فى روع الإنسان
(1) الآية 11 مريم.
(2)
الآية 41 آل عمران.
(3)
اشتهر لدى الكثيرين أن الوحي إلى أم موسى عليهما السلام الوارد فى قوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} آية 70 القصص، هو من هذا القبيل – أعنى الإلهام. أى من قبيل الحقيقة اللغوية. وعللوا قولهم هذا، بأنه لو قلنا إن الوحي إليها كان من قبيل الحقيقة الشرعية – أى كان بواسطة ملك – يلزم عليه أن تكون نبياً. والمقطوع به أنه لم تكن كذلك. أهـ كلامهم والحق: أن هذا الكلام خلاف التحقيق حسبما صرح بذلك الإمام القرطبى فى تفسيره 13/250، والشيخ أبو حيان فى تفسيره 7/105 – 108، وشيخنا الدكتور إبراهيم خليفة فى منة المنان 2/152، وحجتهم فى ذلك، أن ما جاء فى الآية من الأمر بالإلقاء والوعد بأنه سيرجع إليها وسيكون من المرسلين، لا يأتى ذلك من قبل الإلهام، كما أنه لا يلزم من إرسال الملك إلى أحد، ضرورة كونه نبياً، فقد جاء الملك إلى السيدة مريم، وإلى الأقرع، والأبرص، والأعمى، وقصتهم فى الصحاح، ولم يقل أحد بنبوة هؤلاء، وفوق ذلك كله، فإن المجمع عليه أن النبى لا يكون إلا ذكراً قال تعالى:{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم} آية 43 النحل، وعليه فالراجح أن الوحي إليها لم يكن إلهاماً، وإنما كان بواسطة ملك. أهـ.