الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
.. وسوف نناقشها فقرة فقرة، وننقضها لبنة لبنة، حتى يقتنعوا أن ما زعموه من أدلة هى السراب الباطل الذى يحسبه الظمآن ماءً.
…
إنى أقول ذلك ومعى تأكيداً له شواهد من التاريخ، والنقل الثابت من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته وخلقه وعقله بسوء، ومبرهناً فى نفس الوقت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل وأعلى، وأرفع وأقدس من أن تناله الشبه.
…
فإلى بيان ذلك من خلال استعراض شبهاتهم والرد عليها فى المطالب التالية.
المطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم
والجواب عنها
…
احتج المشاغبون الذاهبون إلى نفى العصمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قلبه وعقيدته قبل البعثة وبعدها، بما ورد من آيات أسند فيها "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم، وحملوها على الكفر فى حقه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى:{قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب} (1) وقوله عز وجل: {ووجدك ضالاً فهدى} (2) وقوله سبحانه: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} (3) .
…
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
(1) الآية 50 سبأ.
(2)
الآية 7 الضحى.
(3)
الآية 3 يونس، وينظر: ممن قال بهذه الشبهة، الإسلام بدون حجاب (كتاب مستل من شبكة الإنترنت) ص35 - 37، والأنبياء فى القرآن لأحمد صبحى منصور ص23، 30 - 80، 126، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص137، 152، وجريدة الدستور عدد 31/12/1997، وجريدة الميدان العدد 289 مقالتان لأحمد صبحى منصور، وإعادة تقييم الحديث لقاسم أحمد ص155.
أولاً: حمل أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة كلمتى "الضلال" والغفلة، فى الآيات على الكفر والغى والفساد! وهذا تعسف باطل فى تأويل الآيات، ومرفوض من وجوه:
الأول: أنه قبل النبوة لم يكن هناك شرعاً قائماً حتى يوصف المنحرف عنه بالضلال.
الثانى: ما ثبت بإجماع الأمة قاطبة من عصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر (1) .
الثالث: ما ثبت بالتواتر عن حال النبى صلى الله عليه وسلم فى نشأته قبل النبوة من عصمة ربه عز وجل له من كل ما يمس عقيدته وخلقه بسوء على ما سبق تفصيله (2) .
ثانياً: إن تأويل أعداء الإسلام للآيات يرفضه القرآن الكريم، حيث وردت فيه كلمة "الضلال" مراداً بها أكثر من معنى، منها ما يلى:
ضلال بمعنى الكفر فى نحو قوله تعالى: {ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون} (3) .
ضلال بمعنى النسيان فى نحو قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} (4) أى أن تنسى إحدى المرأتين، فتذكر إحداهما الأخرى.
ضلال بمعنى الغفلة فى نحو قوله سبحانه على لسان سيدنا موسى عليه السلام لفرعون: {قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين} (5) .
(1) ينظر ص7،11.
(2)
ص44 – 79، وينظر: خواطر دينية لعبد الله الغمارى ص178، 179.
(3)
الآية 62 يس، وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/570، 571.
(4)
جزء من الآية 282 البقرة.
(5)
الآية 20 الشعراء، وينظر: الأشباه والنظائر فى القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان ص297 – 299.
ضلال بمعنى المحبة فى نحو قوله عز وجل على لسان أولاد سيدنا يعقوب: {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين} (1) أى فى حب مبين ليوسف، وهو المشار إليه فى قوله تعالى على لسانهم أيضاً:{قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم} (2) وكذلك قوله سبحانه على لسان نسوة المدينة: {وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها فى ضلال مبين} (3) أى حب مبين ليوسف عليه السلام.
ولما كان الضلال فى لسان أهل اللغة: العدول عن الطريق المستقيم، وضده الهداية، كان كل عدول ضلال، سواء كان عمداً أو سهواً، يسيراً كان أو كثيراً، ومن هنا صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء، وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد (4) .
وعلى الوجهين الثالث والرابع تفسر آية: {ووجدك ضالاً فهدى} ونحوها، ويكون المعنى على الوجه الرابع: ووجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويشهد لصحة هذا الوجه والتأويل ما يلى:
أ- ما صح من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وتحنثه فى غار حراء طلباً للهداية، حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بالوحي (5) .
ب- أن من أسماء المحبة عند العرب "الضلال" قال الشاعر:
هذا الضلال أشاب منى المفرقا
…
***
…
والعارضين ولم أكن متحققا
عجباً لعزة فى اختيار قطيعتى
…
***
…
بعد الضلال فحبلها قد أخلفا (6) .
(1) الآية 8 يوسف.
(2)
الآية 95 يوسف.
(3)
الآية 30 يوسف.
(4)
ينظر: معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص333، 334، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص457.
(5)
ينظر: حديث تحنثه فى غار حراء فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي 1/30 رقم 3.
(6)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 20/ 97.
قال الإمام الزرقانى (1) : وهذا أى الوجه الرابع، وتأويل الضلال بمعنى المحبة منقول عن قتادة، وسفيان الثورى، فلا يضر عدم وجوده فى الصحاح وأتباعه، فاللغة واسعة (2)، وقال الدكتور عبد الغنى عبد الخالق: وهذا قول حسن جداً (3) ويكون المعنى على الوجه الثالث: {ووجدك ضالاً فهدى} أى وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك أى فأرشدك.
…
والضلال هنا: بمعنى الغفلة كقوله تعالى: {لا يضل ربى ولا ينسى} (4) أى لا يغفل ولا يسهو جل جلاله عن شئ فى السماوات والأرض وما فيهن (5) وقال تعالى فى حق نبيه صلى الله عليه وسلم: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} (6) أى لم تكن تدرى القرآن، والشرائع وما فيها من قصص الأنبياء، فهداك الله عز وجل إلى ذلك، وهو معنى قوله تعالى:{وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم} (7) .
(1) هو: محمد بن الشيخ عبد الباقى الزرقانى، أبو عبد الله، الإمام الفقيه، الفهامة المتفنن، المحدث، الرواية المسند، المؤلف المتقن، من مؤلفاته النافعة: شرح الموطأ، وشرح المواهب اللدنية للقسطلانى، وغير ذلك. مات سنة 1122هـ له ترجمة فى: شجرة النور الزكية للشيخ محمد مخلوف 1/318، 319 رقم 1237.
(2)
شرح الزرقانى على المواهب 9/11، وينظر: الشفا 2/112، 113.
(3)
حجية السنة ص112.
(4)
الآية 52 طه.
(5)
ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير5/291،ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص405.
(6)
الآية 3 يوسف.
(7)
الآية 52 الشورى.
.. والغفلة فى حق الأنبياء لا جهل فيها، لأن الجاهل لا يسمى غافلاً حقيقة لقيام الجهل به، فصح أن ضلال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غفلة لا جهل (1) وقد روى هذا التأويل والوجه بعينه عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين، وجماعة من أهل التأويل (2) .
…
وقيل: الضلال فى الآيات بمعنى التحير، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء فى طلب ما يتوجه به إلى ربه، ويتشرع به؛ حتى هداه الله إلى الإسلام (3) وهذا التأويل قريب من الوجه السابق.
…
وبقيت وجوه أخرى من التأويل ذكرها أهل العلم (4) وأقواها ما اكتفيت بذكره.
(1) ينظر: تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء لعلى السبتى ص112، 113، والشفا 2/114.
(2)
ينظر: تفسير المنار 12/208، وجامع البيان عن تأويل آى القرآن لابن جرير الطبرى 12/624، والجامع لأحكام القرآن للقرطبى 20/96، وفتح القدير 4/763، وعصمة الأنبياء للرازى ص92، 93.
(3)
الشفا 2/112، وينظر: شرح الشفا للقارى 2/2050 تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده ص111، 112.
(4)
ينظر: شرح الزرقانى على المواهب 9/ 8 – 14، والشفا 2/112 – 114، ومفاتيح الغيب للرازى 8/451، 452.
.. أما ما استدلوا به من قوله صلى الله عليه وسلم على ما حكاه عنه القرآن الكريم: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب} (1) وزعمهم بأن نسبة الضلال إلى نفسه صلى الله عليه وسلم يعنى أنه غير معصوم منه حتى بعد النبوة، فلا حجة لهم فى التعلق بظاهر هذه النسبة! لأن نسبة الضلال إلى نفسه صلى الله عليه وسلم جاءت منه على جهة الأدب مع ربه عز وجل، وهكذا الأنبياء جميعاً إذا مسهم ضر نسبوه إلى الشيطان على جهة الأدب مع الحق جل جلاله، لئلا ينسبوا له فعلاً يكره، مع علمهم أن كلا من عند الله تعالى، قال الخليل عليه السلام:{وإذا مرضت فهو يشفين} (2) وقال الخضر عليه السلام: {فأردت أن أعيبها} (3) أى السفينة، مع أن فعله كان بأمره عز وجل كما قال عز وجل على لسانه:{وما فعلته عن أمرى} (4) وقال موسى عليه السلام: {هذا من عمل الشيطان} (5) وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: "والخير كله فى يديك، والشر ليس إليك"(6) يعنى: ليس إليك يضاف الشر وصفاً لا فعلاً، وإن كان الفعل كله من عند الله عز وجل كما قال:{وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} (7) .
(1) الآية 50 سبأ.
(2)
الآية 80 الشعراء.
(3)
جزء من الآية 79 الكهف.
(4)
جزء من الآية 82 الكهف.
(5)
جزء منا الآية 15 القصص.
(6)
جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبى صلى الله عليه وسلم، ودعاؤه بالليل 3/309 رقم 771 من حديث على ابن أبى طالب رضى الله عنه.
(7)
الآية 78 النساء، وينظر: المنهاج شرح مسلم 3/317 رقم 771.
.. أما الشرط فى الآية {إن ضللت} فلا يقتضى الوقوع ولا الجواز، فالضلال لا يقع منه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يقع منه، لا قبل النبوة ولا بعدها، بمقتضى عصمة الله عز وجل له، ألا ترى كيف قال الله تعالى:{لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم} (1) والمعنى: لولا ما عصمناه ورحمناه، لأتى ما يذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع.
…
وكذلك قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ} (2) والمعنى: لولا فضل الله عليك يا رسول الله، بالعصمة ورحمته إياك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، بدليل بقية الآية:{وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ} (3) وقال تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً} فهذه الآية كسابقتها من جملة الآيات المادحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنها من المتشابهات.
…
ومعناها: "لولا وجود تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئاً يسيراً من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود عصمتنا وتثبيتنا إياك"(4) .
…
فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليه، على فرض الإمكان لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته صلى الله عليه وسلم، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته صلوات الله وتسليمه عليه (5) .
(1) الآية 49 القلم.
(2)
الآية 113 النساء.
(3)
ينظر: تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص119.
(4)
شرح الشفا للقارى 1/68 بتصرف يسير.
(5)
الشفا 1/30، وينظر: شرح الزرقانى على المواهب 9/51.
.. وصفوة القول: أن ما استدل به من آيات على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم لا حجة لهم فيها لأن تلك الآيات الكريمات هى فى حقيقة الأمر واردة فى مقام المنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع تلك المنَّة يستحيل ما استدلوا به على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم وتأمل معى آية سبأ:{قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب} (1) فهل مع منَّة النبوة، ونزول وحى الله تعالى إليه يكون ضلال؟ هل يعقل هذا؟ وكذلك آية يوسف:{نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} (2) فهل مع منة الوحي، ونزول القرآن عليه يجوز فى حقه صلى الله عليه وسلم غفلة جهل، سواء قبل النبوة أو بعدها؟! وكذلك ما استدلوا به من آية الضحى:{ووجدك ضالاً فهدى} تجدها آية كريمة وردت فى سورة عظيمة أقسم رب العزة فى أولها بالضحى، والليل إذا أقبل بظلامه، على أنه ما ترك نبيه صلى الله عليه وسلم، وما أبغضه، وهذا من كمال عنايته عز وجل فى رد ما قال المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ رب العزة يعدد فى ضمن نفى التوديع والقلى:{ما ودعك ربك وما قلى} (3) نعمه على حبيبه ومصطفاه فى الدنيا والآخرة، وآمراً له بأن يحدث بها قال تعالى:{وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيماً فأوى. ووجدك ضالاً فهدى. ووجدك عائلاً فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث} (4) فتأمل كيف وردت آية {ووجدك ضالاً فهدى} فى معرض الثناء والمدح، والمنَّة عليه صلى الله عليه وسلم بنعم لا تعد ولا تحصى. فهل يعقل أن يكون مراداً بالضلال فى هذا المقام ضلال الكفر والفساد؟!! كيف وقد عصمه رب العزة من ذلك قبل نبوته، وهو ما تشهد
(1) الآية 50 سبأ.
(2)
الآية 3 يوسف.
(3)
الآية 3 الضحى.
(4)
الآيات 4 – 11 الضحى.
به سيرته العطرة، على ما سبق تفصيله فى مبحثى الفصل الأول دلائل عصمته فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ كما شهد رب العزة بعصمته من الضلال بعد نبوته فى قوله تعالى:{ما ضل صاحبكم وما غوى} (1) مع تأكيد النفى بالقسم بقوله عز وجل: {والنجم إذا هوى} (2) .
…
وتأمل دلالة كلمة "صاحبكم" فى قوله {ما ضل صاحبكم وما غوى} ولم يقل: محمد، أو رسول الله، أو نحو ذلك. تأكيداً لإقامة الحجة على المشركين بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به، وبحاله، وأقواله، وأعماله، منذ نشأته بينهم بالأمانة، والصدق ورجاحة العقل، والخلق القويم، وأنهم لا يعرفونه بكذب، ولا غى، ولا ضلال فى العقيدة أو الأخلاق، وبالجملة: لا ينقمون عليه أمراً واحداً قط، وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله عز وجل:{قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون} (3) وقال سبحانه: {أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون} (4) .
…
هذا وفى القسم بالنجم، إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يهتدى به كما يهتدى بالنجم، ومن يهتدى به، وحث رب العزة على الاقتداء به، يستحيل فى حقه الضلال.
…
إن الآية الكريمة {ما ضل صاحبكم وما غوى} مسوقة لتبرئته صلى الله عليه وسلم مما رماه به المشركون قديماً من الضلال والغى، وهى أيضاً مسوقة لتبرئته صلى الله عليه وسلم مما رماه به أذيالهم حديثاً من تفسير الضلال والغفلة، بالكفر والفساد. فوجب أن يكون النفى عاماً فى الضلال والغى قبل النبوة وبعدها.
…
وهو ما يدل عليه اللفظ العربى، ويقتضيه سياق الآية، إذ من المعلوم فى اللفظ العربى أن الفعل إذا ما وقع فى سياق النفى أو الشرط، دل على العموم وضعاً بلا نزاع.
(1) الآية 2 النجم.
(2)
الآية الأولى النجم.
(3)
الآية 16 يونس.
(4)
الآية 69 المؤمنون، وينظر: شرح الزرقانى على المواهب 8/457 بتصرف.