الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
.. فهل كان الشيطان يسر بها فى آذان المشركين دون المسلمين؟ ثم كيف يتفق هذا الذى اختاروه، وما روى من أن النبى صلى الله عليه وسلم حزن حزناً شديداً، وأن جبريل قال له: ما جئتك بهذا؟! (1) .
…
فإذا كان هذا المستحسن عن بعض الأئمة ترده نفس الروايات الضعيفة، فمن باب أولى باقى التأويلات التى ذكر معظمها الإمام ابن حجر وردها كما ردها من سبقه من الأئمة (2) .
معنى آية التمنى:
…
وإذ قد انتهينا إلى هذه النتيجة الممحصة، فآية التمنى فى قوله تعالى:{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} (3) لا صلة لها بفرية الغرانيق لما يلى:
آية التمنى فى سورة الحج، وهى مدنية بالاتفاق، ولاسيما وأنه قد ورد فيها الأمر بالأذان فى الناس بالحج، والأمر بالقتال، والأمر بالجهاد، وذكر فيها الصد عن المسجدالحرام، وكل ذلك إنما كان بعد الهجرة، وبعضه أتى بعدها بعدة سنوات، وهذا يعنى أن هذه الآية قد نزلت بعد الغرانيق بسنوات عديدة، لأن قصة الغرانيق قد حصلت فى السنة الخامسة من البعثة، فكيف أخر الله تسلية وتهدئة خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السنين الطويلة؟!.
(1) ينظر: السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة 1/369، والروض الأنف للسهيلى 2/153، 154، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 5/440.
(2)
ينظر: الشفا 2/129، 130، وفتح البارى 8/293، 294، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 2/138 - 146، والتفسير الكبير للرازى 12/ 52 - 55.
(3)
الآية 52 الحج.
إن آية التمنى ليس فيها دلالة على شئ من فرية الغرانيق من قريب أو بعيد، لولا ما افتراه الزنادقة من مراسيل واهية فى أسباب نزولها! وقد فسر آية التمنى كثير من جهابذة علماء الإسلام فى تفاسيرهم المتداولة بين الأمة، ولم يظهر لهم قط حاجة إلى إلصاق القصة بتفسير الآية، ومن هؤلاء المفسرين الجهابذة، أبو حيان فى تفسيره (البحر المحيط)(1) والشوكانى فى تفسيره (فتح القدير)(2) وأبو بكر بن العربى فى (أحكام القرآن)(3) على أن معنى الآية لا ينسجم مع مفاد الرواية، فإن التمنى هو: تشهى حصول أمر محبوب ومرغوب فيه (4) فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما يتشهى ويتمنى ما يتناسب مع وظيفته كرسول، وأعظم أمنية لإنسان كهذا، هى ظهور الحق والهدى، وطمس الباطل، وكلمة الهوى، فيلقى الشيطان بغوايته للناس ما يشوش هذه الأمنية، ويكون فتنة للذين فى قلوبهم مرض، كما ألقى فيما بين أمة موسى من الغواية ما ألقى، فينسخ الله بنور الهدى غواية الشيطان، ويظهر الحق للعقول السليمة.
أما لو أردنا تطبيق الآية على ما يقولون: فإن المراد بالتمنى يكون هو القراءة والتلاوة، وهو معنى شاذ غريب، يخالف الوضع اللغوى، وظاهر اللفظ، أما الشعر المنقول عن حسان بن ثابت، كشاهد على ذلك، فمشكوك فى نسبته إليه (5) .
(1) 6/380 – 382.
(2)
3/461.
(3)
3/1287 – 1292.
(4)
ينظر: لسان العرب 1/140 – 144 حيث ساق شواهد من الحديث والآثار وكلام أئمة اللغة، تدل على أن معنى التمنى والأمنية، هو: الإرادة والمحبة، والرغبة فى حصول الشئ واشتهاء وقوعه أهـ.
(5)
ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم 3/144، ومحمد رسول الله 2/70، 73.
وحتى لو قبلنا أن المراد بالتمنى هو التلاوة، فإن من الممكن أن يكون المراد من الآية هو: إعلام المولى عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، بأن من أرسل قبله من الرسل كان إذا تلا ما يؤديه إلى قومه، حرفوا عليه، وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود والنصارى فى الكذب على أنبيائهم قال تعالى:{ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه} (1) وقال سبحانه: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه} (2) وقال عز وجل: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} (3) وقال تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} (4) فأضاف ذلك إلى الشيطان لأنه يقع بوسوسته وغروره، ثم بين الله عز وجل أنه يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه بشريعة نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، تلك الشريعة التى تعهد رب العزة بحفظها فى قوله تعالى:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (5) .
(1) جزء من الآية 41 المائدة.
(2)
الآية 46 النساء.
(3)
الآية 75 البقرة.
(4)
الآية 102 البقرة.
(5)
الآية 9 الحجر، وينظر: تنزيه الأنبياء للموسوى ص107، ومحمد رسول الله 2/72 – 78.
وفى هذه المعانى قال أبو حيان: "ذكر الله تعالى مسلاة لنبيه، باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء، وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم، متمنين لذلك، مثابرين عليه، وأنه ما منهم أحد إلا وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه، وبث ذلك إليهم، وإلقائه فى نفوسهم، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان من أحرص الناس على هدى قومه، وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث، يلقون لقومه، وللوافدين عليه شبهات يثبطون بها عن الإسلام، ولذلك جاء قبل هذه الآية: {والذين سعوا فى آياتنا معاجزين} (1) وسعيهم بإلقاء الشبه فى قلوب من استمالوه، ونسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه هو المغوى والمحرك شياطين الإنس للإغواء لما قال "لأغوينهم" ومعنى: {فينسخ الله ما يلقى الشيطان} يزيل تلك الشبه شيئاً فشيئاً حتى يسلم الناس كما قال: {ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا} (2) {ثم يحكم الله آياته} معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها {ليجعل ما يلقى الشيطان} من تلك الشبه وزخارف القول "فتنة" لمريض القلب ولقاسية، وليعلم من أوتى العلم أن ما تمنى الرسول والنبى من هداية قومه، وإيمانهم هو الحق. وهذه الآية ليس فيها إسناد شئ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما تضمنت حالة من كان قبله من الرسل والأنبياء إذا تمنوا"(3) .
وصفوة القول: أن الذين أثبتوا القصة أجمعوا على رد معناها حيث جمعت بين ضعف السند والمتن، وقوة المعارض من القرآن الكريم، وتاريخ سيرته صلى الله عليه وسلم العطرة، وإجماع الأمة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل ما يخل بالتبليغ، وهذا كله يدعونا إلى أن نصدع بأن قصة الغرانيق مكذوبة، اختلقها الزنادقة الذين يريدون إفساد الدين، والطعن فى عصمة سيد الأنبياء وإمام المخلصين صلى الله عليه وسلم.
وبعد:
(1) الآية 51 الحج.
(2)
الآية 2 النصر.
(3)
البحر المحيط 6/381.
.. فإن الناظر فيما ساقه القوم من شبهه – يلاحظ مدى تحير القوم، وترددهم واضطرابهم، فى تحديد المصدر الذى صدر عنه الوحي الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
…
فانظر كم قلبوا من وجوه الرأى فى هذه المسالة؟ فمرة يقولون كذا، ومرة يقولون كذا، كما علمت فى المطالب السابقة. فإن شئت أن تطلع على هذه الصورة المضحكة من البلبلة الجدلية فاقرأ وصفها فى قوله تعالى:{بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} (1) .
…
فهذه الجملة القصيرة تمثل لك بما فيها من توالى حروف الإضراب مقدار ما أصابهم من الاضطراب فى رأسهم، وتريك صورة شاهد الزور إذا أحس بحرج موقفه، كيف ينقلب ذات اليمين وذات الشمال.
…
وإذا كان أعداء الإسلام من المستشرقين يتحيرون ويضطربون فى تحديد مصدر الوحي، فأذيالهم وأبواقهم من أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة هم كذلك يتحيرون ويتناقضون؛ وهم يطعنون فى الوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى.
(1) الآية 5 الأنبياء.