المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي - رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

[عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى]

فهرس الكتاب

- ‌هذا الكتاب

- ‌مقدمة من الباحث

- ‌الإهداء

- ‌كلمة شكر وتقدير

- ‌المقدمة

- ‌خطة البحث:

- ‌منهجى فى البحث:

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول: التعريف بالعصمة

- ‌أولاً: التعريف بالعصمة لغة وشرعاً

- ‌أ- المعنى اللغوى:

- ‌ب- المعنى الشرعى:

- ‌ج- مواضع العصمة:

- ‌ثانياً: العصمة سبيل حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة:

- ‌ثالثاً: العصمة سبيل الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم:

- ‌المبحث الثانى: أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام

- ‌أولاً: أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم

- ‌ثانياً: أهمية السيرة العطرة فى فهم السنة الشريفة:

- ‌ثالثا: أهمية السيرة العطرة فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً:

- ‌الباب الأول:عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه ودفع الشبهات

- ‌ تمهيد

- ‌الفصل الأول: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه

- ‌المبحث الأول: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى عقله

- ‌أ- عصمته صلى الله عليه وسلم من كيد إبليس وجنوده:

- ‌ب- عصمته صلى الله عليه وسلم من الجهالات:

- ‌جـ- عصمته صلى الله عليه وسلم من التعرى

- ‌د- عصمته صلى الله عليه وسلم من أكل ما ذبح على النصب

- ‌هـ عصمته صلى الله عليه وسلم من الحلف بأسماء الأصنام

- ‌و عصمته صلى الله عليه وسلم من استلام الأصنام

- ‌ز- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم شق صدره الشريف:

- ‌ح- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم تكافؤ أخلاقه:

- ‌ط- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم كمال عقله:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى بدنه

- ‌ المراد بعصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه هنا، عصمته من القتل

- ‌خصوصية عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه من القتل:

- ‌ نماذج من كفاية الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل

- ‌المطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌{عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}

- ‌{ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض

- ‌{عبس وتولى. أن جاءه الأعمى

- ‌ وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه

- ‌{يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك

- ‌المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌ تمهيد

- ‌المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي

- ‌المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم

- ‌المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "أَهَجَرَ

- ‌الباب الثانى: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي ودفع الشبهات

- ‌الفصل الأول: عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ تمهيد

- ‌المبحث الأول: التعريف بالوحي لغة، وشرعاً، وكيفياته

- ‌أولاً: التعريف بالوحي:

- ‌أ- من حيث اللغة:

- ‌ب- معناه الشرعى:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌مجالات البلاغ الذى أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم:

- ‌أولاً: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ثانياً: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ثالثاً: من دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي، إجماع الأمة:

- ‌الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها

- ‌المبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى

- ‌ تمهيد

- ‌المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليه

- ‌المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية

- ‌المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية

- ‌المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها

- ‌أولاً: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به

- ‌ثانياً: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها

- ‌ثالثاً: مخالفة القصة لحقائق تاريخ السيرة العطرة

- ‌رابعاً: ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين

- ‌خامساً: القصة لم يخرجها أصحاب الكتب الصحاح:

- ‌سادساً: سؤال بعضهم:

- ‌سابعاً: الرد على المثبتين للقصة:

- ‌معنى آية التمنى:

- ‌المبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصرة على بلاغ القرآن فقط

- ‌المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست له سنة نبوية

- ‌أ- الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة وحى من الله تعالى:

- ‌ب- الأدلة من السنة النبوية على أنها وحى من الله تعالى:

- ‌جـ- السلف يؤمنون بأن السنة وحى:

- ‌المطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى القرآن فقط

- ‌أولاً: تعسف أعداء رسول الله، فى تأويل كلمة "الرسول

- ‌ثانياً: زعم أدعياء العلم والفتنة؛ بأنه لا طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى القرآن فقط

- ‌ثالثاً: الأدلة من القرآن الكريم على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم:

- ‌رابعاً: الأدلة من السنة المطهرة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم:

- ‌المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليه وشرك

- ‌الباب الثالث: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده ودفع الشبهات

- ‌الفصل الأول: عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌ المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه صلى الله عليه وسلم

- ‌أولاً: التعريف بالاجتهاد:

- ‌ثانياً: الحكمة فى اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌أولاً: الأدلة من القرآن الكريم على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌ثانياً: الأدلة من السنة النبوية على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌ثالثاً: إجماع الأمة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌الفصل الثانى: شبهة أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى

- ‌ ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى عدم عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌الجواب:

- ‌ ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب

- ‌استحباب التأسى بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبلية

- ‌نقض دليل أن السنة المطهرة ليست كلها وحى:

- ‌ هل هذا الاجتهاد فى قصة تأبير النخل معصوم فيه بوحى

- ‌الباب الرابع: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سلوكه وهديه ودفع الشبهات

- ‌ تمهيد

- ‌الفصل الأول: شبهة اختلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتب السنة

- ‌ويجاب عن ما سبق بما يلى:

- ‌الفصل الثاني: شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى صلى الله عليه وسلم بامرأة من الأنصار" والرد عليها

- ‌الفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى "نوم النبى صلى الله عليه وسلم عند أم سليم وأم حرام

- ‌الفصل الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه فى ساعة واحدة

- ‌الفصل الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "مباشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم نسائه فى المحيض

- ‌الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته صلى الله عليه وسلم لعائشة استماع الغناء والضرب بالدف

- ‌الفصل السابع: شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة

- ‌الخاتمة

- ‌ أقترح وأوصى بما يلى:

- ‌أولاً: فهرس الآيات القرآنية

- ‌ثانياً: فهرس الأحاديث والآثار

- ‌ثالثاً: فهرس الأعلام المترجم لهم

- ‌رابعاً: فهرس الأشعار

- ‌خامساً: فهرس البلدان والقبائل والفرق

- ‌ فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌أولا: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

‌أولاً: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

من القرآن الكريم والعقل:

جاءت آيات فى القرآن الكريم تثبت عصمته صلى الله عليه وسلم وصدقه فى كل ما يبلغ عن الله تعالى، وهذه الآيات تتضمن أيضاً أدلة عقلية على صدقه صلى الله عليه وسلم. من هذه الآيات ما يلى:

أ- قول الله تعالى: {وصدق الله ورسوله} (1) وقوله سبحاه: {والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} (2) والذى جاء بالصدق كما يدل عليه سياق هذه الآية هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد شهد لما جاء به من عنده سبحانه (قرآناً وسنة) سماه صدقاً، ويلزم من صدق ما أتى به، صدقه هو فى نفسه، إذ لا يأتى بالصدق إلا كامل الصدق، وذلك مما لا جدال فيه حيث كان صدقه معلوماً منذ حداثة سنه، وشهد له بذلك أعداؤه قبل أصدقائه، فإن الأعداء من الكفرة والمشركين لم يكونوا يشكون يوماً فى صدقه، كما قال عز وجل {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} (3) وكما كانوا يشهدون له بذلك فى مواقف مختلفة، تقدم ذكر بعضها (4) .

(1) جزء من الآية 22 الأحزاب.

(2)

الآية 33 الزمر.

(3)

الآية 33 الأنعام.

(4)

يراجع: ص8 - 10، وينظر: 270 - 278.

ص: 399

.. وإذا كانت الآيات السابقة شهادات حسية على صدقه فى كل ما يبلغ عن ربه، فهناك شهادات معنوية على صدقه صلى الله عليه وسلم تتمثل فى تأييد الله عز وجل له صلى الله عليه وسلم بالمعجزات المنزلة منزلة قوله عز وجل:"صدق عبدى فيما يبلغ عنى" ومن هذه المعجزات: القرآن الكريم، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتكثير الطعام، والإخبار بمغيبات كثيرة (1) وتأييده له بالنصر على الأعداء، على قلة جنده وضعف عدته فى معركة إثر معركة، ولقاء بعد لقاء، وكل ذلك منزل منزلة قول مرسله تبارك وتعالى:"صدق عبدى فيما يبلغ عنى".

إذ أن تأييده بذلك كله، وهو يدعى أنه مرسل من عند ربه، وهو على مسمع من ربه سبحانه ومرأى، وهو جل شأنه لا يزال يؤيده بكل ذلك: دليل على كمال صدقه، وعصمته فى كل ما يبلغه من قرآن وسنة، إذ لو كان بخلاف ذلك لما أيده، ولفضح أمره للملأ، كما هى سنته سبحانه فيمن حاولوا الكذب عليه.

ب- وقال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين} (2) . فهذه الآيات دليل صدقه وعصمته فى تبليغه الوحي (قرآناً وسنة) بدليل التمانع، فقد امتنع أخذه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بتلك الصفة، لامتناع تقوله عليه، وامتناع التقول عليه يعنى الصدق والعصمة فيما يقول ويبلغ عن ربه.

قلت: وفى الآيات دلالة على أن القرآن الكريم، والسنة المطهرة من عند الله تعالى وهو استدلال بما هو مقرر فى الأذهان، من أن الله عز وجل لا يقرر أحداً على أن يقول عنه كلاماً لم يقله.

(1) ينظر: دلائل النبوة لأبى نعيم 2/325 – 572، ودلائل النبوة للبيهقى 6/5 – 552 والخصائص الكبرى للسيوطى 1/78 – 443، 2/3 – 296، ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، التى ظهرت فى زماننا للدكتور عبد المهدى عبد القادر.

(2)

الآيات 44 – 47 الحاقة.

ص: 400

.. أى: لو لم يكن القرآن والسنة منزلين من عندنا، ومحمد ادعى أنهما منا، لما أقررناه على ذلك، ولعجلنا بإهلاكه. فعدم هلاكه صلى الله عليه وسلم دال على أنه لم يقل على الله ما لم يقله عزوجل، لأن "لو" حرف امتناع، لامتناع، فامتنع ذلك من الله عز وجل، لامتناع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الأشياء.

قال الحافظ ابن كثير: بعد أن فسر هذه الآيات: "والمعنى فى هذا بل هو صادق بار راشد، لأن الله عز وجل مقرر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات، والدلالات القاطعات"(1) .

وبالجملة: فالآيات من جملة مدحه، ودليل عصمته فى البلاغ لوحى الله تعالى، إذ فيها القسم على تصديقه بجميع الموجودات، وأنه لا يمكنه الافتراء عليه (2) قال تعالى:{فلا أقسم بما تبصرون. ومالا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين} (3) .

جـ- وقال سبحانه: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى} (4) فكلمة "ينطق" فى لسان العرب، تشمل كل ما يخرج من الشفتين قول أو لفظ (5) أى: ما يخرج نطقه صلى الله عليه وسلم عن رأيه، إنما هو بوحى من الله عز وجل (6) .

(1) تفسير القرآن العظيم 8/245، وينظر: الكشاف 4/607، والتحرير والتنوير 29/144.

(2)

شرح الزرقانى على المواهب 9/53.

(3)

الآيات 38 – 43 الحاقة.

(4)

الآيتان 3، 4 النجم.

(5)

ينظر: القاموس المحيط 3/277، ومختار الصحاح ص666، ولسان العرب 10/354.

(6)

الجامع لأحكام القرآن 17/84، 85.

ص: 401

.. ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه صلى الله عليه وسلم محصور فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به وليس بغيره (1) وفى هذا دليل واضح على عصمته صلى الله عليه وسلم، فى كل أمر بلغه عن ربه من كتاب وسنة، فهو لا ينطق إلا بما يوحى إليه من ربه، ولا يقول إلا ما أمر به فبلغه إلى الناس كاملاً من غير زيادة ولا نقصان، وهذه شهادة وتزكية من الله عز وجل لنبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم فى كل ما بلغه للناس من شرعه تعالى.

د- وقال عز وجل: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً} (2) فهذه الآيات من جملة الآيات المادحة للمصطفى صلى الله عليه وسلم، والشهادة بعصمته فى كل ما يبلغ عن ربه عز وجل. وحكم "كاد" فى الآيات حكم سائر الأفعال، فمعناها: منفى إذا صحبها حرف نفى، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قيل كاد زيد يبكى، فمعناه: قارب البكاء، فمقاربة البكاء ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يبكى، فمعناه: لم يقارب البكاء، فمقاربته منفية، ونفسه منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة" (3) والشرط فى الآيات على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، والمعنى: لولا ثبوت تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئاً يسيراً من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود تثبيتنا إياك.

(1) ينظر: تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص55، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص47، 48.

(2)

الآيات 73 – 75 الإسراء.

(3)

شرح الزرقانى على المواهب 9/52.

ص: 402

.. فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليهم، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته.

وبالجملة: فسياق الآيات بين واضح فى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يركن إليهم أبداً، وإلا لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره فى هذه الآيات، وحيث إن رسول الله لم يقع له شئ من ذلك، فلم يعذبه ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، ولم يتخلى عنه طرفة عين، كما تشهد بذلك سيرته العطرة، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم، لم يتقول على ربه مالم يقله، ولم يفتر شيئاً من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته فى كل ما بلغه عن ربه من وحى الله تعالى قرآناً وسنة.

قال القاضى عياض: "فى الآية دليل على أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار، وراموه من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم الآية"(1) .

هـ- وقال سبحانه: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} (2) .

(1) الشفا 2/129 وينظر: محمد مفخرة الإنسانية لمحمد فتح الله كولن 2/225.

(2)

الآية 80 النساء.

ص: 403

.. قال الإمام القسطلانى (1) : "يعنى: من أطاع الرسول لكونه رسولاً مبلغاً إلى الخلق أحكام الله فهو فى الحقيقة ما أطاع إلا الله

وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ فى شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله، وأيضاً وجب أن يكون معصوماً فى جميع أحواله، لأنه تعالى أمر بمتابعته فى قوله تعالى:{فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (2) والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له فى جميع أقواله وأفعاله، إلا ما خصه الدليل، طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى" (3) .

(1) هو أحمد بن محمد بن على القسطلانى، المصرى، الشافعى، الإمام الحافظ، العلامة، الحجة، الرحالة، الفقيه، المقرئ، المسند، من مؤلفاته النافعة: عمدة القارى بشرح صحيح البخارى، والمواهب اللدنية بالمنح المحمدية، مات سنة 923 له ترجمة فى: الضوء اللامع للسخاوى 2/103، 104، والبدر الطالع للشوكانى 1/102، 103، ومعجم المؤلفين لكحالة 2/85، والرسالة المستطرفة للكتانى ص200.

(2)

الآية 158 الأعراف.

(3)

المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى 8/505، 506.

ص: 404

و ليس أدل على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغ وحى ربه، من تبليغه حتى ما يمس جنابه العظيم، من العتاب الذى كان يوجهه الله تعالى إليه، كما هو مقتضى تأديب الله تعالى له صلى الله عليه وسلم الدال عليه ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود رضى الله يرفعه:"أدبنى ربى فأحسن تأديبى"(1) وذلك كما فى قوله جل شأنه: {يا أيها النبى لم تحرم ما أحل ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم} (2) وقوله سبحانه: {وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} (3) إلى غير ذلك من آيات العتاب التى سبق ذكرها والجواب عما يشكل من ظاهرها فى عدم عصمته صلى الله عليه وسلم (4) .

(1) سبق تخريجه ص45.

(2)

الآية الأولى التحريم.

(3)

جزء من الآية 37 الأحزاب.

(4)

يراجع ص148 – 181.

ص: 405

.. فآيات العتاب فى القرآن الكريم ما كان ليتفوه النبى صلى الله عليه وسلم بها لولا كمال عصمته فى البلاغ وكمال أمانته فيه، لأن كتمان ذلك فى نظر العقول البشرية ستر على النفس الشريفة، واستيفاء لحرمة آرائه، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه، ولذلك قال أنس بن مالك رضى الله عنه:"لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً، لكتم هذه الآية {وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} (1) وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل عليه فقد كذب، والله يقول:{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (2) ولقد صدق أنس، وصدقت عائشة رضى الله عنهما، وبرا، فما أدق استنباطهما فى الدلالة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بلاغه وحى الله إلى الناس!.

(1) الآية 37 الأحزاب، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء 13/415 رقم 7420، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان" باب معنى قول الله عز وجل:{ولقد رآه نزلة أخرى} 2/9 رقم 288 من حديث عائشة.

(2)

الآية 67 المائدة، والحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم 288، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب يا أيها الرسول بلغ الخ 8/ 124 رقم 4612، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك} .. الخ 13/512 رقم 7531.

ص: 406

ز- وقال تعالى: {وما هو على الغيب بضنين} (1) ففى هذه الآية الكريمة يزكى رب العزة نبيه، ويشهد له بالعصمة فى بلاغ الوحي، فقوله "بضنين" قرأت بالظاء، أى: ما هو على ما يخبر به من الوحي إليه، وغيره من الغيوب، بمتهم، وقرأت بالضاد "بضنين" من الضن: وهو البخل، أى: لا يبخل بالتعليم والتبليغ (2) بل يبذله لكل أحد، كما قال قتادة: كان القرآن

غيباً، فأنزله الله تعالى على محمد، فما ضن به على الناس، بل نشره وبلغه، وبذله لكل من أراده، قال الحفاظ ابن كثير: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح (3) .

ح- وقال سبحانه: {فتول عنهم فما أنت بملوم} (4) فهذه شهادة من رب العزة لنبيه صلى الله عليه وسلم بالبلاغ المبين وعصمته فيه، حيث أباح لنبيه الإعراض عن المشركين، وأخبر أنه غير ملوم فى إعراضه عنهم، وما ذاك إلا لأنه أدى لهم الرسالة، وبذل معهم غاية الجهد، بحيث إنهم اعترفوا بذلك فى قولهم كما حكاه رب العزة عنهم:{أهذا الذى بعث الله رسولا إن كان ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} (5) .

قال الإمام الزمخشرى: "قولهم إن كاد ليضلنا دليل على فرض مجاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى دعوتهم، وبذل قصارى الوسع والطاقة فى استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم، حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم، واستمساكهم بعبادة آلهتهم"(6) .

(1) الآية 24 التكوير.

(2)

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى 5/290، 291.

(3)

تفسير القرآن العظيم 8/362، وينظر: النبأ العظيم للدكتور محمد دراز ص24 – 27.

(4)

الآية 54 الزاريات.

(5)

الآيتان 41، 42 الفرقان.

(6)

الكشاف 3/93.

ص: 407

.. وبعد: فهذه شهادات من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم بعصمته فى أداء واجب البلاغ على أكمل وجه (وكفى بالله شهيداً) ولم يكتف عز وجل لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الشهادات، بل لقد أضاف إليها شهادة أخرى بأسلوب آخر، حيث قال جل شأنه:{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً} (1) فإن كمال الدين لا يكون إلا بالتبليغ لجميع أحكامه، وما أوحى الله إليه من كتاب وسنة، وعصمته فى هذا البلاغ.

(1) جزء من الآية 3 المائدة.

ص: 408

.. ومع ما شهد الله له بالعصمة فى بلاغ الوحي، فإنه عليه الصلاة والسلام أحب أن تشهد له أمته بذلك فاستنطقها بذلك فى أعظم المحافل، وذلك فى يوم عرفه فى حجة الوداع، حيث قال لهم فى خطبته العظيمة ذلك اليوم:"وأنتم تسالون عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات"(1) فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم (2) وفى حديث سمرة بن جندب رضى الله عنه (3) فى قصة الكسوف قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، إنما أنا بشر، ورسول الله، فأذكركم الله إن كنتم تعلمون إنى قصرت عن شئ من تبليغ رسالات ربى لما أخبرتمونى! قال: فقام الناس فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذى عليك"(4) .

فهكذا كانت سناء أخلاقه صلى الله عليه وسلم العظيمة تحمله على أن يتحسس من أصحابه أن يخبروه إن وجدوا منه صلى الله عليه وسلم تقصيراً فى واجب البلاغ، وذلك لكمال خشيته لله عز وجل وأمانته فيما اؤتمن عليه، وإلا فإنه يعلم أنه المعصوم عن ذلك، فإن كان جانب البشرية منه يجوز له التقصير، فإن واجب العصمة تمنعه منه، ويدفعه إلى كمال البلاغ.

(1) جزء من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه فى بيان حجة النبى صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب حجة النبى صلى الله عليه وسلم 4/429، 432 رقم 1218.

(2)

تفسير القرآن العظيم 3/142.

(3)

صحابى جليل له ترجمة فى أسد الغابة 2/554 رقم 2242، والاستيعاب 2/653 رقم 1063، ومشاهير علماء الأمصار ص49 رقم 223، والرياض المستطابة ص107، 108.

(4)

أخرجه الحاكم فى المستدرك 1/478، 479 رقم 1230 وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.

ص: 409