الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
…
ثبت فيما سبق ثبوتاً قطعياً من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب أو نحو ذلك من مظاهر الكفر، والشرك، والشك، والضلال والغفلة، وكذا عصمته صلى الله عليه وسلم من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس عقله وخلقه بسوء؛ ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يُقدِّر على نبيه صلى الله عليه وسلم، عكس ذلك بعد اصطفائه فقد ظن السوء بربه. أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب.
.. وكما ظهر قديماً من يطعن فى عصمة الأنبياء ممن لا يعتد بخلافهم من الأزرقة، والكرامية، والرافضة وغيرهم فقد ظهر حديثاً أذيالهم من المنكرين لسنة المعصوم صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة الواردة فيها، ومن عجيب أمر هؤلاء الأذيال تحمسهم لفكرة أن الأنبياء غير معصومين، أكثر من أسلافهم، إذ تجرأوا على أنبياء الله عز وجل بجعلهم أقل مرتبة من سائر البشر، وحال لسانهم يقول: الأنبياء أناس يخطئون كما يخطئ عامة الناس، بل إن الله قد يتوب على عامة الناس، ولا يتوب عليهم، وليس أدل على ذلك من زعم بعضهم أن "وصف الأنبياء بالعصمة المطلقة تأليه لهم، وأنهم معرضون للوقوع فى أعظم الذنوب وهو الشرك الأكبر، وأنهم سيحاسبون أمام الله يوم القيامة"(1) ومن هنا زعموا أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليه وشرك" (2) وتجرأ بعضهم على كتاب الله عز وجل زاعماً: "أن القرآن الكريم لم يعتبر النبى صلى الله عليه وسلم معصوماً" (3) بل ويذهب إلى أن الاعتقاد بعصمة الأنبياء فى الإسلام دخيل عليه من النصرانية إذ يقول: "دخلت فكرة عصمة الأنبياء، إلى الفكر الإسلامى نقلاً عن الفكر المسيحى الذى يؤمن بأن المسيح اقنوم "صورة" لله، وأنه لذلك لا يمكن أن يخطئ، لأنه معصوم بطبيعته من الوقوع فى الخطأ" (4) متجاهلاً أن حقوق الأنبياء واحدة لا تختلف أبداً، فما يجب فى حق واحد منهم يجب كذلك فى حق الجميع، وما يستحيل فى حق واحد منهم يستحيل كذلك فى حق الجميع، لأنهم متساوون فيما يجب
(1) الأنبياء فى القرآن الكريم لأحمد صبحى ص30، 40، 74 وينظر: القرآن والحديث والإسلام لرشاد خليفة ص8 – 10، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص286.
(2)
سيأتى تفصيل تلك الشبهة والرد عليها ص377.
(3)
الإسلام السياسى للمستشار العشماوى ص86.
(4)
أصول الشريعة للعشماوى ص143، وقارن بكتابة معالم الإسلام ص148 حيث أثبت عصمته صلى الله عليه وسلم.
لهم، وما يستحيل عليهم بمقتضى قوله تعالى:{لا نفرق بين أحد من رسله} (1) وقوله سبحانه: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يأتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً} (2) وقوله عز وجل: {قل ما كنت بدعاً من الرسل} (3) ومن هنا كان الدفاع عن عصمة نبينا صلى الله عليه وسلم دفاع عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
…
والمتتبع للمروجين لفرية عدم عصمة الأنبياء، يهون عليه أنه يجدهم جميعاً من أصحاب المنافع والشهوات، أو من أصحاب الأغراض، وأرباب الهوى.
…
وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى صلى الله عليه وسلم إلى بعض النصوص القرآنية والنبوية التى قد يتوهم من ظاهرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى ضلال أو غفلة قبل نبوته، أو فى شك، وتأثير للشيطان، عليه بعد البعثة، وكلك نصوص وردت فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القرآن الكريم (4) وهذه التنبيهات قد تبدو فى الظاهر وكأنها تمس عصمته صلى الله عليه وسلم، فأخذوا يلوون تلك النصوص، ويحملونها من المعانى مالا تحتمل، إلا أنهم لن يستطيعوا بهذه الحيلة أن يضللوا الأمة.
…
وسوف أعرض لهذه النصوص والتنبيهات، وأبين التوجيه الصحيح لها بما يبين الحق، ويصحح الفهم، ويزيل ما يقع من الوهم إن شاء الله تعالى، آملاً منه عز وجل التوفيق والهداية إلى ما فيه السداد، وحسن الأدب فى بيان المراد. فإلى بيان ذلك فى المبحثين التاليين.
(1) جزء من الآية 285 البقرة.
(2)
الآية 152 النساء.
(3)
الآية 9 الأحقاف.
(4)
ينظر: الأصلان العظيمان لجمال البنا ص232 حيث استدل بتلك التنبيهات على عدم عصمة الأنبياء.