المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ويجاب عن ما سبق بما يلى: - رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

[عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى]

فهرس الكتاب

- ‌هذا الكتاب

- ‌مقدمة من الباحث

- ‌الإهداء

- ‌كلمة شكر وتقدير

- ‌المقدمة

- ‌خطة البحث:

- ‌منهجى فى البحث:

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول: التعريف بالعصمة

- ‌أولاً: التعريف بالعصمة لغة وشرعاً

- ‌أ- المعنى اللغوى:

- ‌ب- المعنى الشرعى:

- ‌ج- مواضع العصمة:

- ‌ثانياً: العصمة سبيل حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة:

- ‌ثالثاً: العصمة سبيل الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم:

- ‌المبحث الثانى: أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام

- ‌أولاً: أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم

- ‌ثانياً: أهمية السيرة العطرة فى فهم السنة الشريفة:

- ‌ثالثا: أهمية السيرة العطرة فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً:

- ‌الباب الأول:عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه ودفع الشبهات

- ‌ تمهيد

- ‌الفصل الأول: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه

- ‌المبحث الأول: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى عقله

- ‌أ- عصمته صلى الله عليه وسلم من كيد إبليس وجنوده:

- ‌ب- عصمته صلى الله عليه وسلم من الجهالات:

- ‌جـ- عصمته صلى الله عليه وسلم من التعرى

- ‌د- عصمته صلى الله عليه وسلم من أكل ما ذبح على النصب

- ‌هـ عصمته صلى الله عليه وسلم من الحلف بأسماء الأصنام

- ‌و عصمته صلى الله عليه وسلم من استلام الأصنام

- ‌ز- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم شق صدره الشريف:

- ‌ح- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم تكافؤ أخلاقه:

- ‌ط- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم كمال عقله:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى بدنه

- ‌ المراد بعصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه هنا، عصمته من القتل

- ‌خصوصية عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه من القتل:

- ‌ نماذج من كفاية الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل

- ‌المطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌{عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}

- ‌{ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض

- ‌{عبس وتولى. أن جاءه الأعمى

- ‌ وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه

- ‌{يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك

- ‌المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌ تمهيد

- ‌المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي

- ‌المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم

- ‌المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "أَهَجَرَ

- ‌الباب الثانى: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي ودفع الشبهات

- ‌الفصل الأول: عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ تمهيد

- ‌المبحث الأول: التعريف بالوحي لغة، وشرعاً، وكيفياته

- ‌أولاً: التعريف بالوحي:

- ‌أ- من حيث اللغة:

- ‌ب- معناه الشرعى:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌مجالات البلاغ الذى أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم:

- ‌أولاً: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ثانياً: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ثالثاً: من دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي، إجماع الأمة:

- ‌الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها

- ‌المبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى

- ‌ تمهيد

- ‌المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليه

- ‌المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية

- ‌المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية

- ‌المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها

- ‌أولاً: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به

- ‌ثانياً: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها

- ‌ثالثاً: مخالفة القصة لحقائق تاريخ السيرة العطرة

- ‌رابعاً: ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين

- ‌خامساً: القصة لم يخرجها أصحاب الكتب الصحاح:

- ‌سادساً: سؤال بعضهم:

- ‌سابعاً: الرد على المثبتين للقصة:

- ‌معنى آية التمنى:

- ‌المبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصرة على بلاغ القرآن فقط

- ‌المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست له سنة نبوية

- ‌أ- الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة وحى من الله تعالى:

- ‌ب- الأدلة من السنة النبوية على أنها وحى من الله تعالى:

- ‌جـ- السلف يؤمنون بأن السنة وحى:

- ‌المطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى القرآن فقط

- ‌أولاً: تعسف أعداء رسول الله، فى تأويل كلمة "الرسول

- ‌ثانياً: زعم أدعياء العلم والفتنة؛ بأنه لا طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى القرآن فقط

- ‌ثالثاً: الأدلة من القرآن الكريم على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم:

- ‌رابعاً: الأدلة من السنة المطهرة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم:

- ‌المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليه وشرك

- ‌الباب الثالث: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده ودفع الشبهات

- ‌الفصل الأول: عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌ المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه صلى الله عليه وسلم

- ‌أولاً: التعريف بالاجتهاد:

- ‌ثانياً: الحكمة فى اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌أولاً: الأدلة من القرآن الكريم على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌ثانياً: الأدلة من السنة النبوية على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌ثالثاً: إجماع الأمة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌الفصل الثانى: شبهة أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى

- ‌ ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى عدم عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌الجواب:

- ‌ ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب

- ‌استحباب التأسى بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبلية

- ‌نقض دليل أن السنة المطهرة ليست كلها وحى:

- ‌ هل هذا الاجتهاد فى قصة تأبير النخل معصوم فيه بوحى

- ‌الباب الرابع: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سلوكه وهديه ودفع الشبهات

- ‌ تمهيد

- ‌الفصل الأول: شبهة اختلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتب السنة

- ‌ويجاب عن ما سبق بما يلى:

- ‌الفصل الثاني: شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى صلى الله عليه وسلم بامرأة من الأنصار" والرد عليها

- ‌الفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى "نوم النبى صلى الله عليه وسلم عند أم سليم وأم حرام

- ‌الفصل الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه فى ساعة واحدة

- ‌الفصل الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "مباشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم نسائه فى المحيض

- ‌الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته صلى الله عليه وسلم لعائشة استماع الغناء والضرب بالدف

- ‌الفصل السابع: شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة

- ‌الخاتمة

- ‌ أقترح وأوصى بما يلى:

- ‌أولاً: فهرس الآيات القرآنية

- ‌ثانياً: فهرس الأحاديث والآثار

- ‌ثالثاً: فهرس الأعلام المترجم لهم

- ‌رابعاً: فهرس الأشعار

- ‌خامساً: فهرس البلدان والقبائل والفرق

- ‌ فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌ويجاب عن ما سبق بما يلى:

‌ويجاب عن ما سبق بما يلى:

أولاً: إذا كان أعداء الإسلام من خصوم السنة المطهرة، يتظاهرون هنا كذباً بأنهم يدافعون عن سيرة النبى صلى الله عليه وسلم الواردة فى السنة النبوية فقد سبق أن وجدت بعضهم يطعن صراحة فى سيرته صلى الله عليه وسلم مستشهداً بالقرآن الكريم، وزاعماً كذباً أنه صلى الله عليه وسلم غير معصوم، ويجوز عليه الشرك الأكبر، وأنه كان فى ضلال وغفلة قبل الرسالة، إلى غير ذلك من افتراءاتهم التى سبق الجواب عنها فى موضعها.

ثانياً: من المقرر عند علماء المسلمين كافة أنه ليس لأحد أن يرسم من خياله صورة لنبى مرسل، ولا أن يحدد شخصيته ودوره، وسيرته فى أمته، سواء كان هذا النبى هو النبى الخاتم صلى الله عليه وسلم، أو غيره من الأنبياء.

فالأنبياء جميعاً – عليهم الصلاة والسلام – قد اصطنعهم الله عز وجل لنفسه، وهو قد صنعهم على عينه، كما قال عز وجل فى حق سيدنا موسى عليه السلام {وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى} (1) وقال سبحانه:{واصطنعتك لنفسى} (2) .

وإثبات اصطناع الله عز وجل لواحد من الأنبياء، هو إثبات لاصطناع سائر الأنبياء، لأن حقوقهم واحدة من هذه الناحية لا تختلف أبداً، فما يجب فى حق واحد منهم يجب كذلك فى حق الجميع، وما يستحيل فى حق واحد منهم يستحيل كذلك فى حق الجميع.

وعليه فالله عز وجل وحده الذى يستطيع أن يرسم لنا صورة لمن اصطنعه لنفسه، وصنعه على عينه، ويحدد لنا شخصيته ودوره، وسيرته.. الخ هذا كله لله عز وجل وحده، وليس لأحد أن يتدخل فى شئ منه.

(1) الآية 39 طه.

(2)

الآية 41 طه.

ص: 650

ثالثاً: بناء على ما سبق فقد اعتبر العلماء أن سيرة النبى صلى الله عليه وسلم وشخصيته العطرة حددها رب العزة فى كتابه العزيز. واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام مسلم وغيره من طريق سعد بن هشام بن عامر (1) أنه سأل عائشة رضى الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "يا أم المؤمنين أنبئينى عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شئ حتى أموت"(2) .

(1) الأنصارى، المدنى، ابن عم أنس بن مالك رضى الله عنه، روى عن عائشة وابن عباس وغيرهم ثقة، مات بأرض الهند غازياً. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 1/346 رقم 2265، والجمع بين رجال الصحيحين 1/159 رقم 614، ومشاهير علماء الأمصار ص115 رقم 659.

(2)

جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض 3/279 رقم 746.

ص: 651

.. وفى رواية عنها قالت: "كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. ثم قالت أتقرءون سورة "المؤمنون"؟ قال: قلنا نعم، فقالت: اقرأ، قال: فقرأت: {قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون} (1) فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) وفى رواية ثالثة قالت: "كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه" (3) .

وهذا الجواب الوجيز الجامع من أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: "فإن خلق نبى الله القرآن" أجمع وصف يعرف به شخصيته صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة.

فقد أفادت عائشة رضى الله عنها السائل أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل القرآن فى أقواله وأفعاله، وأوامره، ونواهيه "وأن كلامه كان مطابقاً للقرآن تفصيلاً وتبياناً، وعلومه علوم القرآن، وإرادته وأعماله: ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه: لما منع منه القرآن، ورغبته: فيما رغب فيه القرآن، وزهده: فيما زهد فيه، وكراهيته لما كرهه، ومحبته لما أحبه، وسعيه فى تنفيذ أوامره.

فترجمت أم المؤمنين رضى الله عنها لكمال معرفتها بالقرآن، وبالرسول صلى الله عليه وسلم، عن هذا كله بقولها: كان خلقه القرآن، وقد حسن تعبيرها وجمع من المعانى مالا يجمعه كثير الكلام.

(1) الآيات 1 – 5 المؤمنون.

(2)

أخرجه أبو الشيخ فى أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم وآدابه ص27، والنسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب سورة المؤمنون 6/412 رقم 11350، والحاكم فى المستدرك 2/426 رقم 3480 وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد 1/407 رقم 308، والبيهقى فى دلائل النبوة 1/309.

(3)

أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة 1/309 من رواية أبى الدرداء رضى الله عنه.

ص: 652

.. وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى" (1) فهم أن يقوم ولا يسألها عن شئ كما جاء فى الحديث، وتأهب لأن يرجع إلى القرآن فيبحث عن مكنونات جواهره الأخلاقية، ويستدل بها على أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم، لأنه كان أوفى من يطبق آياته.

ولا ريب أنه إن فعل ذلك فإنه سيجد بغيته كاملة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان متمسكاً بآداب القرآن وأوامره، ونواهيه، وجميع ما قصه الله تعالى! فى كتابه من مكارم الأخلاق عن نبى أو ولى، أو حث عليه أو ندب إليه، كان صلى الله عليه وسلم متخلقاً به.

وكل ما نهى عنه ونزه عباده عنه، كان صلى الله عليه وسلم لا يحوم حوله، لأنه كان يبين القرآن بأقواله وأفعاله وأحواله، وتلك هى مهمته التى كلفه الله تعالى بها بمثل قوله عز وجل:{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} (2) .

ولأن الإحاطة بكل أخلاقه صلى الله عليه وسلم، والتعرض لحصر جزئياتها تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، وأمر يطول، أرادت السيدة عائشة رضى الله عنها أن تقرب للسائل إدراك ما لابد من إدراكه من تلك الجزئيات الأخلاقية فأوقفته على مثال واحد، وهو ما تضمنته مقدمة سورة المؤمنون" ليذهب فيستضئ بذلك المثال، لاستنباط أخلاقه صلى الله عليه وسلم من القرآن على ذلك الغرار.

(1) شرح الزرقانى على المواهب اللدنية 8/441 بتصرف يسير.

(2)

الآية 44 النحل.

ص: 653

أو دلته على منهج يتبعه فى الوقوف على جزئيات أخلاقه صلى الله عليه وسلم من خلال القرآن، كما فى رواية:"كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه"(1) فدلته على المواطن التى فيها رضا لله تعالى من صنوف الطاعات والقربات، فيعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قد كان متخلقاً بها، ويرضيه انتهاجها من نفسه، ومن أمته، وعلى المواطن التى فيها إغضاب لله تعالى من صنوف الإشراك والمعاصى، فيعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان فى غاية البعد عنها، وأنه يغضب لاقترافها، والعمل بها من أحد من البشر، وإذا غضب لله فلا يقوم لغضبه أحد كما لا يخفى.

إذن كلمة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: "فإن خلق نبى الله كان القرآن" تعنى: أنه صلى الله عليه وسلم هو والقرآن كيان واحد، يتمثل فى شخصه الكريم، كل ما فى القرآن الكريم من أخلاق، وآداب، وفضائل، ومكارم، يترجمه صلى الله عليه وسلم فى كل كلامه وأفعاله بما فيها حركاته وسكناته، حتى استحق من ربه عز وجل الثناء العظيم فى قوله تعالى:{وإنك لعلى خلق عظيم} (2) .

وأستطيع أن أقول بدون تردد: إن القرآن الكريم هو شريعة الإسلام قولاً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو شريعة الإسلام عملاً فحياته صلى الله عليه وسلم كلها، وما صدر عنه فيها من أقوال، وأفعال وتقديرات حتى الحركات والسكنات، هى تفصيل وبيان وترجمة حية لما اشتمل عليه القرآن الكريم من عقائد، أو عبادات، أو معاملات أو أخلاق، أو حدود، أو أحوال شخصية

الخ.

(1) سبق تخريجه قريباً.

(2)

الآية 4 القلم. وينظر: أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم فى القرآن والسنة للدكتور أحمد الحداد 1/78، 79، وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية 8/440، 441.

ص: 654

.. وإذن فلم تكن هذه المفتريات التى زعمها أعداء الإسلام من خصوم السنة على سيرة النبى صلى الله عليه وسلم الواردة فى صحيح السنة النبوية، لم يكن مقصوداً بها الرسول لذاته، وإنما كانت غايتها تدمير الشريعة وصاحب الشريعة جميعاً، ثم يتأتى من وراء ذلك تدمير المجتمع الإسلامى كله!.

والنتيجة من كل ما سبق: أن القرآن الكريم خير مصدر لمعرفة شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرته الشريفة، معرفة واضحة دقيقة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

فالقرآن الكريم هو الباعث لتشخيص شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته منذ البعثة وما بعدها، وهو أيضاً المسيطر على دفع أو كبح أو تعديل حركة السيرة، والإشراف المتحكم بمفاهيم وقائعها (1) .

رابعاً: إذا كان القرآن الكريم هو الباعث لتشخيص شخصية السيرة النبوية، وكانت تلك السيرة العطرة هى الترجمة الحية لذلك الكتاب العزيز عرفت هنا فقط: أن كتاب السيرة النبوية وعلماءها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة، إلا تثبيت ما هو ثابت منها، بمقياس علمى، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم.

فإن انتهت بهم هذه القواعد العلمية الدقيقة إلى أخبار ووقائع، وقفوا عندها ودونوها، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعتهم النفسية، أو مألوفاتهم البيئية إلى شئ من تلك الوقائع بأى تلاعب أو تحوير.

لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التى يتم الوصول إلى معرفتها، بالقواعد العلمية التى تتسم بمنتهى الدقة، حقيقة مقدسة، يجب أن تجلى أمام الأبصار والبصائر كما هى.

(1) ينظر: المؤتمر العالمى الرابع للسيرة والسنة 2/552 مقال الدكتور عبد الجليل عبد الرحيم بعنوان: أهمية السيرة فى تفسير القرآن.

ص: 655

.. كما كانوا يرون أن من الخيانة العلمية والدينية التى لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية؛ والرغبات النفسية، التى هى فى الغالب من انعكاسات البيئة، ومن ثمار العصبية، حاكم مسلط يستبعد منها ما يشاء، ويحور فيها كما يريد.

ضمن هذه الوقاية من القواعد العلمية، وعلى ذلك الأساس من النظرة الموضوعية للتاريخ، وصلت إلينا سيرة المعصوم صلى الله عليه وسلم بدءاً من نسبه، وولادته، إلى طفولته، فصبوته اليافعة، إلى الإرهاصات الخارقة التى صاحبت مراحل طفولته، وشبابه، إلى بعثته، وظاهرة الوحي التى تجلت فى حياته، إلى أخلاقه، وصدقه، وأمانته، إلى الخوارق والمعجزات التى أجراها الله تعالى على يده، إلى مراحل الدعوة التى سار فيها لتلبية أمر ربه، من سلم، فدفاع، فجهاد مطلق حيثما طاف بالدعوة إلى الله تعالى أى تهديد، إلى الأحكام والمبادئ الشرعية التى أوحى بها إليه، قرآناً معجزاً يتلى، وأحاديث نبوية تشرح وتبين.

لقد كان العمل التاريخى إذن بالنسبة إلى هذه السلسلة من سيرته صلى الله عليه وسلم ينحصر فى نقلها إلينا محفوظة مكلوءة، ضمن تلك الوقاية العلمية التى من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله، ومن حيث الرجال وتراجمهم، ومن حيث المتن أو الحادثة، وما قد يطوف بها من شذوذ، وعلة.

أما عملية استنباط النتائج والأحكام، والمبادئ، والمعانى، من هذه الأخبار (بعد القبول التام لها) فعمل علمى آخر يميز بعلم الحديث رواية، وهو عمل علمى متميز، ومستقل بذاته، ينهض بدوره على منهج وقواعد أخرى، من شأنها أن تضبط عملية استنباط النتائج والأحكام من تلك الأحداث، ضمن قالب علمى يقصيها عن سلطان الوهم، وشهوة الإرادة النفسية، والتى عبر عنها أعداء الإسلام من خصوم السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة بصياغاتهم الخبيثة التى سبق ذكر بعضها فى أول هذا الفصل.

ص: 656

.. وهذا بخلاف أئمة الإسلام من الفقهاء والمحدثين فقد استنبطوا من أحداث السيرة النبوية طبقاً لقواعد علم الحديث رواية، أحكاماً كثيرة، منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين، ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك (1) .

إذن ليس للإمام البخارى، وغيره من أئمة السنة الشريفة، من أصحاب المصنفات الحديثية، والتاريخية، أن يرسموا شخصية النبى صلى الله عليه وسلم، ولا سيرته العطرة، لأن دورهم كما سبق، هو تسجيل تلك التراجم الحية التى اشتمل عليها القرآن الكريم، من عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق، وحدود، وغزوات، وأحوال شخصية

الخ.

خامساً: التأكد من صحة نقل السيرة النبوية الواردة فى السنة المطهرة، سهل ميسور من خلال دراسة السند والمتن، وهذا ما قام به أئمة أعلام من سلفنا الصالح، وأسفرت نتيجة جهودهم، إلى صحة أصول السيرة النبوية التى اشتملت عليها صحاح كتب السنة، وعلى رأسها الصحيحين للبخارى ومسلم، وهذان المصدران (القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة) أهم مصادر السيرة وأوثقها، وإليهما نرجع للاستيثاق مما يوجد فى المصادر الأخرى من كتب السيرة والتاريخ، والتى تتنوع بحسب موضوعاتها إلى كتب الشمائل، وكتب دلائل النبوة، وكتب المغازى، وكتب السيرة بوجه عام (2) .

سادساً: إذا كان القرآن الكريم أوثق كتاب على وجه الأرض، وكان من الثبوت المتواتر بما لا يفكر إنسان عاقل فى التشكيك بنصوصه وثبوتها التاريخى.

وإذا كانت السنة الشريفة نقلت لنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند الصحيح المتصل مما يجب أن نقبله كحقيقة تاريخية لا يخالجنا الشك فيها.

فإنك تجد نفسك فى النهاية أمام أصح سيرة وأقواها ثبوتاً متواتراً هى سيرة المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

(1) ينظر: فقه السيرة للدكتور محمد البوطى ص20، 21 بتصرف.

(2)

ينظر: دراسات فى السيرة وعلوم السنة لفضيلة الدكتور موسى لاشين ص6.

ص: 657

.. واتباع تلك السيرة المطهرة، والاهتداء بها، واعتمادها فى معرفة شخصية النبى صلى الله عليه وسلم. ليس فى ذلك عبادة للرجال الذين دونوها، كما يزعم أعداء الإسلام من خصوم السنة لأن الرجال الذين دونوها من الأئمة الأعلام، دورهم كما سبق هو تسجيل ذلك البيان النبوى للقرآن الكريم قولاً وعملاً، وتلك حقيقة علمية تاريخية لا ينكرها إلا جاحد!.

فأين عبادة الرجال التى يزعمها عبدة أهواءهم وشياطينهم؟! قال تعالى: {افرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} (1)، وقال سبحانه:{وكذلك جعلنا لكل نبى عدواً شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} (2) .

سابعاً: ليس فى الربط بين القرآن الكريم، والسنة النبوية فى تحديد شخصية وسيرة النبى صلى الله عليه وسلم، شرك وتأليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يزعم أعداء السنة المطهرة (3) ، لأن الربط هنا ربط إلهى، وطاعة لله عز وجل.

(1) الآية 23 الجاثية.

(2)

الآية 112 الأنعام.

(3)

يراجع كلام صالح الوردانى، وأحمد صبحى منصور السابق ص436، 437.

ص: 658

.. فرب العزة هو الآمر لعباده بوجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم، وتصديقه فى كل ما يخبر به من الوحي الإلهى (متلو من القرآن، أو غير متلو من السنة) قال تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا والله بما تعملون خبير} (1) وقال سبحانه: {فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (2) فالإيمان بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب متعين لا يتم إيمان إلا به، ولا يصح إسلام إلا معه لقوله تعالى:{ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً} (3) .

فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، والربط بين الإيمان به، والإيمان بالله عز وجل شرك؟! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.

وإذا وجب الإيمان به صلى الله عليه وسلم، وجب تصديقه وطاعته فيما جاء به من الكتاب والسنة، لأن ذلك مما أمرنا به المولى عز وجل فى آيات عدة منها: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} (4) وقال سبحانه: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} (5) .

فتأمل كيف جعل رب العزة طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعته، وقرن طاعته عز وجل بطاعته صلى الله عليه وسلم، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره، واجتناب نهيه.

(1) الآية 8 التغابن.

(2)

الآية 158 الأعراف.

(3)

الآية 13 الفتح، وينظر: الشفا 2/2.

(4)

الآية 59 النساء.

(5)

الآية 69 النساء.

ص: 659

قال المفسرون والأئمة: طاعة الرسول فى التزام سنته، والتسليم لما جاء به، وقالوا: ما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} (1) فمن زعم بعد ذلك أن الربط بين طاعته عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ شرك وتأليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رد على ربه عز وجل كلامه! وقد سبق تفصيل ذلك فليراجع (2) .

وجملة القول: أن منكرى السنة الذين يزعمون كذباً أن السيرة النبوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتى نقلها أهل الحديث فى كتبهم مخالفة لسيرته فى القرآن الكريم، وأن المصادر الحديثية شوهت سيرته العطرة، كذبوا فى زعمهم وتظاهرهم هذا، فقد طعنوا أيضاً فى سيرته صلى الله عليه وسلم الواردة فى القرآن الكريم بزعمهم عدم عصمته وأنه كان فى ضلال وغفلة قبل البعثة

الخ كما سبق الإشارة إلى ذلك فى أول الجواب.

وفى الحقيقة: فإن منكرى السنة، لا يريدون السنة، ولا يريدون أسانيد ولا يريدون نقله يصلون بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكيف يصلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يكرهون من يوصل إليه، ويحملونهم إلى عصره، وييسرون لهم سماعه ومشاهدة أفعاله، وأحواله، وصفاته

الخ.

إنهم يكرهون الصحابة، ويكرهون التابعين، واتباع التابعين، وتبع الأتباع، واتباع التبع

إنهم يكرهون الدواوين التى جمعت كل هذه الطرق، وحفظت هذا الاتصال، ويكرهون من جمع هذه الدواوين.

يكرهون القواعد التى وضعها العلماء لاستخلاص السنة والسيرة، من وضع الوضاعين، وخطأ المخطئين، ووهم الواهمين.. يكرهون مدرسة الحديث بكل ما فيها، ومن فيها.

(1) الآية 64 النساء. وينظر: الشفا 2/6.

(2)

فى شبهة أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليه وشرك ص377 – 385.

ص: 660