الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
.. ومن هنا فكل
ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب
، يستحب التأسى به فيها رجاء بركته مثل: أكله، وشربه، ولبسه، ومعاشرته نسائه، وجميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، يستحب التأسى به فى جميع ذلك. لأن هذه الأفعال وإن لم تصدر من الرسول صلى الله عليه وسلم قربه – إن صح التعبير – فهى فى نفسها قربة؛ نرجوا بفعلها التقرب إلى الله تعالى لما انطوى عليه فعلنا لها عن محبته التى حملنا عليها بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين"(1) .
(1) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/290 رقم 44، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان 1/75 رقم 15 من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه.
.. قال أبو شامة (1) : "ولهذا اعتنى الرواة بنقل تفاصيل أحواله فى ذلك كله، واقتدى أهل الدين والعلم من السلف، بسلوك طريقته فى ذلك، وترك التكلف فيما ينوبهم من حاجاتهم، حتى أنه لو قيل لأحدهم لا تركب الحمار، ولا تحلب الشاة، ولا تسلخها، ولا ترقع الثوب، ولا تخصف النعل، ولا تهنأ (2) البعير، لقال: كيف لا أفعل ذلك وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، أو جاء عنه أنه فعله!! (3) وقال أيضاً: "إن التأسى به صلى الله عليه وسلم فى فعله المباح هو أدنى الدرجات فى استحباب المتابعة فيها، ولهذا أكثر المصنفين من الأصوليين لا يذكرون التأسى به فيها، وما ذكرناه أولى وأصح، وله سر. وهو: أن أصل الفعل وإن كان الإنسان مضطراً إليه، فمن حيث الحاجة لا يفعله تأسياً بالنبى صلى الله عليه وسلم، بل من حيث إيقاعه على هيئة مخصوصة نقلت عن النبى صلى الله عليه وسلم، أو استعمال شئ مخصوص، مع أنه يمكنه استعمال غيره.
(1) هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسى، الدمشقى، الشافعى، إمام، حافظ، فقيه، مقرئ، نحوى، مؤرخ. من مصنفاته: شرح القصيدة الشاطبية، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، والمحقق من علم الأصول، مات سنة 665هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى 1/268 رقم 254، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص510 رقم 1123، وطبقات القراء للذهبى 2/537، وبغية الوعاة للسيوطى 2/77.
(2)
هنأ فلاناً هنأ: أعطاه طعاماً أو نحوه، وكل أمر أتى بلا تعب فهو هنئ. ينظر: مختار الصحاح ص700، والقاموس المحيط 1/34.
(3)
المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ص80.
.. والفقهاء أرباب المذاهب يستحبون من هذا النوع أشياء، وهو ما إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئاً، ذلك الشئ يقع على هيئات مختلفة وقد نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه أوقعه على بعض تلك الهيئات، فأهل العلم يستحبون أن يوقع على تلك الهيئة، نحو استحبابهم سلوك طريق المأزمين (1) والمبيت بذى طوى (2) ودخول مكة من الثنية العليا، والخروج من الثنية السفلى (3) ونزوله بالمحصب (4) وكهيئة الأصابع فى التشهد (5) .
(1) بفتح الميم، وإسكان الهمزة، وكسر الزاى. تثنية مأزم: موضع معروف بين عرفة والمشعر. وهو فى الأصل: المضيق فى الجبال حين يلتقى بعضها ببعض، ويتسع ما وراءه. معجم البلدان 5/40.
(2)
فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بذى طوى حتى أصبح ثم دخل مكة قال: وكان عبد الله يفعل ذلك" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب المبيت بذى طوى 5/8 رقم 1259، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب الإهلال مستقبل القبلة 3/482 رقم 1553.
(3)
فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب من أين يخرج من مكة 3/510 رقم 1576، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا 5/6 رقم 1257.
(4)
فعن أنس بن مالك رضى الله عنه "أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب طواف الوداع 3/684 رقم 1756.
(5)
فعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: "كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا جلس فى الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليسرى" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب صفة الجلوس فى الصلاة 3/86 رقم 580.
.. وقالوا: يستحب أن لا ينقص فى الغسل من صاع، ولا فى الوضوء من مد، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم (1) إلى أحكام كثيرة لا تحصى لمن تتبعها.
…
فمتابعته صلى الله عليه وسلم فى تلك الأفعال التى يكاد يقطع فيها بخلوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى فى التشهد، يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريباً للنفس على الجموح، وتمريناً لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك؛ فلا تخل بعده بشئ مما فيه قربة وإن خفيت.
…
فإن النفس مهما سومحت فى اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه. فهذا ونحوه هو الذى يظهر لى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يلاحظه ويراقبه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره صلى الله عليه وسلم قال نافع (2) :"لو رأيت ابن عمر يتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلت هذا مجنون"(3) .
(1) فعن أنس ابن مالك رضى الله عنه قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد 1/364 رقم 201، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء فى غسل الجنابة 2/240 رقم 325.
(2)
هو: أبو عبد الله المدنى، مولى ابن عمر، ثقة، ثبت، فقيه، مشهور. مات سنة 119هـ له ترجمة فى: تقريب التهذيب 2/239 رقم 7112، ومشاهير علماء الأمصار ص104 رقم 578، وتاريخ الثقات لابن شاهين ص322 رقم 1403، وتاريخ الثقات للعجلى ص447 رقم 1679.
(3)
أخرجه الحاكم فى المستدرك 3/647 رقم 6376 وسكت عنه، وحذفه الذهبى من التلخيص، وأخرجه أبو نعيم فى حلية الأولياء 1/310. وأخرج أبو نعيم أيضاً عن عاصم الأحوال عمن حدثه قال:"كان ابن عمر إذا رآه أحد ظن أن به شيئاً من تتبعه آثار النبى صلى الله عليه وسلم".