الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبعد: فإذا ثبت لك بصريح القرآن الكريم، أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أوامر ونواهى وأحكام، خارج كتاب الله عز وجل، وأن هذه الأوامر والنواهى والأحكام هى بيانه للقرآن، وهو بيان منزل من عند الله عز وجل دل ذلك على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، طاعة واجبة لهذا البيان مع طاعته لكتاب الله تعالى.
كما دل ذلك على أن عشرات الآيات القرآنية التى تتحدث عن طاعته صلى الله عليه وسلم إنما تعنى إطاعة شخصه الكريم فيما يبلغ من وحى الله تعالى قرآناً وسنة؛ وليس كما يزعم أعداء عصمته صلى الله عليه وسلم، طاعته فى القرآن فقط. وإليك نماذج من تلك الآيات.
ثالثاً: الأدلة من القرآن الكريم على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم:
…
اشتدت عناية القرآن الكريم بتلك المسألة، فوجه إليها آيات كثيرة، تنوعت بين آيات تأمر فى وضوح بوجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم، وبين آيات أخرى تأمر بوجوب طاعته صلى الله عليه وسلم، طاعة مطلقة، فيما يأمر به وينهى عنه، وبين آيات أخرى، تنهى عن مخالفته صلى الله عليه وسلم، وتحذر من ذلك.
…
واستعراض تلك الآيات أمر يطول، ولذا سوف أكتفى ببعض هذه الآيات فقط، مع بيان دلالتها على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل} (1) .
وقال سبحانه: {فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (2) .
(1) الآية 136 النساء.
(2)
الآية 158 الأعراف.
قال الإمام الشافعى: "فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذى ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به تعالى ولم يؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله معه (1) ، وبمقتضى هذا الإيمان وجبت طاعته صلى الله عليه وسلم، فى كل ما يبلغه عن ربه، سواء ورد ذكره فى القرآن أم لا.
وتأمل كيف جاء الأمر باتباعه {واتبعوه لعلكم تهتدون} عقب الأمر بالإيمان به صلى الله عليه وسلم، تأكيداً على وجوب اتباعه. وإلا فإن الاتباع داخل فى الإيمان، ولكن أفرد بالذكر هنا: تنبيهاً على أهميته وعظم منزلته؛ وإذا كانت المتابعة بالإتيان بمثل فعل الغير، ثبت أن الانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل، طاعة له وانقياد لحكم الله تعالى (2) .
ومن أهم الآيات دلالة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما} (3) يقول ابن قيم الجوزية: "أقسم سبحانه بنفسه، وأكده بالنفى قبله على نفى الإيمان عن العباد، حتى يحكموا رسوله فى كل ما شجر بينهم، من الدقيق والجليل، ولم يكتف فى إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده، حتى ينتفى عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليماً، وينقادوا انقياداً"(4) ويقول أيضاً: "وفرض تحكيمه، لم يسقط بموته، بل ثابت بعد موته، كما كان ثابتاً فى حياته، وليس تحكيمه مختصاً بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد"(5) .
(1) الرسالة ص75 فقرة رقم 239، 240.
(2)
ينظر: شرح الزرقانى على المواهب اللدنية 8/506.
(3)
الآية 65 النساء.
(4)
أعلام الموقعين 1/51.
(5)
مختصر الصواعق المرسلة 2/520.
وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (1) ودلالة الآية على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم من عدة وجوه:
الوجه الأول: النداء بوصف الإيمان فى مستهل الآية: {يا أيها الذين آمنوا} ومعنى ذلك: أن المؤمنين لا يستحقون أن ينادوا بصفة الإيمان، إلا إذا نفذوا ما بعد النداء، وهو طاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولى الأمر.
الوجه الثانى: تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله تعالى، ومع رسوله صلى الله عليه وسلم، وتكرار ذلك فى آيات كثيرة كقوله:{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} (2) وقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} (3) .
…
يقول الإمام الشاطبى: "تكراره الفعل "وأطيعوا" يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما فى الكتاب، ومما ليس فيه مما هو من سنته"(4) وقال العلامة الألوسى: "وأعاد الفعل: و"أطيعوا" وإن كان طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله تعالى، واعتناء بشأنه صلى الله عليه وسلم، وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس فى القرآن، وإيذاناً بأن له صلى الله عليه وسلم، استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد فى قوله: {وأولى الأمر منكم} إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم (5) بل طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ورسوله، فإن هم أطاعوا الله ورسوله فلهم علينا حق السمع والطاعة، وإلا فلا. لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق"(6) .
(1) الآية 59 النساء.
(2)
الآية 92 المائدة.
(3)
الآية 56 النور.
(4)
الموافقات 3/38.
(5)
روح المعانى 5/6
(6)
أعلام الموقعين 1/48.
.. ومما هو جدير بالذكر هنا: أن فرض الله تعالى، طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليست له وحده، بل هى حق الأنبياء جميعاً. قال تعالى:{وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} (1) فرب العزة يقرر هنا قاعدة: أن كل رسول جاء من عنده تعالى يجب أن يطاع.
…
وقال سبحانه على لسان كثير من رسله أنهم طلبوا من أممهم أن يطيعوهم: فقال سبحانه على لسان نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وعيسى، أن كل واحد منهم قال لقومه:{فاتقوا الله وأطيعون} (2) إنهم رسل الله إلى خلقه، كلفهم بالتبليغ وعصمهم فيه، فوجب على الخلق أن يطيعوهم؛ ولماذا لا يطاع هذا الرسول، الذى جاء بالمنهج الذى يصلح الخلل فى تلك البيئة التى أرسل إليها؟ إن عدم الطاعة حينئذ؛ هو نوع من العناد والجحود والتكبر.
…
كما أن فى عدم الطاعة اتهاماً للرسالة بالقصور، واتهاماً للرسول فى عصمته من الكذب فى كل ما يبلغه عن ربه من كتاب وسنة.
(1) الآية 64 النساء.
(2)
على لسان نوح فى سورة الشعراء الآيات: 108 – 110، وعلى لسان هود فى نفس السورة الآيات: 126 – 131، وعلى لسان صالح فى نفس السورة الآية: 144، وعلى لسان لوط فى نفس السورة الآية: 163، وعلى لسان شعيب فى نفس السورة الآية: 179، وعلى لسان عيسى فى سورة آل عمران الآية 50، وفى سورة الزخرف الآية:63.
الوجه الثالث: فى آية النساء، دلالة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى:{فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول} فالرد إلى الله تعالى، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الرد إليه نفسه فى حياته، وإلى سنته بعد وفاته (1) وعلى هذا المعنى إجماع الناس كما قال ابن قيم الجوزية (2) وتعليق الرد إلى الله ورسوله على الإيمان {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} يعنى: أن الذين يردون التنازع فى مسائل دينهم وحياتهم، دقها وجلها، جليها وخفيها؛ إلى كتاب الله عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هم فقط المؤمنون حقاً؛ كما وصفتهم بذلك الآية الكريمة، أما غيرهم فلا ينطبق هذا الوصف عليهم.
…
ثم يحدثنا الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة، عن أناس يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله، ومقتضى هذا الإيمان أن يحكموا كتاب الله، وسنة رسوله فى كل شئون حياتهم، ولكنهم لا يفعلون ذلك، وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، مع أنهم قد أمورا أن يكفروا به.
…
قال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} (3) ففى نهاية الأمر، حكم الله تعالى على من يعرض عن حكمه، وحكم رسوله، ويتحاكم إلى الطواغيت بأنهم منافقون (4) .
(1) قاله: ميمون بن مهران فيما رواه عنه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم 2/187، وينظر: الرسالة للشافعى ص80، 81 فقرات رقم 264 – 266.
(2)
أعلام الموقعين1/49،وينظر: تفسير عبد الرزاق 1/162 رقم 613، وتفسير ابن جرير 5/151.
(3)
الآية 61 النساء. وقارن بالآيات 47 – 52 من سورة النور.
(4)
ينظر: تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص45، 46.
قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} (1) فقد عبر بالمضارع "يطع" وهو الذى يقتضى الحال والمستقبل، وعبر بالماضى "أطاع" الذى يدل على الوقوع والتحقق. فمن أطاع رسوله صلى الله عليه وسلم حالاً، فقد وقعت طاعته قبل ذلك طاعة لله تعالى، لأن الله تعالى هو الذى أرسله، وأمر بطاعته، لذا فمن أطاعه صلى الله عليه وسلم، كان فى الحقيقة مطيعاً لمرسله قبل أن يطيعه صلى الله عليه وسلم، ومن عصاه صلى الله عليه وسلم، كان فى الحقيقة عاصياً لمرسله قبل أن يعصيه صلى الله عليه وسلم، لأنه عز وجل مرسله، وأوجب طاعته، وحرم معصيته (2) .
وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله تعالى، لأنه لو أخطأ فى شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله عز وجل (3) .
(1) الآية 80 النساء.
(2)
محبة النبى صلى الله عليه وسلم وطاعته للدكتور خليل ملا خاطر ص309.
(3)
شرح الزرقانى على المواهب 8/505.
وأختم المطاف من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، بقوله عز وجل:{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (1) وهناك آيات كثيرة لم أتعرض لذكرها خشية الإطالة. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التى تحذر من معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتنهى عن مخالفته تجدها كثيرة، وأشير إلى بعضها فيما يلى:
قال سبحانه: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} (2) فهذا التحذير الشديد من رب العزة: "واحذروا""فإن توليتم" يدل على خطورة الإعراض والمخالفة، وأن النبى صلى الله عليه وسلم، لن يتضرر هو نفسه بإعراض من أعرض، لأنه صلى الله عليه وسلم ما عليه إلا البلاغ المبين، وقد أبلغ، وقد بين، وأشهدعلى ذلك، وإنما الذى يتضرر هو المعرض المخالف العاصى وإذا عرف العاقل المدرك، أن الذى يتوعد ويحذر هو ربه عز وجل، فكيف يكون تمسكه بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؟!.
(1) الآية 7 الحشر. وقد استدل بهذه الآية على أن ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم حجة تجب طاعته فيه، ابن مسعود. ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب وما آتاكم الرسول فخذوه 8/498 رقم 4886، كما استدل بها أيضاً عمران بن حصين، ينظر: دلائل النبوة للبيهقى 1/25، 26، ومفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص21، واستشهد بالآية أيضاً الإمام الشافعى على حجية قول الرسول وطاعته. ينظر: مناقب الإمام الشافعى لفخر الدين الرازى ص304، والفقيه والمتفقه للخطيب 1/445 رقم 468.
(2)
الآية 92 المائدة.
وقال سبحانه: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (1) وفى تفسير هذه الآية يسوق ابن العربى بإسناده عن سفيان بن عيينة قال: سمعت مالك بن أنس – وأتاه رجل – فقال: يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال: من ذى الحليفة (2) من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنى أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل. قال: إنى أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإنى أخشى عليك الفتنة. قال: وأى فتنة فى هذا؟ إنما هى أميال أزيدها. قال: وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنى سمعت الله يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (3) .
هذا وفى الآية دلالتها الصريحة على وجود طاعة استقلالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سنه، مما لم يرد فى القرآن الكريم؛ لأنه لو كان الأمر قاصراً على ما جاء به من القرآن فقط، كما يزعم أعداء عصمته صلى الله عليه وسلم، لما كان للتحذير من مخالفته فى أمره أى جديد!.
وقال تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} (4) .
وقال سبحانه: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا} (5) .
وقال عز وجل: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم} (6) .
(1) الآية 63 النور.
(2)
المكان الذى يحرم منه أهل المدينة بالحج، وبه بئر يسمى بئر على، وأصبح الآن يعرف باسم "آبار على" وبه مسجد كبير.
(3)
أحكام القرآن لابن العربى 3/1400، 1401.
(4)
الآية 14 النساء.
(5)
الآيتان 40، 41 النساء.
(6)
الآية 32 محمد.