الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السليم الفطرة، الطاهر الروح، كما فى قوله تعالى:{وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} (1) .
الإلهام الغريزى للحيوان أو ما يطلق عليه بعض العلماء الأمر الكونى كالوحي إلى النحل، وذلك كما فى قوله تعالى:{وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون} (2) .
ومما يشير إلى هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها} (3) ويدخل تحت ذلك كل الأوامر الكونية للجمادات وغيرها.
وسوسة الشياطين كما فى قوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} (4) .
وهذه الأقسام كلها ليست هى المرادة من اصطلاح الوحي فى علوم القرآن والسنة إذ المراد: الوحي الشرعى الذى جاء إلى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
ب- معناه الشرعى:
قال الحافظ ابن حجر: هو الإعلام بالشرع (5) .
وعرفه الأستاذ الإمام محمد عبده بقوله: هو عرفان يجده الشخص (6) من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة (7) .
(1) الآية 111 المائدة.
(2)
الآية 68 النحل.
(3)
الآيتان 11، 12 فصلت.
(4)
الآية 121 الأنعام.
(5)
فتح البارى 1/14،15، كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم 0
(6)
لا أوافق على كلمة (الشخص) لأن الوحي المعرف هو الوحي الشرعى، والوحي الشرعى خاص بالأنبياء، فلا يجوز أن يطلق على الأنبياء هذا التعريف بكلمة (الشخص) لأن الشخص أعم فيدخل فى ذلك الإلهام إلى غير الأنبياء، اللهم إلا إذا كان الشيخ محمد عبده يعرف الوحي من جهته العامة، فلا يكون ذلك تعريفاً للوحى الشرعى.
(7)
رسالة التوحيد ص58.
وعرفه البعض بأنه كلام الله المنزل على النبى الموحى إليه (1) .
وبالنظر فى هذه التعريفات تلاحظ أنها جاءت متنوعة تبعاً لتنوع الاعتبارات، فمن نظر إلى المعنى المصدرى عرفه بالتعريف الأول، ومن نظر إلى المعنى الحاصل بالمصدر، عرفه بالثانى، ومن نظر إلى الموحى به، عرفه بالثالث، وهو المختار عندى. والله أعلم.
ثانياً: كيفيات الوحي:
…
هذه الكيفيات ذكرها غير واحد من العلماء (2) وهى بتصرف واختصار، على النحو التالى:
(1) عمدة القارى شرح صحيح البخارى لبدر الدين العينى 1/15، وينظر: مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ الزرقانى 1/64، والوحي فى الإسلام وأهميته فى الحضارة الإنسانية للدكتور رؤف شلبى ص29، 30.
(2)
ينظر على سبيل المثال: زاد المعاد لابن قيم الجوزية 1/78 – 80، وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية 1/420 – 437، ودلائل النبوة للبيهقى 7/52 – 57، والبداية والنهاية لابن كثير 3/20 – 22، والإتقان فى علوم القرآن للسيوطى 1/127 فقرة رقم 546، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور أبى شهبة 1/269–271،والمدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى ص65– 70.
إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضى الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح – الحديث (1) وواضح من قولها رضى الله عنها: "أول ما بدئ به
…
من الوحي الرؤيا الصالحة" أن الرؤيا الصالحة، كيفية من كيفيات الوحي، وقد جاء ذلك مصرحاً به، عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رؤيا الأنبياء وحى" (2) .
…
ويبدوا هذا واضحاً فى رؤيا سيدنا إبراهيم عليه السلام فى المنام ذبح ولده إسماعيل عليه السلام، قال تعالى:{قال يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى} (3) .
…
وتجده أيضاً فى رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام، والتى تحققت بعد سنوات، قال تعالى:{إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين} (4) وتحققها قصة القرآن الكريم فى قوله عز وجل: {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقاً} (5) .
(1) سبق تخريجه ص 197 – 198.
(2)
أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 10/3221 رقم 18231 وهو من جمع المحقق إذ هذا من القدر المفقود، وأخرجه موقوفاً على ابن عباس، الحاكم فى المستدرك 2/468 رقم 3613 وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، والطبرانى بإسناد رجاله ثقات سوى شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبى مريم فهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 7/176،ومع صحة وقفه فله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأى.
(3)
الآية 102 الصافات، وفى تفسير هذه الآية قال عبيد بن عمير بن قتادة:"إن رؤيا الأنبياء وحى" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب التخفيف فى الوضوء1/287 رقم 138.
(4)
الآية 4 يوسف.
(5)
الآية 100 يوسف.
.. وفى حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قص القرآن الكريم نماذج من الرؤى وقعت بعد النبوة منها على سبيل المثال:
قوله تعالى: {إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم فى الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور} (1) ففى غزوة بدر الكبرى واجه المسلمون المشركين فى أول واقعة حربية حاسمة، وكان المشركون ضعف عدد المسلمين، وقد وقعت رؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد فيها المشركين قلة قليلة فأخبر أصحابه يومئذ بذلك، فكان تثبيتاً لهم، وكانت تلك الرؤيا مناماً كما صرح بذلك القرآن، فلا حاجة إلى تأويل بعضهم أنه رآهم بعينه التى ينام بها (2) .
وقال عز وجل: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون} (3) .
فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته فى العام السادس للهجرة برؤيا حق شاهد فيها المسلمين داخلين المسجد الحرام فى أمن تام مؤدين المناسك ولما سار المسلمون، ووصلوا إلى الحديبية (4) لم يشك جماعة منهم أن الرؤيا النبوية تتحقق عامهم هذا
…
وحين وقع ما وقع من صلح الحديبية تساءل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به" (5) .
(1) الآية 43 الأنفال.
(2)
على ما حكاه ابن جرير فى تفسيره 13/570، وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/13.
(3)
الآية 27 الفتح.
(4)
اسم قرية قريبة من مكة، سميت ببئر فيها. النهاية فى غريب الحديث 1/337.
(5)
جزء من حديث طويل، أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب الشروط فى الحرب والمصالحة مع أهل الحرب
…
الخ 5/390 رقمى 2731، 2732، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية فى الحديبية 6/377 رقم 1785.
وفعلاً ففى العام السابع، وفى ذى القعدة أدى الرسول والمسلمون عمرة القضاء، ودخلوا مكة معتمرين ملبين بعد سبع سنين طوال حرموا خلالها من رؤية الكعبة المشرفة.
ثانيها: الإلهام والقذف فى القلب من غير رؤية، بأن يلقى الله أو الملك الموكل بالوحي فى قلب نبيه ما يريد، مع تيقنه أن ما ألقى إليه من قبل الله تعالى.
…
وهذه الكيفية هى المرادة من قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً} (1) إذ يقابلها إجمال بقية الكيفيات فى قوله سبحانه: {أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء} (2) وبهذا قال أكثر المفسرين (3) .
…
ومن هذه الكيفية حديث ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، ولا يستبطئن أحد منكم رزقه، إن جبريل عليه السلام ألقى فى روعى أن أحداً منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس، واجملوا فى الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصية"(4) .
ثالثها: تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب، ولذلك صورتان:
(1) الآية 51 الشورى.
(2)
جزء من الآية 51 الشورى.
(3)
ينظر: تفسير القرآن العظيم 7/203، 204، والكشاف 3/475، 476، وأنوار التنزيل 5/85، وجامع البيان 11/28، 29، ومفاتيح الغيب 14/ 187 – 191.
(4)
أخرجه الحاكم فى المستدرك 2/5 رقم 2136 أخرجه شاهداً لحديث جابر برقم 2134 وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، وأخرجه الشافعى فى الرسالة ص93 فقرة رقم 306 عن المطلب بن حنطب، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية 10/26، 27، عن أبى أمامة، وأخرجه الخطيب فى الفقية والمتفقه 1/270 رقم 272 من طريق الشافعى، وهو إسناد مرسل كما صرح بذلك البيهقى فى السنن الكبرى 7/76.
الأولى: إما فى اليقظة: وذلك مثل ما حدث لسيدنا موسى عليه الصلاة قال تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} (1) ومثل ما حدث لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج، وهو ما عبر عنه العلماء بقولهم: أن يكلمه الله كفاحاً – أى مواجهة، حيث فرض الله عليه هناك الصلاة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى:{فأوحى إلى عبده ما أوحى} (2) .
الثانية: وإما فى المنام: كما فى حديث معاذ رضى الله عنه (3) أن النبى صلى الله عليه وسلم تأخر عنهم ذات غداة فخرج عليهم وصلى وتجاوز فى صلاته، فلما سلم قال:"كما أنتم على مصافكم"، ثم أقبل إلينا فقال: إنى سأحدثكم ما حبسنى عنكم الغداة (4) إنى قمت من الليل فصليت ما قدر لى، فنعست فى صلاتى حتى استيقظت فإذا أنا بربى عز وجل فى أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدرى فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: لا أدرى يا رب
…
الحديث" (5) .
رابعها: إرسال الملك، ولذلك ثلاث حالات:
(1) الآية 164 النساء.
(2)
الآية 10 النجم.
(3)
هو معاذ بن جبل، صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة 5/187 رقم 4960، ومشاهير علماء الأمصار ص63 رقم 321، والاستيعاب 3/1402 رقم 2416، والإصابة 3/426 رقم 8055.
(4)
المراد: ما بين صلاة الغداة وهى الصبح، وطلوع الشمس. النهاية فى غريب الحديث 3/311.
(5)
أخرجه أحمد فى مسنده 5/243، والترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة ص5/343 رقم 3235 وقال: حسن صحيح، سألت البخارى عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس فى سنن الترمذى فى الأماكن السابقة نفسها رقمى 3233، 3234، وفى المسند 1/368، وعن جابر بن سمرة أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة 1/302 رقم 465، وعن بعض أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى المسند 4/66، 5/378، وقال فى الجامع الأزهر 1/13 رجاله ثقات.
الحالة الأولى: أن يتمثل له الملك فى صورة رجل، والأصل فى ذلك نزول الملائكة على سيدنا إبراهيم عليه السلام ضيفاً مكرمين، وقدم لهم عجلاً حنيذاً، ولم يعرف أنهم ملائكة إلا حين أفصحوا له عن حقيقة أمرهم، قال تعالى:{هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم} (1) وأتى الملائكة لوطاً عليه السلام فى صورة شباب بهى جميل المنظر قال سبحانه: {ولما جاءت رسلنا لوطاً سئ بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه} (2) .
…
وبعث الله إلى مريم البتول جبريل عليه السلام فى صورة بشر سوى يبشرها باصطفائها واصطفاء وليدها، قال عز وجل:{فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً} (3) .
…
وانطلاقاً من هذه الحقيقة كان جبريل عليه السلام يتنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويتمثل لى فى صورة رجل، بحيث يراه النبى صلى الله عليه وسلم وحده ويكلمه بما أراد فيعى عنه ما يقول، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم، لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال:"وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول"(4) .
(1) الآيات 24 – 28 الذاريات.
(2)
الآيتان 77، 78 هود.
(3)
الآية 17 مريم.
(4)
سبق تخريجه ص28.
.. وقد يظهر الملك المتشكل فى صورة رجل للعيان، فيراه الناس ويسمعون كلامه للنبى صلى الله عليه وسلم، كما فى حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة، ففى نهايته قال صلى الله عليه وسلم: يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (1) . وعن ابن عمر قال: "وكان جبريل عليه السلام يأتى النبى صلى الله عليه وسلم فى صورة دحية" (2) .
الحالة الثانية: أن يأتى جبريل فى صورته التى خلقه الله عليها، وهذه الصورة نادرة وقليلة، ولا يراها إلا النبى صلى الله عليه وسلم وحده، لأن غيره لا يطيق ذلك بل ربما النبى صلى الله عليه وسلم كان لا يطيق ذلك، ولاسيما فى أول مرة وقد رأى النبى صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته الملائكية التى خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، كل جناح قد سد الأفق. مرتين:
(1) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان
…
الخ 1/177 – 179 رقم1، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام
…
الخ 1/140 رقم 50، وفى كتاب التفسير، باب إن الله عنده علم الساعة 8/373 رقم 4777.
(2)
هو: دحية بن خليفة الكلبى، أسلم قديماً، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها خلا بدر، وكان من أجمل الناس، توفى فى خلافة معاوية، له ترجمة فى: الاستيعاب 2/461 رقم 701، وأسد الغابة 2/197 رقم 1507، ومشاهير علماء الأمصار ص72 رقم 380، والإصابة 1/473 رقم 2395، والحديث أخرجه أحمد فى مسنده 2/107 وذكر الحافظ فى الإصابة 2/385 أن النسائى أخرجه أيضاً بإسناد صحيح، وأخرجه ابن سعد فى ترجمة دحية 4/250، وإسناده، وإسناد أحمد صحيح كما قال فضيلة الدكتور عبد المهدى فى المدخل إلى السنة ص68.
المرة الأولى: كانت فى الأرض، يشير إلى ذلك ما أخرجه الشيخان عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أى وهو يحدث عن فترة الوحي، بينما أنا أمشى إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت دثرونى، وصبوا على ماء بارد، وأنزل الله على {يا أيها المدثر قم فأنذر}
…
الآيات (1) . وأشار إلى هذه الصورة أيضاً قوله تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين} (2) .
المرة الثانية: كانت فى السماء عند سدرة المنتهى ليلة المعراج. وإليها أشار قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} (3) .
(1) سبق تخريجه ص201 واللفظ للبخارى.
(2)
الآية 23 التكوير.
(3)
الآيتان 13، 14 النجم.
.. وعن ابن مسعود رضى الله عنه فى تفسير قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} قال: أى ابن مسعود، إنه أى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح" (1) وفى رواية أخرى عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى قوله تعالى:{ولقد رآه نزلة أخرى} قال صلى الله عليه وسلم: رأيت جبريل عليه السلام عند السدرة له ستمائة جناح يتناثر منها تهاويل الدر" (2) ، وكون النبى صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته الملائكية مرتين، ذلك ما أشار إليه ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة مرفوعاً: "لم أره على صورته التى خلق عليها إلا مرتين" (3) وفى رواية "مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد (4) له ستمائة جناح قد سد الأفق" (5) وهى رواية مبينة لما روى مختصراً فى الصحيحين.
(1) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب فكان قاب قوسين أو أدنى 8/476 رقم 4856، وفى البابين بعده رقمى 4857، 4858، وأخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى 2/6 رقم 282.
(2)
أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب سورة النجم، تفسير قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى 6/473 رقم 11542.
(3)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب معنى قوله تعالى:{ولقد رآه نزلة أخرى} وهل رأى النبى ربه ليلة الإسراء 2/7 رقم 287، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب سورة النجم 8/472 رقم 4855.
(4)
موضع بأسفل مكة، معروف من شعابها. ينظر: النهاية 1/312، وشرح الزرقانى على المواهب 1/429.
(5)
أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة النجم 5/367 رقم 3278، وفى باب سورة الأنعام رقم 3068 وقال: حديث حسن صحيح.
والحالة الثالثة: من حالات إرسال الملك: أن يأتى جبريل على صورته الملائكية لكنه فى هذه الحال لا يرى، أى أنه يأتى خفية فيتلبس بالنبى صلى الله عليه وسلم ويتغشاه. لكن يصحب مجيئه شدة يراها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فى نحو مجئ الملك بصوت صلصلة الجرس، فيوحى إليه بما شاء الله وحيه، وقد دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال:"أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال" وفى رواية سئل صلى الله عليه وسلم هل تحس بالوحي؟ فقال: "أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض".
…
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً"(1) .
…
وبالجملة: الوجى بجميع هذه الكيفيات يصحبه علم يقينى ضرورى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن ما ألقى إليه حق من عند الله تعالى، وليس من خطرات النفس، ولا نزغات الشيطان، وهذا العلم اليقينى لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش ونحوهما.
وحى الله إلى أنبياءه قرآن وسنة:
(1) سبق تخريج الأحاديث السابقة ص27، 28.
.. الوحي المنزل على النبى الموحى إليه بناء على التعريف الثالث للوحى، بأنه كلام الله المنزل على النبى الموحى إليه. نوعان: كتاب، وسنة. قال تعالى:{وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} (1) ويقول رب العزة فى حق آل إبراهيم عليهم السلام {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً} (2) ويقول عز وجل فى حق عيسى عليه السلام: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلاً وإذا علمتك الكتاب والحكمة} (3) وقال تعالى فى حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين} (4) وقال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم} (5) .
…
وهذا يدل على أن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمان:
القسم الأول: الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته، وكيفية الوحي فى هذا القسم تكون يقظة بواسطة جبريل عليه السلام.
(1) الآية 81 آل عمران.
(2)
الآية 54 النساء.
(3)
الآية 110 المائدة.
(4)
الآية 164 آل عمران.
(5)
الآية 231 البقرة.
القسم الثانى: الحكمة (1) والمراد بها هنا السنة المطهرة قال تعالى: {واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة} (2) فالتلاوة هنا المرة بعد المرة، والمتلو هنا شيئان، أولهما: آيات الله فى كتابه، وثانيهما: الحكمة وهى: صنف آخر من الوحي المتلو، ولا يكون ذلك إلا السنة النبوية المطهرة (3) وكيفية الوحي فى هذا القسم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: توقيفى، أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ من عنده، وهذا القسم هو الأعم الأغلب من السنة النبوية، ويدخل فى هذا القسم الحديث القدسى (4) .
(1) الحكمة فى اللغة تطلق على عدة معان منها: العلم، والفقه، والعدل، والحلم، والنبوة، ينظر: لسان العرب 12/140، 141، والقاموس المحيط 4/100، والمعجم الوسيط 1/190، وبصائر ذوى التمييز للفيروز آبادى 2/490.
(2)
الآية 34 الأحزاب.
(3)
ينظر: الرسالة للإمام الشافعى ص78، 79 فقرات رقم 252 – 257، والفقيه والمتفقه للخطيب 1/258 رقم 256، ومختصر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية 2/511، والمدخل إلى السنن للبيهقى حيث نقل بأسانيده عن الحسن، وقتادة، ويحيى بن أبى كثير أنهم قالوا: الحكمة هى السنة النبوية، وسيأتى مزيد من تفصيل ذلك عند الجواب عن شبهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست له سنة ص339.
(4)
يراجع: ما سبق فى العصمة سبيل حجية القرآن والسنة ص13، 14.
أما القسم الثانى: توفيقى، وهو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح. أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك (1) كما فى حديث أبى قتاة رضى الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرأيت إن قتلت فى سبيل الله؛ تكفر عنى خطاياى؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إن قتلت فى سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لى ذلك" (2) .
…
فتأمل استدراك الوحي من خلال جبريل، لم اجتهد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بزيادة الدين فى جوابه صلى الله عليه وسلم.
…
وهذا القسم الاجتهادى التوفيقى هو الأقل فى السنة الشريفة، ويدخل فى هذا القسم ما صدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة والطبيعة وأقره الله تعالى عليها، كشؤونه فى طعامه وشرابه ولباسه، وجلوسه ونومه، وما ماثل ذلك، فإن ذلك كله بعد تقرير الله عز وجل له، يكون بمنزلة الوحي حجة على العباد ما لم يقم دليل على خصوصيته بالنبى صلى الله عليه وسلم (3) .
(1) وهو ما يسميه الأحناف بالوحي الباطنى. ينظر: أصول السرخسى 2/90.
(2)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأمارة، باب من قتل فى سبيل الله كفرت عنه خطاياه إلا الدين 7/35 رقم 1885.
(3)
وسيأتى مزيد من تفصيل ذلك فى الجواب عن شبهة أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم فى الشريعة يؤيد أن السنة النبوية ليست كلها وحى ص421.
.. "وذلك يدل على أن كل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر فهو كما أخبر، وهو حق وصدق مطابق لما عند الله إجماعاً، فيجب التمسك به، لأنه من وحى الله تعالى إليه، وسواء علينا انبنى على هذا الوحي فى التكليف حكم أم لا، لا يفرق فى ذلك بين ما أخبر به الملك عن الله تعالى، وبين ما نفث فى روعة وألقى فى نفسه، أو رآه رؤية كشف واطلاع على مغيب على وجه خارق للعادة، أو اجتهد فى أمر أو نهى أو حكم وأقر عليه، فذلك معتبر يحتج به، ويبنى عليه فى الاعتقادات والأعمال جميعاً، لأنه صلى الله عليه وسلم، مؤيد بالعصمة فيما نقل إلينا من وحى الله تعالى"(1) .
وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على عصمته صلى الله عليه وسلم فى نقل هذا الوحي وتبليغه إلى الناس، وهذا هو مضمون المبحث الثانى فإلى بيان ذلك.
(1) الموافقات للإمام الشاطبى 4/456 بتصرف، المسألة العاشرة (ما كشف عن المغيبات للرسول فهو حق) .